11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

حرب المُسيّرات في مدينة الأبيض: تحوّل تكتيكي يُهدّد المدنيين وشريان الإمداد العسكري في كردفان

حرب المُسيّرات في مدينة الأبيض: تحوّل تكتيكي يُهدّد المدنيين وشريان الإمداد العسكري في كردفان
BBC
Sat, 13 Jun 2026 13:29:12 GMT
bbc news arabic header storypage

تعيش مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تصعيداً غير مسبوق في الهجمات بالطائرات المسيّرة، في تحول يعكس طبيعة الحرب المتغيرة في السودان.

فبعد أكثر من عام على نجاح الجيش السوداني في فك الحصار البري الذي فرضته قوات الدعم السريع على المدينة، وتراجع القصف المدفعي المباشر، أصبحت السماء مصدر التهديد الرئيسي لسكان المدينة الذين يواجهون هجمات جوية متكررة تستهدف مواقع عسكرية ومدنية على حد سواء.

خلال الساعات الممتدة من مساء الأربعاء إلى صباح الخميس، شهدت الأبيض واحدة من أعنف موجات القصف بالطائرات المسيّرة منذ بدء الحرب، أسفرت بحسب حصيلة أولية، عن مقتل 23 مدنياً وإصابة 19 آخرين، وسط توقعات بارتفاع عدد الضحايا بسبب وجود إصابات حرجة.

واتهمت عدد من المنظمات المحلية قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجمات، بينما لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من القوات بشأن هذه الاتهامات.

وبحسب مجموعة "محامو الطوارئ" الحقوقية، بدأت الهجمات بسلسلة ضربات أدت إلى مقتل خمسة مدنيين وإصابة 12 آخرين. وقالت المجموعة إن إحدى المسيّرات استهدفت لاحقاً تجمعاً لمواطنين أثناء تشييع ضحايا الهجوم الأول في "مقابر دليل"، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة سبعة آخرين.

وأفادت مصادر محلية تحدثت إلى بي بي سي بأن مخاوف من تكرار الاستهداف دفعت بعض الأسر إلى تأخير مراسم دفن الضحايا، خشية تعرض مواكب التشييع لهجمات جديدة.

كما طالت الضربات أحياء سكنية عدة، بينها أحياء الموظفين والمطار ومناطق تقع بالقرب من قيادة الفرقة الخامسة مشاة المعروفة باسم "الهجانة". وأسفر القصف عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، بينهم أشخاص كانوا يشاركون في عمليات إسعاف وإنقاذ العالقين تحت الأنقاض.

وفي هجوم منفصل، سقطت قذيفة أطلقتها طائرة مسيّرة على منزل في شرق المدينة، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أفراد من أسرة واحدة، بينما أصابت ضربة أخرى محطة وقود وسط المدينة وأوقعت عدداً من الجرحى.

كما استهدفت طائرة مسيّرة شاحنة مدنية محملة بالمواد الغذائية في منطقة جبل كردفان جنوب المدينة، ما أدى إلى مقتل سائقها وتدمير حمولتها.

لماذا تمثل الأبيض هدفاً استراتيجياً؟

تكتسب مدينة الأبيض أهمية استثنائية في الحرب الدائرة بالسودان نظراً لموقعها الجغرافي الذي يربط وسط البلاد بغربها. وتُعد المدينة أكبر مركز حضري في إقليم كردفان وبوابة رئيسية نحو ولايات دارفور الخمس.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، تحولت المدينة إلى مركز لوجستي وعسكري رئيسي للجيش السوداني، حيث تستضيف قيادة الفرقة الخامسة مشاة، كما أصبحت نقطة ارتكاز للعمليات العسكرية المتجهة نحو شمال وغرب وجنوب كردفان، إضافة إلى جبهات دارفور.

تأتي الهجمات على الأبيض في وقت تشهد فيه جبهات كردفان تصعيداً متزايداً، إذ تحولت المنطقة خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات الحرب نشاطاً.

فبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على معظم مدن وسط السودان، أصبحت كردفان تمثل خط المواجهة الرئيسي بين الطرفين، نظراً لموقعها الرابط بين دارفور ووسط البلاد. وتخوض القوات الحكومية وقوات الدعم السريع مواجهات متفرقة في شمال وغرب وجنوب كردفان، وسط محاولات من الجيش لفتح طرق الإمداد نحو دارفور، وسعي قوات الدعم السريع للحفاظ على مناطق نفوذها في الغرب.

