معارك إقليم النيل الأزرق بالسودان تدفع الآلاف نحو المجهول
"خلال وجودنا في حيِّنا كان الموت أقرب إلينا من أي شيء، فالقذائف تتساقط على مدار الساعة".. بهذه الكلمات تختصر النازحة السودانية، الزينة يعقوب، مأساة فرارها برفقة أبنائها الأربعة من محلية "باو" بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، لتجد نفسها في مواجهة حرب من نوع آخر مع النزوح والتشرد.
الزينة، التي باتت تقوم بدور الأم والأب معاً نظراً لانخراط زوجها في جبهات القتال منذ أكثر من عام، فرت إلى عاصمة الإقليم "الدمازين" لتجد أن مخيمات الإيواء مكتظة فوق طاقتها الاستيعابية، ما اضطرها للّجوء إلى أقارب لها.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وضيق ذات اليد لدى الأسر المضيفة، دفع الإحباط بابنها الأكبر (16 عاماً) للتوجه نحو مدينة الروصيرص المجاورة للعمل والعيش في تجمع عشوائي، بينما تخطط الأم لرحلة نزوح جديدة نحو ولاية سنار بحثاً عن خيارات أفضل للحياة، قائلة لبي بي سي: "أقاربي لم يقصّروا في استضافتنا، لكن المدة تطاولت ولا نعرف متى ستنتهي الحرب. أنوي الذهاب لمدينة سنار، لعلّ وعسى أن أجد عملاً بالسوق".
72 بالمئة من النازحين يقيمون في العراء
تجسد قصة الزينة الواقع القاتم الذي كشفت عنه منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة في تقرير حديث لها، إذ أعلنت عن تفاقم حاد في الأزمة الإنسانية بإقليم النيل الأزرق، مؤكدة أن النطاق الإجمالي للفارين من الصراع الأخير في الإقليم ارتفع إلى قرابة 60 ألف شخص يمثلون نحو 12 ألف أسرة.
وأفاد التقرير الأممي بأن نحو 72% من هؤلاء النازحين الجدد يعيشون حالياً في تجمعات غير رسمية ومناطق مفتوحة في العراء جراء الافتقار الحاد لمراكز الإيواء الرسمية، في حين استقرت النسب المتبقية إما مع عائلات مضيفة بنسبة 21%، أو داخل المدارس والمباني العامة بنسبة لا تتعدى 7%.
وترجع موجة النزوح الحالية إلى مطلع العام الجاري، إثر شن تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال هجوماً واسعاً على محلية "باو". وتصاعدت حركة فرار المدنيين بشكل حاد عقب هجمات لاحقة شنها مقاتلو التحالف على محلية "الكرمك" ومناطق قريبة من "قيسان" في مارس/ آذار الماضي، مما أدى إلى توزيع الفارين الجدد على سبع محليات بالولاية تصدرتها الدمازين والروصيرص.
وبحسب المنظمة الدولية، فإن 57% من الفارين اضطروا للانتقال إلى مناطق ريفية معزولة داخل الإقليم، بينما استقر 43% منهم في المراكز الحضرية.
"نمنا تحت الأشجار"
النزوح في العراء لم يكن خياراً بل هو الملاذ الأخير لآلاف العائلات، مثل عائلة "أتيم أحمد" الذي واجه رحلة شاقة عبر القرى برفقة زوجته وطفلتيه قبل أن ينتهي به المطاف في "مخيم الكرامة 3" بالدمازين. يروي أتيم لبي بي سي معاناة فراره من مدينة الكرمك قائلاً: "قررنا الخروج في نهايات أبريل/ نيسان الماضي، وخلال طريق الفرار مرضت ابنتي الرضيعة بالملاريا ونفدت كل مدخراتي المادية. كنا نتنقل من قرية إلى أخرى، ننام أحياناً في مساجد القرى وفي أحيان كثيرة ننام تحت الأشجار".
وعلى الرغم من وصوله للمخيم، يواجه أتيم ظروفاً معيشية متردية، واصفاً خياراته الحالية بأنها انحصرت بين "البقاء في المخيم أو المغادرة نحو المجهول".
