يوم الحرية: كيف يراه دونالد ترامب؟
في التاسع عشر من يونيو/حزيران من كل عام، لا يحيي الأمريكيون يوماً عادياً، بل لحظةً طال انتظارها في تاريخ البلاد.
ففي عام 2021، أصبح هذا التاريخ أحدث عطلة رسمية في الولايات المتحدة، بعد توقيع الرئيس السابق جو بايدن قراراً باعتماده.
و"جونتينث" هو ناتج دمج كلمة "جون" التي تعني شهر يونيو/حزيران مع كلمة " تينث" التي تعني التاسع عشر.
في مثل هذا اليوم من عام 1865، وصل إعلان تحرير العبيد إلى ولاية تكساس، آخر الولايات التي استمر فيها الاستعباد رغم صدور إعلان "تحرير العبيد" قبل عامين.
وذلك لأن غياب وسائل النقل والاتصال حال دون وصول الخبر إلى تكساس.
جونتينث في السياسة الأمريكية
رغم مرور سنوات طويلة، لم يكن هذا اليوم بعيداً عن التجاذبات السياسية.
فخلال ولايته الأولى، تحدث الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن إمكانية جعله عطلة فيدرالية، لكنه لم ينفذ ذلك.
وجاء القرار لاحقاً في عهد الرئيس السابق جو بايدن في عام 2021 .
ومع عودته إلى الرئاسة، انتقد ترامب كثرة العطلات وتأثيرها على الاقتصاد. ولم يُلغِ اليوم، لكنه استبعده من قائمة الأيام التي تُفتح خلالها المتنزهات الوطنية مجاناً، مستبدلاً إياه بيوم الرابع عشر من يونيو/حزيران وهو يوم العلم الذي يصادف عيد ميلاده.
هذا القرار أثار انتقادات حادة، إذ يصف مارك موريال، رئيس الرابطة الحضرية الوطنية وهي منظمة مدنية معنية بتمكين أعضاء المجتمع الأمريكي الأفريقي، قرار ترامب استبعاد هذا اليوم من قائمة الأيام المجانية للمتنزهات، بالتصرف الطفولي ويضيف: "أعتقد أن الأمريكيين من أصل أفريقي ينظرون إلى الأمر ويقولون: نحن هنا مرة أخرى، أمام السيد ترامب المهووس بتضخيم ذاته. الأمر ليس مجرد تكرار لما حدث؛ بل إننا نتعرض للإهانة وعدم الاحترام من حكومتنا، وهذا أمر يبعث على الإحباط".
بين الخلاف… والإصرار على الاحتفاء
أصبح "جونتينث" نقطة خلاف بين الحزبين الرئيسيين في البلاد: الجمهوريين والديمقراطيين.
فبعض التيارات المحافظة، كما يقول حسن كوامي جيفريز، أستاذ التاريخ بجامعة ولاية أوهايو، ترى أن الاحتفاء به "مبالغ فيه"، وهو رأي يرفضه بشدة.
ويضيف جيفريز قائلاً: "في ظل هذه الإدارة سيتشبث المحافظون واليمين بأي شيء، يمكنهم استخدامه للترويج له بوصفه احتفالاً بثقافة غير بيضاء، وهذا أمر سخيف".
ويرى أن الحزب الديمقراطي مختلف، فالإدارة التي جعلت هذا اليوم عطلة رسمية كانت إدارة ديمقراطية.
لكن لانيترا بيرجر، مديرة الدراسات الأفريقية والأمريكية الأفريقية في جامعة جورج ماسون، تبدو واثقة من أن هذا اليوم سيبقى.
وتقول "حتى لو تغيّر الموقف السياسي، لن يختفي جونتينث .. الناس يعرفون ما يعنيه".
ثم تضيف: "قد يحاول البعض التقليل منه .. لكن لا أحد يستطيع أن يمنعنا من الاحتفال بحريتنا".
لكن ماذا نعرف عن هذا اليوم؟
بالنسبة لكثيرين، هذا اليوم ليس مجرد يوم آخر في التقويم، بل هو رمز لنهاية فصل طويل من العبودية وبداية قصة لم تكتمل بعد.
تزامن تحرير العبيد مع نهاية الحرب الأهلية الأمريكية التي بدأت عام 1861 واستمرت حتى عام 1865 بين ولايات الاتحاد في الشمال تحت زعامة الرئيس أبراهام لنكولن وولايات الكونفيدرالية في الجنوب التي كانت لا تزال تقرّ العبودية.
فالرئيس أبراهام لنكولن كان قد أعلن، في الأول من يناير/كانون الثاني 1863، أن جميع العبيد في الولايات المتمردة "أصبحوا أحراراً وسيظلون كذلك".
وغيّر هذا الإعلان بشكل جذري هدف الحرب الأهلية من الحفاظ على الأمة، إلى إلغاء العبودية أيضاً لكن هذا لم يحدث بين عشية وضحاها كما يشرح حسن كوامي جيفريز، أستاذ التاريخ بجامعة ولاية أوهايو، الذي يقول: "استغرق الأمر وقتاً حتى انتشر الخبر إلى بقية الكونفدرالية وولاياتها ومُلّاك العبيد بأن الحرب قد انتهت وكذلك العبودية".
عامان استغرقهما الخبر ليصل إلى تكساس إذ لم تكن هناك وسائل تواصل وإعلام لتحرير العبيد فيها.
قصص الحرية… ولمّ الشمل
في واشنطن، تصطحب ويندي هيل أحفادها إلى المتحف الوطني للتاريخ والثقافة الأمريكية الأفريقية. لا تكتفي بزيارة المعارض، بل تروي لهم ما تسميه قصة الطريق الطويل الذي سلكه الأجداد.
وتوضح ويندي أنه بعد وصول إعلان التحرير لجميع الولايات التي كانت تكساس آخرها، بدأ بعض من نالوا حريتهم في السير مع جنود الاتحاد شمالاً للبحث عن أحباء وأقارب وفي بعض الحالات أزواج، تفرق شملهم بسبب بيعهم لمُلّاك مختلفين وهي رحلات استمرت في بعض الحالات أربعين سنة.
تحكي ويندي هذه القصص لتبقي الذاكرة حية، ولتذكّر الأجيال الجديدة أن الحرية لم تكن لحظة، بل مساراً طويلاً من الألم والأمل. لكن لم يتمكن الجميع من الرحيل.
وتشرح مديرة الدراسات الأفريقية والأمريكية الأفريقية في جامعة جورج ماسون، لانيترا بيرجر، أن معظم من حُرّروا اضطروا إلى البقاء في أماكنهم لأنه لم تكن لديهم أماكن أخرى يذهبون إليها.
لهذا أُنشئت مؤسسات مثل "مكتب المحرَّرين" لتقديم المساعدة، في محاولة لإعادة بناء حياة خرجت للتو من العبودية.
وخلال فترة إعادة الإعمار، بدأ الأمريكيون من أصول أفريقية يدخلون الحياة السياسية ويشغلون مقاعد في الكونغرس.
لكن هذا التقدم، كما تشير لانيترا، قوبل بعنف شديد من جانب من صمموا على استمرار النظام العنصري، إذ هاجمت حشودٌ من الغاضبين المحرَّرين وشرعت في حرق الأحياء، وشنت عمليات إعدام خارج نطاق القانون، وارتكبت أعمال عنف واسعة.
من الماضي إلى الحاضر: جرح لم يلتئم
رغم مرور أكثر من قرن ونصف القرن، لم تختفِ آثار ذلك الماضي.
ففي عام 2020، أعاد مقتل الأمريكي من أصول أفريقية، جورج فلويد، على يد شرطي أبيض القضية إلى الواجهة، مطلقاً موجة احتجاجات واسعة تحت شعار "حياة السود مهمة".
ويرى جيفريز أن الاعتراف بيوم جونتينث بوصفه عطلةً فيدراليةً جاء في هذا السياق، لكنه يصفه بواقعية "إنه رد فعل رمزي .. والرموز مهمة، لكنها لا تكفي وحدها".
لم تكن لانيترا متفائلة كثيراً، لكنها متأكدة من استمرار الاحتفالات بجونتينث، إذ تقول: "لقد حدثت أمور كثيرة خلال العام ونصف العام الماضيين، ولم يتوقع أحدٌ التغييرَ لكنّ أموراً تغيرت فعلاً. هناك عددٌ كافٍ من الناس في الجنوب، من البيض والسود، ممن يعرفون يوم التحرير أو جونتينث ولن يرغبوا في المخاطرة السياسية بمحاولة إلغاء هذا اليوم في هذه المرحلة. لذا، آمل أن يستمر إحياء هذا اليوم". وتستطرد قائلة إنه "حتى لو لم يستمر، فإنهم لن يستطيعوا أبداً منع الأمريكيين من أصل أفريقي من الاحتفال بحريتهم، لا يمكن أبداً أن يُسلب منا هذا اليوم، ولا يمكن أبداً أن يُسلب منا الاحتفال به".