وفي هذا السياق، ينظر إلى الأبيض باعتبارها مركز القيادة والإمداد الأبرز للعمليات العسكرية الحكومية في الإقليم، الأمر الذي يجعلها هدفاً دائماً للهجمات.

إلى جانب أهميتها العسكرية، أصبحت الأبيض ملاذاً لعشرات الآلاف من النازحين الفارين من المعارك في ولايات كردفان ودارفور.

وخلال العامين الماضيين استقبلت المدينة موجات متتالية من النازحين القادمين من مختلف ولايات كردفان ودارفور، تقدر أعدادهم بحوالي مليون نازح، ما أدى إلى تضاعف الضغط على الخدمات الصحية والمياه والكهرباء والإيواء.

ويعني ذلك أن أي هجمات تطال الأحياء السكنية أو البنية التحتية الأساسية تنعكس بصورة مباشرة على أعداد كبيرة من المدنيين الذين لجأوا إلى المدينة باعتبارها إحدى أكثر المناطق أمناً نسبياً في إقليم كردفان.

من الحصار البري إلى حرب المسيّرات

يرى الصحفي المتخصص في شؤون كردفان زهير هاشم أن الهجمات الأخيرة تعكس تحولاً في تكتيكات قوات الدعم السريع بعد تراجع قدرتها على فرض حصار بري مباشر على المدينة.

ويقول إن الأبيض تمثل "مقدمة العمليات العسكرية للجيش السوداني وغرفة التحكم الأساسية للعمليات المتجهة نحو كردفان ودارفور"، مضيفاً أن استهدافها يهدف إلى تعطيل حركة القوات وإبطاء أي تقدم عسكري في الجبهات الأخرى.

ومع تعذر الوصول إلى المدينة برياً، اتجهت قوات الدعم السريع بصورة متزايدة إلى استخدام الطائرات المسيّرات الانتحارية بعيدة المدى، التي باتت تشكل أحد أبرز ملامح الحرب السودانية خلال العام الأخير.

ويشير خبراء عسكريون إلى أن هذه المسيّرات تمنح مستخدميها القدرة على تجاوز خطوط المواجهة التقليدية وضرب أهداف داخل مناطق بعيدة نسبياً عن جبهات القتال، ما يجعل التصدي لها أكثر تعقيداً مقارنة بالقصف المدفعي أو الهجمات البرية.

استهداف الإمداد.. حرب استنزاف اقتصادية

لم تعد أهداف الهجمات تقتصر على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى ما يشبه حرب استنزاف اقتصادية تستهدف شل حركة المدينة وإضعاف قدرتها على الصمود.

ويرى زهير هاشم أن تكرار استهداف الشاحنات التجارية ومحطات الوقود والبنية التحتية الحيوية يشير إلى محاولة تعطيل حركة الإمداد والتموين داخل المدينة، بما ينعكس على الأسواق والخدمات الأساسية.

وتحذر منظمات محلية من أن استمرار هذه الهجمات قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في مدينة تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة ناجمة عن تدفق النازحين وتراجع الخدمات الصحية.

وقالت "شبكة أطباء السودان" إن استهداف طرق الإمداد والسلع الأساسية يهدد بحدوث أزمة غذائية وصحية، في وقت يواجه فيه مستشفى الأبيض التعليمي نقصاً في الإمدادات الطبية والمحاليل المنقذة للحياة.

هلع بين السكان وإجراءات أمنية

أدت الهجمات المتكررة وحالات التحليق المستمر للطائرات المسيّرة إلى تصاعد مشاعر الخوف بين السكان. وقج اتخذت السلطات المحلية سلسلة من الإجراءات الاحترازية شملت تشديد حظر التجوال وتقليص التجمعات العامة وتطبيق إجراءات إظلام ليلي في بعض المواقع الحيوية، في محاولة للحد من مخاطر الاستهداف.

في المقابل اعتبرت مجموعة "محامو الطوارئ" الهجمات، أن استهداف المدنيين أثناء التشييع وعمليات الإنقاذ يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. كما دعت إلى إجراء تحقيق مستقل في الهجمات. وحملت قوات الدعم السريع المسؤولية عنها.

من جانبه، أدان حزب الأمة القومي في بيان له هذه الهجمات، واصفاً ما حدث بأنه "جريمة حرب مكتملة الأركان"، وانتهاكاً صارخا للقانون الإنساني الدولي، متهماً طرفي الحرب بتجاوز الالتزامات والتعهدات التي ظلا يعلنانها بشأن حماية المدنيين وعدم استهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية. وأكد البيان أنه لا حل عسكري لهذا الصراع، وأن المخرج الوحيد يتمثل في وقف الحرب فوراً.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon