كيف أعاد "الإخوان المسلمون" في مصر تشكيل استراتيجيتهم الإعلامية؟
بعد أكثر من عقد على عزل الرئيس الراحل المنتمي لجماعة الاخوان المسلمين محمد مرسي في عام 2013، لا تزال جماعة الإخوان المسلمين المصرية مهمّشة سياسياً في الداخل، لكنها تواصل الحفاظ على حضور إعلامي في الخارج.
ولا تزال الجماعة مصنفة لدى السلطات المصرية منظمةً إرهابية، بينما لا يزال العديد من قادتها البارزين مسجونين. ويعمل قادة وناشطون آخرون إلى حد كبير من المنفى، وبشكل أساسي في تركيا والمملكة المتحدة وأجزاء من أوروبا.
وقد تطورت شبكة الجماعة الإعلامية بالتوازي مع هذه الحقائق السياسية. فبدلاً من العمل من خلال منظمة إعلامية مركزية واحدة، تعتمد الجماعة الآن على شبكة عابرة للحدود من القنوات التلفزيونية، والمواقع الإخبارية، والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية التي تروّج لروايات متعاطفة مع الجماعة أو متوافقة مع توجهها السياسي.
وقد أدى تقارب تركيا مع مصر منذ عام 2021 إلى فرض قيود جديدة على بعض المذيعين المعارضين في المنفى، ما أجبر بعض المؤسسات على تقليص أنشطتها في تركيا أو نقل عملياتها إلى أماكن أخرى. ومنذ ذلك الحين، تحولت وسائل الإعلام المرتبطة بالإخوان بشكل متزايد نحو عمليات لامركزية ومدفوعة رقمياً.
وتزامن هذا التحول مع انقسامات داخلية عميقة. فقد امتد التنافس بين ما يُسمى بـ"جبهة لندن"، التي يقودها القائم بأعمال المرشد العام صلاح عبد الحق، و"جبهة تركيا"، التي يقودها محمود حسين، الذي يعتبره مؤيدوه أيضاً القائم بأعمال المرشد العام، إلى الهياكل الإعلامية والمنصات الإلكترونية، ما أدى إلى نشوء مراكز متنافسة للاتصال والسلطة.
الانقسام والروايات المتنافسة
يعكس المشهد الإعلامي الحالي لجماعة الإخوان المسلمين الانقسام التنظيمي الأوسع للجماعة. وقد اصطفّت وسائل إعلام ومواقع إلكترونية مختلفة بشكل متزايد مع أحد معسكري القيادة المتنافسين.
ويرتبط موقع الجماعة الرسمي، "إخوان أونلاين"، عموماً بجبهة تركيا، بينما أصبح موقع "إخوان سايت" الأحدث منصةً لجبهة لندن.
وقد أدت هذه الانقسامات إلى تعقيد قدرة الجماعة على تقديم رسالة موحّدة. فقد أضعفت اتهامات الفساد، والنزاعات على القيادة، والادعاءات المتنافسة بشأن الشرعية، التماسك التنظيمي وقلّلت من قدرة وسائل إعلام الإخوان على التنسيق حول استراتيجية واحدة.
ومع ذلك، يظل البعد الإعلامي محورياً في جهود الجماعة للحفاظ على حضورها وأهميتها.
وقال الكاتب المصري أحمد ناجي، في مقال نُشر في صحيفة الأهرام الحكومية في 10 أغسطس/آب، إن المواجهة بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان انتقلت بشكل متزايد من الساحة السياسية إلى ما وصفه بأنه معركة حول تصورات الجمهور والوعي الجمعي.
المذيعون والمواقع الإلكترونية والتأثير عبر الإنترنت
تجمع البنية التحتية الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين اليوم بين وسائل البث التقليدية وحضور رقمي واسع.
ومن بين أبرز القنوات "مِكمّلين تي في- Mekameleen TV"، التي أُطلقت في تركيا عام 2014 وتعمل الآن من لندن. وتواصل القناة استضافة مقدّمين معروفين من المعارضة، مع الحفاظ على حضور قوي عبر يوتيوب (1.76 مليون مشترك)، وفيسبوك (2.7 مليون متابع)، وإكس (47,900 متابع)، وإنستغرام (88,700 متابع).
وتُعد قناة وطن، التي تتخذ من تركيا مقراً لها وترتبط بمعسكر محمود حسين المتمركز في إسطنبول، منصة رئيسية لبيانات جماعة الإخوان المسلمين وإحياء المناسبات المتعلقة بمحمد مرسي. وللقناة حضور على فيسبوك (1.7 مليون متابع)، وإكس (19,200 متابع)، وإنستغرام (162,000 متابع).
