بلدية الخليل: توسع إسرائيل في سيطرتها على الضفة الغربية "نهاية مطاف" المفاوضات
وصفت مسؤولة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة أحدث توسع إسرائيلي لسيطرتها في المنطقة بأنه "نهاية مطاف" المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وقالت أسماء الشرباتي، القائمة بأعمال رئيس بلدية الخليل، إن التعديلات القانونية الجديدة التي أعلنها وزراء الحكومة الإسرائيلية مؤخراً، ستُقصي السلطات الفلسطينية من المشاركة في قرارات التخطيط العمراني والتنمية، حتّى في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية.
وتُعدّ الخليل بؤرة دائمة التوتر في الضّفة الغربية المحتلة؛ فهي مدينة مقسمة، حيث يحرس جنود إسرائيليون مئات المستوطنين الإسرائيليين، الذين يعيشون مع الفلسطينيين جنباً إلى جنب، في حامية عسكرية إسرائيلية.
وقد أقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي، يوم الأحد، تعديلات جوهرية على تقاسم السلطات القائم في الضفة الغربية الذي أُقرّ قبل ثلاثة عقود بموجب اتفاقيات أوسلو، المدعومة من الولايات المتحدة والتي وقع عليها القادة الإسرائيليون والفلسطينيون.
وتسمح هذه التعديلات بتوسع السيطرة الإسرائيلية لتشمل، إلى جانب الاحتلال العسكري، تقديم الخدمات البلدية في المناطق التي يديرها الفلسطينيون، فضلاً عن منحها صلاحيات واسعة للاستيلاء على ما وصفته بـ"المواقع التراثية" في جميع أنحاء الضفة الغربية، وذلك لحماية موارد المياه والبيئة والآثار، بحسب قولهم.
وتقول إسرائيل أيضاً إنها ستتولى سلطة التخطيط في "كهف البطاركة" في الخليل، وهو المسمى العبري لأحد أقدس المواقع في اليهودية، الواقع داخل الحرم الإبراهيمي في المدينة.
"الآن بات بإمكانهم وضع أيديهم على أي مبنى وإعلانه موقعاً أثرياً بمنتهى البساطة، والسلطة الفلسطينية ليست طرفاً في أي قرار يتعلّق بالتخطيط العمراني أو تطوير المنطقة"، بحسب الشرباتي التي تقول إنها لم تتلقَّ أي إخطار رسمي بخطط إسرائيل، وإنها تستقي التفاصيل من الأخبار الإسرائيلية.
على بُعد أمتار قليلة من سوق الخضار الصاخب في الخليل، عبر البوابات الفولاذية الرمادية للحاجز الإسرائيلي، رصدنا مشهداً يتسم بالتوتر والوحشة، حيث أغلقت المحلات الفلسطينية أبوابها، وأُغلِقت الشوارع لحماية المستوطنين الإسرائيليين.
يعيش عيسى عمرو، الناشط الفلسطيني، داخل منطقة منقسمة مضطربة، معروفة باسم H2. ونحن نشق طريقاً طويلاً متعرجاً نحو منزله، مررنا بالحدائق الخلفية للبيوت الفلسطينية، وبممرات حجرية، وصولاً إلى تلة تُطل على الحي.
حين بلغنا المكان المنشود، كان زوجان يهوديان متشدّدان يتناولان غداءهما في الهواء الطلق تحت الأشجار. وظهر مستوطن من منزل مجاور وتبع خطواتنا على الطريق لفترة ما.
في داخل منزل عيسى، توجد لوحة كُتب عليها "فلسطين حرة". ومن خلال نافذته، يمكن رؤية علم إسرائيلي ضخم يرفرف فوق الشوارع في الأسفل.
أشار عيسى إلى المباني الفلسطينية القريبة التي أُخليت من سكانها بعد سنوات من التوتر وتوسع السيطرة الإسرائيلية؛ لكنه يقول إن التغييرات الجديدة تختلف عما سبق.
وأوضح قائلاً: "لقد كانوا يتوسعون بشكل كبير بلا أي أساس قانوني، أما الآن فسيصبحون هم القانون".
وأضاف: "إنهم يغيرون الوضع من كونها أراضٍ محتلة إلى نزاع قانوني. إنها الآن جزء من إسرائيل بلا أي حقوق لي. إنه ضم للأرض دون وجودي بوصفي فلسطينياً".
تعتزم إسرائيل الشروع في تقديم الخدمات البلدية للمستوطنين اليهود في الخليل، وفتح باب تملّك الأراضي في جميع أنحاء الضفة الغربية أمام المواطنين الإسرائيليين.
ويُحظر على الفلسطينيين بيع ممتلكاتهم لغير الفلسطينيين، بموجب القانونين الفلسطيني والأردني.
وهناك مخاطر حقيقية يواجهها بعض من باعوا ممتلكاتهم سرّاً للإسرائيليين في الماضي، بعد نية إسرائيل نشر سجلات الأراضي التي بِيعت سراً؛ فالمحظورات الاجتماعية المتعلقة ببيع الأرض للمحتل الإسرائيلي راسخةٌ بعمق.
التقيت جبريل موراغ، الذي يعيش بجوار الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل. وأخبرني أنه رفض عرضاً من مجموعة من الإسرائيليين لشراء منزله قبل 18 عاماً.
قال لي جبريل: "عرض عليّ أحدهم 25 مليون شيكل (8 ملايين دولار)، لكنني رفضت. قال إنه سيدفع أي مبلغ أريد، وأن بإمكاني البقاء هنا ما شئت. لكن لا يجوز البيع للاحتلال" يقصد إسرائيل.
ويعيش أكثر من 700 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل، وهما منطقتان استولت عليهما إسرائيل من الأردن في حرب 1967. ويطالب الفلسطينيون بهذه الأراضي لإقامة دولتهم المستقلة المنشودة إلى جانب قطاع غزة.
وتُعدّ المستوطنات غير شرعية بموجب القانون الدولي.
"دفن" فكرة الدولة الفلسطينية
إن فتح المجال أمام حقوق الملكية، والنقل الواسع للسلطات المدنية في المناطق التي يديرها الفلسطينيون، يمثل تحولاً مهماً في توسع إسرائيل طويل الأمد في سيطرتها على الضفة الغربية، الذي تصاعد بعد هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب في غزة.
عند إعلانه عن الإجراءات الجديدة، قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن سياسات الاستيطان: "إننا نرسخ وجودنا في جميع أنحاء أرض إسرائيل، وندفن فكرة الدولة الفلسطينية".
وقال تسفي سوكوت، وهو مشرّع في حزب الصهيونية الدينية اليميني المتطرف الذي يتزعمه سموتريتش: "يهودا والسامرة [الضفة الغربية] هي الوطن اليهودي لشعب إسرائيل. أتوقّع سيادة إسرائيلية كاملة هنا".
واستدرك: "لكن في الوقت الراهن على الأقل يمكننا الإشراف، حتى لا يكون هناك أي ضرر بيئي، ولن نلحق الضرر بتراث شعب إسرائيل، حتى لو كان ذلك في مناطق تسيطر عليها السلطة الفلسطينية".
ومع ذلك، فإن هذه التغييرات القانونية الأخيرة لا تكتفي بتقويض الاتفاقيات التي وقّعتها إسرائيل قبل عقود، بل تُضعف أيضاً ما تبقى من صلاحيات للسلطة الفلسطينية، التي وردت في خطة دونالد ترامب للسلام، لتتولى أمر السلطة من حماس في نهاية المطاف.
قالت الشرباتي رئيسة بلدية الخليل: "إننا نعيش حقيقة مُرّة، وهي أننا غير محميين. المؤسسات لا تحمينا. والعالم يرى قطاع غزة والمجازر، ويتحدث عنها، ولا يفعل أكثر من ذلك".
ودعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى "رد حازم" من الحكومة الأمريكية، قائلاً إن قرار إسرائيل يُعرقل جهود دونالد ترامب في المنطقة، ويُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي.
حتى الآن، لم يُدلِ الرئيس ترامب بتصريحات تُذكر سوى إعادة تأكيد معارضته ضم إسرائيل الرسمي للضفة الغربية.
يُذكر أن عدة دول، من بينها المملكة المتحدة، قد اعترفت بدولة فلسطينية العام الماضي. والآن، وبعد أن منحت إسرائيل نفسها سلطات مدنية في الأراضي الفلسطينية، سألنا الحكومة البريطانية عن ردّها.
أخبرنا هاميش فالكونر، وكيل وزارة الخارجية البريطانية لشؤون الشرق الأوسط، أنه من المتوقع أن نسمع المزيد من الحكومة البريطانية في الأيام المقبلة.
وقال: "ندين بشدة هذا القرار، ونتوقع إلغاءه".
وأضاف: "يقول جميع أصدقاء إسرائيل تقريباً إن هذا خطأ فادح للغاية".
يستمر توسع الوجود والسيطرة الإسرائيلية في أنحاء الضفة الغربية، بينما لا يزال التركيز الدولي منصباً على غزة.
ومع ذلك، فإن خطة ترامب لغزة تعتمد على دعم الدول العربية، التي يطالب الكثير منها بتحقيق تقدم نحو إقامة دولة فلسطينية.
وما يحدث في الخليل، وبقية أنحاء الضفة الغربية المحتلة، قد يُهدد رؤية ترامب لغزة، وخطته لتحقيق سلام أوسع في الشرق الأوسط.
- مسؤول في البيت الأبيض يؤكد معارضة ترامب ضم إسرائيل للضفة الغربية
- الجيش الإسرائيلي يُنهي عملية عسكرية استمرت لأيام في الخليل، وفلسطينيون يرونها محاولة لفرض السيطرة الإسرائيلية
- إسرائيل تؤجل هدم ملعب كرة قدم للأطفال الفلسطينيين بعد حملة دولية