موبي ديك: رواية القرن التاسع عشر التي تحدت خوف الإنسان من الحوت "العملاق"

موبي ديك: رواية القرن التاسع عشر التي تحدت خوف الإنسان من الحوت "العملاق"
Getty Images
Sun, 23 Aug 2026 05:40:05 GMT
bbc news arabic header storypage
رسم يوضح عملية صيد الحيتان في مياه المحيط ويظهر قارب على متنه مجموعة من الرجال أحدهم يسعى إلى رمي رمح على حوت عملاق
Getty Images

مرت 175 عاماً على كتابة هذه الرواية الكلاسيكية للكاتب الأمريكي، هرمان ملفيل، وهي قصة تحكي صراع الإنسان مع الحوت، بيد أن جوهر الرواية طرحت تساؤلاً عن سبب شعور البشر بهذا القدر من الرهبة من هذه الكائنات البحرية العملاقة.

دأب الإنسان، على مدار الزمان ورغم اختلاف المكان، على النظر إلى الحيوانات بوصفها أصدقاء ومتعاونين وآفات وآلهة وشياطين، وظلت نظرتنا إليها في تغيّر مستمر.

وأرصد في كتابي الجديد الذي يحمل عنوان "كتاب الوحوش: استعادة حكمة الحيوانات"، تاريخ الشعور الإنساني لعلاقاتنا بالحيوانات، كما أتأمل في الكيفية التي أثّر بها السرد القصصي في أسلوب معاملتنا لها، ويبدو أن مستقبلنا المشترك قاتماً، إلى حد كبير، مع تراجع أعداد الكائنات في الحياة البرية بنسبة 73 في المئة بين عامي 1970 و2000.

وعلى الرغم من ذلك، فإن علاقة البشر مع مخلوق واحد على وجه الخصوص، وهو الحوت، ينبغي أن تبعث فينا الأمل، ففي العصور القديمة والعصور الوسطى، كان يُربط الإنسان بين الحيتان ووحوش البحر والشيطان، أما اليوم فقد أصبحت الحيتان من الحيوانات التي يتوق كثير من البشر إلى رؤيتها وإنقاذها.

وتأتي واحدة من اللحظات المفصلية في إعادة نظر الإنسان في علاقته بالحوت قبل 175 عاماً، مع صدور رواية "موبي ديك" للكاتب هرمان ملفيل، تلك الملحمة الأمريكية التي تحكي قصة صراع الإنسان مع الحوت، والتي يؤدي هوس بطلها المأساوي، الكابتن أهاب، بمطاردة حوت العنبر الأبيض الذي يحمل عنوان الرواية، إلى موته.

ويروي القصة شخص يدعى إسماعيل، وهو بحار ينضم إلى رحلة الكابتن أهاب لصيد الحيتان بحثاً عن المال والمغامرة، بيد أن أهاب يكشف، على متن السفينة، السبب الحقيقي للرحلة: ألا وهو الانتقام، فهو يريد مطاردة الحوت "موبي ديك" والقضاء عليه، لأنه كان سبباً وراء بتر ساقه في رحلة سابقة.

بيد أن ملفيل لم يكن يشارك أهاب عداءه تجاه ذلك الكائن البحري، بل إن روايته تدعو القراء إلى التساؤل عن مصدر خوف البشر من الحيوانات "المرعبة"، وعما إذا كانت تلك المخاوف تقول عنّا أكثر مما تقوله عن تلك الحيوانات.

القصة الحقيقية التي ألهمت "موبي ديك"

رسم توضيحي لغرق سفينة صيد الحيتان "إسكس" بسبب اصطدام حوت عنبر بها، وهي الحادثة التي ألهمت كتابة رواية "موبي ديك"
Getty Images
رسم توضيحي لغرق سفينة صيد الحيتان "إسكس" بسبب اصطدام حوت عنبر بها، وهي الحادثة التي ألهمت كتابة رواية "موبي ديك"

كان صيد الحيتان، في الوقت الذي نشر فيه ملفيل روايته "موبي ديك"، في منتصف القرن التاسع عشر، نشاطاً اتسع نطاقه وأصبح قطاعاً تجارياً كبيراً، وكان صائدو الحيتان يبحرون في رحلات محفوفة بالخطر لقتل الحيتان واستخراج شحومها بغية الحصول على "زيت التران"، الذي استُخدم في تزويد آلات الثورة الصناعية بالزيت، وفي إضاءة "مصابيح الزيت" في المدن المتنامية.

وأصبحت بلدة نانتوكيت، الواقعة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة في ولاية ماساتشوستس، والتي تبدأ فيها أحداث رواية "موبي ديك"، عاصمة صيد الحيتان، وحملت لقب "المدينة التي أضاءت العالم"، وكان صائدو الحيتان قد عرفوا هذه الكائنات من خلال الملاحظة المباشرة، بعد أن توفرت للعلماء عينات خضعت للتشريح، وقسّم علم التصنيف الحيتان وغيرها من الحيوانات إلى فئات محددة اعتماداً على فروق تشريحية والتاريخ التطوري، وأخيراً، بدا وكأن البشر قد سلطوا الضوء على ذلك العالم الغامض في أعماق المياه.