أما قناة الشرق، التي أُطلقت في الأصل عام 2014 ويرأسها حالياً السياسي المصري الليبرالي أيمن نور، فلا تزال واحدة من أكثر قنوات المعارضة شهرة والتي تستهدف الجمهور المصري. ولديها حسابات على فيسبوك (1.9 مليون متابع)، وإكس (725,900 متابع)، ويوتيوب (2.87 مليون مشترك)، وتلغرام (1,870 متابعاً)، وتيك توك (312,000 متابع).
وفي الوقت نفسه، تشغل "قناة الدعوة Daawah TV" موقعاً مختلفاً بعض الشيء، إذ تركز أساساً على البرامج الدينية، مع استضافة رجال دين مرتبطين بتيارات ذات توجه إخواني. وللقناة حسابات على فيسبوك (2.3 مليون متابع)، وإكس (4,930 متابعاً)، ويوتيوب (111,000 مشترك)، وإنستغرام (191,000 متابع).
وبجانب هذه المحطات، تؤدي شبكة من المواقع الإلكترونية دوراً مهماً. وتشمل هذه المواقع إخوان أونلاين، وإخوان سايت، ونافذة مصر، وعلامات أونلاين، وبوابة الحرية والعدالة.
وربما تكون منصة "شبكة رصد الإخبارية" هي المنصة الرقمية الأكثر تأثيراً، إذ تحظى بتفاعل كبير عبر فيسبوك (14 مليون متابع)، وإكس (5.2 مليون متابع)، ويوتيوب (2.5 مليون مشترك)، ولا تزال واحدة من أكثر وسائل المعارضة التي تركز على مصر متابعةً على الإنترنت.
كما يعكس تزايد أهمية شخصيات وسائل التواصل الاجتماعي تحولات أوسع في استهلاك الإعلام. فشخصيات مثل محمد ناصر، ومعتز مطر، وأسامة جاويش، وعبد الله الشريف، ويوسف حسين، تصل مجتمعة إلى ملايين المتابعين عبر منصات متعددة، وغالباً ما تمارس تأثيراً أكبر من القنوات الفضائية التقليدية.
وبحسب ناجي، أدركت جماعة الإخوان تاريخياً "أن القدرة على التأثير في المجتمع لا تتحقق من خلال التنظيم وحده، بل تتطلب أدوات اتصال قادرة على نشر الأفكار، وتشكيل المواقف، وحشد الدعم، وبناء النفوذ".
وأضاف أن الصراع بعد عام 2013 انتقل "من السلطة إلى الرواية"، مع تركيز وسائل الإعلام المرتبطة بالإخوان على موضوعات الشرعية، والمظلومية، والقمع، وحقوق الإنسان، قبل أن تتوسّع هذه الروايات لاحقاً لتشمل القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
تراجع الوصول أم تكيف استراتيجي؟
يتمثل السؤال الرئيسي الذي يواجه المحللين في ما إذا كانت وسائل إعلام جماعة الإخوان المسلمين تشهد تراجعاً طويل الأمد، أم أنها تكتفي بالتكيف مع بيئة متغيرة.
ويرى مؤيدو موقف الحكومة المصرية أن التأثير الإعلامي للجماعة قد تراجع بشكل كبير.
ووصف تقرير حديث نشره موقع "اليوم السابع" المؤيد للحكومة ما أسماه "سقوط أبواق الضجيج"، مجادلاً بأن الجمهور المصري رفض بشكل متزايد وسائل الإعلام المرتبطة بالإخوان بعد سنوات مما وصفه التقرير بأنه تضليل ومبالغة وروايات ذات دوافع سياسية.
وأكد المقال أن انخفاض أعداد المشاهدين، وتراجع التأثير، وإغلاق بعض وسائل الإعلام، تعكس نجاح "معركة الوعي" التي تخوضها مصر، وتزايد قدرة الرأي العام على مقاومة حملات التضليل.
وفي الوقت نفسه، فإن إغلاق بعض القنوات التلفزيونية أو إضعافها لا يعني بالضرورة اختفاء القدرات الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين. فقد تحولت الاستراتيجية الإعلامية للجماعة بشكل متزايد نحو التوزيع اللامركزي عبر الإنترنت، بما يتيح للمحتوى الانتشار عبر الحدود من دون الاعتماد على مقر ثابت، أو إشارة فضائية، أو غرفة أخبار فعلية.
ويعكس هذا التحول اتجاهات عالمية أوسع في مجال الاتصال السياسي، إذ غالباً ما تتفوق المنصات الرقمية على وسائل الإعلام التقليدية في الوصول إلى جماهير مستهدفة.
- ما هي أبعاد وتداعيات إدراج "إخوان السودان" على قائمة الإرهاب؟
- ماذا يقول الإخوان المسلمون عن خطوة ترامب بإدراجهم على "قائمة الإرهاب"؟
- إخوان مصر بعد ثمانية أعوام من الإطاحة بحكمهم إلى أين؟