من اتفاق وشيك إلى خلافات جديدة.. لماذا تعثر مسار الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة؟
بعد أيام فقط من إعلان الوسطاء والرئيس الأمريكي دونالد ترامب اقتراب التوصل إلى اتفاق بشأن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، عادت المفاوضات إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع بروز تحفظات إسرائيلية على مسودة الاتفاق، واستمرار قصفها واستهدافها مناطق عدة داخل القطاع، وتجدد الخلاف حول ترتيب تنفيذ البنود، خاصة ما يتعلق بنزع سلاح حركة حماس وباقي الفصائل انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.
وفي وقت دعا فيه الوسطاء إلى الحفاظ على مسار الاتفاق، تتركز الخلافات حالياً حول واحدة من أكثر القضايا حساسية: هل يسبق نزع سلاح حماس أي انسحاب إسرائيلي من القطاع، أم يجري تنفيذ الخطوتين بشكل متزامن؟، فضلا عن استمرار إسرائيل في المطالبة بحرية العمل العسكري في عموم مناطق القطاع.
إعلان اتفاق لنزع سلاح حماس
وكان "مجلس السلام" قد أعلن، الجمعة الماضية، خارطة طريق من 15 بنداً لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بعد إبلاغ حركة حماس والفصائل الفلسطينية الوسطاء موافقتها على النسخة الأخيرة من المسودة، بينما ظل الموقف الإسرائيلي غير محسوم.
وتنص المسودة، التي نشرها المجلس، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، وتولي "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، وانتشار قوة استقرار دولية لمراقبة تنفيذ الاتفاق، إلى جانب إطلاق عملية إعادة الإعمار.
كما تتضمن الخطة آلية للتعامل مع أسلحة الفصائل الفلسطينية، إذ تتولى اللجنة الوطنية عملية حصر السلاح وتخزينه بصورة تدريجية، تحت إشراف آليات تحقق دولية.
وبدا أن الاتفاق يقترب من مراحله الأخيرة بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المحادثات التي جرت في القاهرة بين الوسطاء وقيادات حركة حماس أسفرت عما وصفه بـ"اتفاق تاريخي" لنزع سلاح الحركة عبر مراحل محددة.
وقال ترامب إن الاتفاق يمثل خطوة نحو إنشاء إدارة فلسطينية جديدة تعمل بالتنسيق مع "مجلس السلام"، بما يضمن، بحسب تعبيره، الأمن لإسرائيل وإنهاء استخدام قطاع غزة كقاعدة لشن هجمات ضدها.
وقال عضو الوفد المفاوض في حركة حماس، غازي حمد، لبي بي سي، إن النسخة الأخيرة من الاتفاق تربط بدء عملية حصر السلاح بتنفيذ إسرائيل التزاماتها، وفي مقدمتها الانسحاب وفق الجدول الزمني المتفق عليه، وتسلم اللجنة الوطنية مهامها، وانتشار قوة الاستقرار الدولية.
وأضاف حمد أن الحركة "لن تنفذ هذه الخطوة إذا لم تنفذ إسرائيل التزاماتها"، مشيراً إلى أن تجربة المرحلة الأولى من الاتفاق "كانت مريرة" من وجهة نظر الحركة.
"بعد وفاتها بأسبوعين تلقيت مكالمة بالموافقة": مرضى غزة في عذاب الانتظار على أمل الإجلاء
كما قال مصدر مصري مطلع على مسار المفاوضات لبي بي سي إن مصر وتركيا قدمتا ضمانات بشأن تنفيذ الاتفاق، وإن الوسطاء كانوا يعتزمون عقد اجتماع في القاهرة لبحث آليات التطبيق، مع ترجيحات بإعلان الاتفاق بصورة نهائية إذا وافقت إسرائيل على المسودة.
لكن مصادر مطلعة على المفاوضات قالت لبي بي سي في اليوم نفسه إن التقدم الذي تحقق لا يزال هشاً، في ظل استمرار الخلافات بشأن عدد من البنود، ووجود شكوك حول قبول إسرائيل للصيغة النهائية للاتفاق.
إسرائيل تضع شروطها
وبعد إعلان ترامب، بدأت المواقف الإسرائيلية تظهر بصورة أكثر وضوحاً.
وقال دورون شبيلمان، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل نقلت إلى البيت الأبيض "مخاوف أمنية خطيرة" بشأن الاتفاق المقترح لنزع سلاح حماس.
وأضاف شبيلمان لوكالة أسوشيتد برس أن التقييمات الاستخباراتية الإسرائيلية تشير إلى أن حماس لا تزال ملتزمة بإعادة بناء قدراتها العسكرية، وليس بالتخلي الحقيقي عن السلاح.
وقال إن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من قطاع غزة، حيث يسيطر على أكثر من 60% من مساحته، قبل أن تنزع حماس سلاحها بالكامل.
وأضاف: "نزع السلاح يعني التخلي الفعلي عن الأسلحة، لا شيء أقل من ذلك".
ويقول ألون إفيتار، مستشار الشؤون العربية السابق في وزارة الدفاع الإسرائيلية، لبي بي سي إن نزع سلاح حماس يمثل جوهر الاتفاق من وجهة النظر الإسرائيلية، مشيراً إلى أن حكومة نتنياهو لم تر حتى الآن خطوات عملية على الأرض تؤكد بدء تنفيذ هذا البند.
في غزة: سم الفئران يقتل طفلاً بدلاً من القوارض
وتأتي هذه التصريحات في وقت لم يعلن فيه نتنياهو شخصياً قبول الاتفاق أو رفضه، بينما نقلت تقارير إعلامية إسرائيلية أن الحكومة أبلغت الوسطاء تحفظاتها على عدد من البنود.
فقد نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن مسؤولين أن الحكومة الإسرائيلية أبلغت "مجلس السلام" أن الوثيقة تمثل تقدماً في مسار المفاوضات، لكنها لا تزال لا تتوافق، من وجهة نظرها، مع المتطلبات الأمنية الإسرائيلية.
كما نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدر إسرائيلي أن إسرائيل اعترضت على ثلاثة بنود رئيسية، من بينها آلية التعامل مع الأسلحة التي ستُجمع من حماس، ودور قطر وتركيا في آلية التحقق من تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى القيود المفروضة على تحركات الجيش الإسرائيلي في المناطق التي ستنتقل مسؤوليتها إلى قوة الاستقرار الدولية.
خلاف على الترتيب لا على المبدأ
ويرى الكاتب والمحلل السياسي أشرف أبو الهول أن العقبة الأساسية في الوقت الحالي لم تعد تتعلق بمبدأ نزع السلاح، وإنما بترتيب تنفيذ الالتزامات.
وقال أبو الهول لبي بي سي إن موافقة حماس على التخلي عن إدارة قطاع غزة، وقبولها تسليم أسلحتها إلى جهة فلسطينية مستقلة، يمثل تحولاً مهماً مقارنة بمواقفها السابقة.
لكنه أشار إلى أن الخلاف الحالي يتمحور حول "توقيت وآلية تسليم السلاح، وموعد وحجم الانسحاب الإسرائيلي من غزة، واستمرار أو وقف العمليات العسكرية أثناء تنفيذ الاتفاق".
وأضاف أن إسرائيل تطالب بتدمير كامل لترسانة الفصائل الفلسطينية، بينما ترى الصيغة المطروحة أن تبدأ العملية بحصر السلاح وتخزينه تحت إشراف اللجنة الوطنية.
وقال أبو الهول إن مصر وبقية الوسطاء يشعرون بالإحباط بسبب استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي بعد موافقة حماس على هذه الخطوات، لكنهم لا يزالون يعتقدون بإمكانية إنقاذ الاتفاق.
وأضاف أن الاتصالات بين مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة مستمرة، بهدف معالجة نقاط الخلاف، وتحديد آليات دخول اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار الدولية إلى القطاع.
التصعيد يضغط على مسار الاتفاق
وتزامناً مع استمرار الخلافات السياسية، استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وهو ما دفع حركة حماس إلى دعوة الوسطاء للتحرك العاجل، كما أثارت انتقادات من ممثلين عن "مجلس السلام".
وقالت مصادر طبية فلسطينية إن الغارات الإسرائيلية خلال الأيام الماضية أسفرت عن سقوط قتلى، بينهم أطفال، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر وبنى عسكرية تابعة لحماس.
ودعت حركة حماس الوسطاء إلى التحرك لوقف الهجمات، محذرة من أن استمرار التصعيد قد ينعكس على جهود تنفيذ الاتفاق.
كما انتقد نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام"، التصعيد في منشور له على منصة إكس، قائلاً إن العنف الأخير أدى إلى سقوط مدنيين وتدمير إمدادات طبية، وحذر من أنه يقوض الجهود المبذولة لدفع مسار الاتفاق.
وبعد ذلك، عقد ملادينوف، إلى جانب مستشار المجلس أرييه لايتستون، اجتماعاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ووفق مصادر إسرائيلية، طلب الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام"، وقف جميع الضربات التي يشنها الجيش الإسرائيلي ضد حركة حماس في غزة، وذلك للسماح ببدء "وقف لإطلاق النار لمدة 14 يوماً" يهدف إلى إطلاق عملية تجريد حماس من السلاح.
وقال "مجلس السلام" إن الاجتماع كان "بناءً ومفصلاً"، وإن الهدف النهائي المتمثل في نزع السلاح الكامل والانتقال إلى إدارة مدنية في غزة لا يزال محل اتفاق، لكن آليات الوصول إلى ذلك الهدف لا تزال قيد البحث.
لكن إسرائيل أكدت بعد الاجتماع أنها لن تنسحب من مواقعها الحالية في القطاع، وأنها ستواصل التحرك ضد أي تهديدات لأمن جنودها ومواطنيها.
وتعود خارطة الطريق الحالية إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي وضع إطاراً لإنهاء الحرب والانتقال من العمليات العسكرية إلى مرحلة سياسية وإدارية جديدة في قطاع غزة.
وبموجب ذلك الاتفاق، تم إنشاء "مجلس السلام" كهيئة دولية للإشراف على تنفيذ الخطة، ويضم ممثلين عن الدول الضامنة والوسطاء، إلى جانب قوة الاستقرار الدولية المقترحة.
كما نص الاتفاق على تشكيل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" كجهة فلسطينية انتقالية تتولى إدارة القطاع خلال مرحلة ما بعد الحرب، بعيداً عن إدارة الفصائل، على أن تعمل تحت إشراف دولي.
ومنذ الإعلان عن الاتفاق، عقد الوسطاء سلسلة اجتماعات ومشاورات لمحاولة الانتقال إلى المرحلة التالية، التي تشمل انسحاب القوات الإسرائيلية، دخول اللجنة الوطنية إلى غزة، نشر قوة الاستقرار، بدء إعادة الإعمار، ومعالجة ملف سلاح الفصائل.
- "دُفنوا في قبر واحد": غزّة تُشيّع 112 جثماناً في أكبر جنازات القطاع منذ بدء الحرب
- إسرائيل تقيم حواجز جديدة داخل غزة وتتسبب في نزوح عائلات
- أرواح لا تقبل البتر: ما قصة أول فريق كرة قدم نسائي لمبتوري الأطراف في غزة؟