وعلى الرغم من ذلك، ظلّت بعض الحيتان تتحدى تلك التصورات البشرية المتعلقة بقابلية التنبؤ بها، ففي 20 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1820، صدم حوت عنبر سفينة صيد الحيتان "إسكس" وأغرقها في جنوب المحيط الهادئ، واستطاع 20 رجلاً النجاة على متن ثلاثة قوارب، وقضوا قرابة ثلاثة أشهر في البحر، يعانون الجوع والجفاف، ثم انتهى بهم الأمر، وفقاً لشهادتين مكتوبتين للناجين، إلى اللجوء إلى أكل لحوم البشر، وكان من بين الناجين شخص يدعى أوين تشيس، أحد كبار أفراد الطاقم، والذي ألهمت شهادته كتابة أحداث رواية "موبي ديك".

وبدون شك رسخت المأساة الواقعية والقصة الملحمية التي أوحت بها، في الخيال الجمعي، على نحو غير مسبوق، احتمالاً بالغ الندرة يتمثل في هجوم حوت على سفينة، فاحتمالات أن يصدم حوت سفينة تكاد تنعدم تماماً، إذ لا يوجد سوى نحو خمس حالات تاريخية مسجلة، كما أن الحيتان تتجنب المواجهة، وتُفهم اليوم حوادث مثل غرق السفينة "إسكس" على أنها حوادث اصطدام عرضية أو أفعال دفاع عن النفس، بيد أن مخاوفنا، كما أراد ملفيل نفسه أن يظهرها من خلال رواته، ليست عقلانية دائماً.

كيف رأى ملفيل "الوحش القديم" وخصومه البشر؟

النجم الأمريكي غريغوري بيك في دور الكابتن أهاب في فيلم أنتجته هوليوود مقتبس من رواية "موبي ديك" عام 1956
Getty Images
النجم الأمريكي غريغوري بيك في دور الكابتن أهاب في فيلم أنتجته هوليوود مقتبس من رواية "موبي ديك" عام 1956

كما يروي إسماعيل، فإن نزعة اللاعقلانية عند الكابتن أهاب لا تعرف حدوداً، إذ يسعى إلى الانتقام من الحوت الذي ألحق به تلك الإصابة الجسيمة، ويعلن أن على طاقمه مطاردة "موبي ديك" حول العالم "حتى ينزف دماً أسود ويتدحرج مقلوباً على جانبه"، والمغزى هو أن أهاب وصائدي الحيتان الآخرين يستطيعون الاستمرار في قتل الحيتان بلا نهاية، لكن إذا قاوم حوت ورد الهجوم، فإن غضبه سيكون غير متكافئ على نحو كبير.

في الواقع، ربما كان الرعب الذي شعر به الإنسان تجاه الحوت مرتبطاً، إلى حد كبير، بمخاوف مكبوتة ذات صلة بضعفه الخاص، وكان أوين تشيس قد كتب في شهادته عن الحوت الذي صدم السفينة "إسكس" قائلاً: "استدرت، ورأيته يندفع نحونا، فيما بدا لي بسرعة تعادل ضعف سرعته المعتادة، وفي تلك اللحظة بدا لي أن ملامحه تنطوي على عشرة أضعاف الغضب والانتقام".

أما إسماعيل، فهو أقل يقيناً من أهاب بشأن ما يمثله الحوت، يتنقل بين الخوف والفخر، لكنه يقرن الحوت صراحة بالوحش البحري "لوياثان" الوارد ذكره في الكتاب المقدس، وبحلول أواخر العصور الوسطى، كان مفكرون مسيحيون مثل الراهب والفيلسوف في القرن الثالث عشر، توما الأكويني، قد حدّدوا لوياثان صراحة بأنه الحوت.

قدّم لنا ملفيل الوحش القديم، لكنه في ذات الوقت وضع هذا التصور المتوارث منذ عصور موضع تساؤل، مشيراً إلى الكيفية التي أصبح بها الحوت مستودعاً لمشاعر البشر الأوسع تجاه المجهول. وبالنسبة لكابتن أهاب، فإن الحوت الأبيض يعد تجسيداً للفوضى واللامبالاة والقسوة، ويعلن أهاب صراحة أن "كل الأشياء المرئية ليست سوى أقنعة من ورق مقوّى".

ويرى أهاب الجانب المادي للحوت مجرد واجهة تخفي وراءها قوة أعظم بكثير تنطوي على مكر، ويتوق أهاب إلى تدمير ذلك "الشيء المستعصي على الإدراك" والكامن وراء قناع الحوت "موبي ديك"، وهذا الشيء المستعصي على الإدراك الذي يشير إليه هو ما يفترضه "قوة شريرة في الطبيعة"، سواء أطلقنا عليها شيطان، أم إله، أم قدر.