تحذيرات إنسانية مع اقتراب الخريف
وحذرت منظمة الهجرة الدولية من التبعات الخطيرة لإقامة هذه الأعداد الضخمة تحت الأشجار وفي المزارع المفتوحة؛ حيث تفتقر التجمعات العشوائية للحماية الأمنية الأساسية، كما تعاني في الحصول على المياه الصالحة للشرب، بجانب ضعف في المرافق الصحية.
ونبّهت الأمم المتحدة إلى أن النساء والفتيات يشكلن الكتلة الحرجة من الفارين الجدد بنسبة 53%، ما يجعلهن عرضة بشكل مباشر لمخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وفي حديث لبي بي سي، أوضح محافظ الكرمك، عبد العاطي الفكي، أن تدارك الوضع الإنساني يتم عبر جهود مشتركة بين حكومة المحافظة وحكومة الإقليم، بجانب مفوضية العون الإنساني. مؤكداً أن "التحدي الأكبر الآن هو فصل الخريف، وهنالك ترتيبات جارية لنقل النازحين من معسكر الكرامة 3 إلى موقع آخر تفادياً للمشكلات التي تحدث جراء هطول الأمطار في الموقع الحالي". وأضاف الفكي: "هنالك حوالي 15 ألف نازح يقيمون بالمخيم، و5 آلاف آخرين خارجه يعانون نقصاً حاداً في الغذاء والدواء"، مناشداً الجهات الدولية الإنسانية بسرعة الاستجابة لإغاثة الفارين.
النيل الأزرق: إرث الصراع والتعقيد الإقليمي
يعيد هذا التصعيد الميداني إقليم النيل الأزرق، المتاخم لدولتي إثيوبيا وجنوب السودان، إلى واجهة التوترات الأمنية المعقدة في السودان. ويعاني الإقليم تاريخياً من إرث ممتد من النزاع المسلح بين الحكومة المركزية والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال منذ عقود، حيث بدأت جولات الصراع الأولى منذ عام 1987 خلال الحرب الأهلية السودانية الثانية، وتجددت في عام 2011 عقب انفصال جنوب السودان، بسبب عدم استكمال ملف الترتيبات الأمنية والمشورة الشعبية.
ومع اندلاع الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تداخلت خيوط الصراع في الإقليم عقب دخول الفصائل المسلحة المحلية على خط المواجهة وتغير تحالفاتها الميدانية حيث تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، وسط اتهامات متزايدة بالتدخل الخارجي. و تشير تقارير استخباراتية وأمنية إلى تدفق الإمداد العسكري عبر الحدود المفتوحة مع دولة أثيوبيا لدعم تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية، وهو ما نفته إثيوبيا.
ومع انسداد الأفق السياسي وتمدد جبهات القتال، يتجاوز الخطر الراهن في النيل الأزرق مجرد كونه أزمة نزوح محلية، ليتحول إلى مأزق إنساني وأمني يهدد بخلخلة الاستقرار على جانبي الحدود السودانية الإثيوبية، فالإقليم الذي يضم منشآت إستراتيجية حيوية، من بينها خزان الروصيرص المغذي الرئيسي لشبكة الكهرباء والري في البلاد، بات اليوم مهدداً بالاقتتال العابر للحدود.
وبانتظار حلول جذرية تضع حداً لهذه المأساة المتشابكة، يظل آلاف الفارين من أطفال ونساء، كعائلتي "الزينة" و"أتيم"، رهائن واقع قاسي، حيث باتت رحلة البحث عن سقف آمن أو شربة ماء نقية، بمثابة معركة يومية يخوضها آلاف أنهكهم التعب وهد قواهم.
- "النفاذ إلى البحر الأحمر": فصل جديد في صراع مصر وإثيوبيا
- مدينة عِبرِي السودانية تشهد مواجهات عنيفة بين الأهالي والشرطة بسبب انقطاع الكهرباء
- السودان: هل يقف على أعتاب واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم؟