ويرى إسماعيل أن أهاب يحمّل الحوت "خلاصة كل الغضب والكراهية العامّين اللذين شعر بهما جنسه البشري بأسره منذ آدم"، وعلى مدار آلاف السنين، ربط البشر فعل قتل الوحوش بالبطولة، ولا تزال هذه السرديات عصيّة على الزوال، حتى وإن كان الطريق الأكثر شجاعة يتمثل في التعايش معها.

أما التصنيفات الثنائية، كالخير والشر، سواء أُسقطت على الحيوانات أم على البشر الآخرين، فهي تمثل مخرجاً مغرياً يبعث على الالتباس، بيد أن ملفيل في روايته "موبي ديك" يرفض هذا النهج، وحتى بين أولئك الذين كانت مهنتهم في ذلك الوقت تقتضي النظر إلى الحيتان بوصفها منتجاً، لم تكن الحيتان شيئاً واحداً على الإطلاق، فقد كان بعض صائدي الحيتان يصفونها بالوحوش، بينما نشأ لدى آخرين شعور بالتعاطف أو الفضول نتيجة الملاحظة المباشرة.

وكتب صائد الحيتان ج. روس براون في كتابه "رسومات من رحلة صيد حيتان" الصادر عام 1846: "لا أستطيع أن أتصور شيئاً أشد إثارة للرعب من ذبح هذا اللوياثان العملاق في أعماق البحر".

إعادة تشكيل صورة الحوت في العصر الحديث

حوت عنبر في المحيط الأطلسي قبالة جزر الكناري
Getty Images
حوت عنبر في المحيط الأطلسي قبالة جزر الكناري

بعد جيلين من بلوغ صيد الحيتان ذروته، باتت الحيتان تعني للبشر اليوم أشياء مختلفة تماماً، فعندما يقرأ معاصرون اليوم رواية "موبي ديك"، فإن كثيرين منهم يتعاطفون مع الحوت، لا مع صائد الحيتان، وخلال القرن الماضي، أدى التحول الاقتصادي إلى تقليص صيد الحيتان التجاري، رغم عدم اختفائه تماماً، فعلى الرغم من الحظر الدولي، لا تزال النرويج وأيسلندا واليابان تصطاد الحيتان من أجل تحقيق أرباح، بيد أن شعور بالإعجاب بهذه الحيتان والرغبة في إنقاذها حلّ، إلى حد كبير، محل الشعور بالخوف والاستغلال الاقتصادي الذي اتسمت به علاقتنا بالحيتان في عصر ملفيل.

وأصبح البشر اليوم يتبنون فكرة أن الحيتان تردّ على قسوة البشر، وحتى إن كنا لا نعرف بعد ما الذي تفعله تحديداً، فإن قصصنا عنها قد تغيرت، ففي السنوات الماضية، أصبحت الحوادث المتزايدة التي تصدم فيها حيتان الأوركا، المعروفة أيضاً باسم الحيتان القاتلة، القوارب قبالة سواحل إسبانيا والبرتغال تُعرف على وسائل التواصل الاجتماعي باسم "انتفاضة الأوركا"، رغم أن العلم لا يمتلك حتى الآن أدلة كثيرة تثبت أن أفعالها عدائية متعمّدة.

وكانت إحدى المحطات المهمة في تحوّل صورة الحوت في نظر البشر عام 1967، عندما سجّل عالم الأحياء الأمريكي، روجر باين، أغاني الحيتان، فتأثر البشر بها، ومنذ ذلك الوقت، أظهرت مجموعة كبيرة من الدراسات أن الحيتان قادرة على تبني أشكال معقدة من التواصل الذي كان يُعتقد ذات يوم أنها ميزة للبشر دون غيرهم، فهل يمكن أن تكون الحيتان قادرة أيضاً على مبادلة البشر مشاعر لطيفة؟

وفي كتابي، أنقل روايات عن صيادين فيتناميين أنقذتهم حيتان، وهي روايات أسهمت في تشكيل معتقداتهم الشعبية، كما تحدثت مع نان هاوزر، عالمة متخصصة في الحيتان أنقذها حوت أحدب، كما رصدت دراسات عالم البيئة البحرية، روبرت بيتمان، سلوكاً من الإيثار بين أنواع لدى الحوت الأحدب، تنقذ حيوانات بحرية مثل الفقمات من حيتان الأوركا.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الروايات والدراسات تعزز الإحساس بأن للحيتان عالماً داخلياً قد يضاهي عالمنا.

ويقول تشيس كوفين، من نانتوكيت، وهو سليل أوين تشيس، وتفخر عائلته بتراثها في صيد الحيتان، إن مشاعرهم تجاه الحيتان قد تغيّرت، ويضيف: "تتبرع عائلتي الآن كل عام لمنظمة إنقاذ الحيتان، وأنا كنت نباتياً معظم حياتي".

لقد أظهر لنا ملفيل في روايته "موبي ديك" كيف نصنع وحوشنا من الخوف والشعور بالذنب اللذين نكبحهما داخل أنفسنا، وإذا تجاوزنا التصورات التي نسقطها نحن على تلك الكائنات، فقد نتمكن أخيراً من تسليط الضوء على الأعماق الحقيقية لهذه الحيوانات.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon