ما الذي سيجري في القمة المقبلة بين ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ؟
اللقاء بين رئيسي الولايات المتحدة والصين مهم دائماً مهما كانت الظروف. ومع الأزمات الاقتصادية التي يواجهها العالم بسبب حرب إيران ومع التحدي الذي تمثله قضية الذكاء الاصطناعي، فإن اجتماع القمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضيفه الرئيس الصيني شي جين بينغ سيحظى بمتابعة كل العالم.
التقى الرجلان منتصف شهر مايو/أيار الماضي عندما زار ترامب الصين. وزيارة شي هي رد على تلك الزيارة التي حظي فيها ترامب باستقبال حافل، ومن المتوقع أن يستقبل ترامب شي بحفاوة مماثلة. كانت النتيجة الأهم للقمة الماضية هي تهدئة التوتر الاقتصادي بين البلدين والوصول إلى ما وصف بالهدنة الاقتصادية التي تمثلت أبرز مظاهرها في تخفيض ترامب للتعرفة الجمركية التي كان قد رفعها إلى درجة غير مسبوقة وصلت إلى 145 في المئة العام الماضي.
حرب إيران
حرب إيران تمثل خلافاً واضحاً بين الطرفين. فالصين تتمتع بعلاقات سياسية واقتصادية قوية مع طهران وتستورد جزءاً كبيراً من النفط الذي تصدره إيران. والولايات المتحدة اليوم في حرب مع إيران وتحاصر الموانئ الإيرانية وتمنع تصدير النفط. وقد أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخراً سياسة سمتها النبذ الاقتصادي تستهدف الشركاء التجاريين لإيران بعقوبات بسبب تعاملهم مع طهران. وقد كان السؤال الذي تواجهه واشنطن في هذا الصدد يتعلق بما ستفرضه على الصين، وهي شريك إيران التجاري الأول.
يقول نيت سوانسون، الباحث في مؤسسة المجلس الأطلسي في واشنطن، إن الولايات المتحدة ستبحث هذه القضية مع الرئيس الصيني لترى إن كان الضغط بهذا الشكل سيحفز الصين على الضغط على إيران للوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. إلا أن ذلك ليس متوقعاً، إذ إن للصين تاريخاً طويلاً من عدم الالتزام بالعقوبات الأمريكية.
من الناحية العسكرية المباشرة تثار الاتهامات في الولايات المتحدة للصين بمساعدة إيران في الحرب عن طريق تزويدها بمعلومات من الأقمار الاصطناعية الصينية. موقف ترامب من هذه الاتهامات تضمن أحياناً تحذيراً شديداً للصين بمواجهة العقوبات الأمريكية إذا صحت الاتهامات، لكنه قال في مناسبات أخرى إنه يثق بالرئيس الصيني وبأنه لن يساعد إيران. تلك الاتهامات ستكون حاضرة على طاولة النقاش أثناء الزيارة.
وفي هذا الصدد يتوقع سوانسون أن تعرض الصين الوساطة على الولايات المتحدة، وإن كان إنجاح أي وساطة أمر صعب لكنه يرى أن الصين قد تستطيع إقناع إيران بعدم تحريك حلفائها في العراق ووقف هجماتهم.
الذكاء الاصطناعي
تتصدر الولايات المتحدة العالم في تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، لكن الصين تنافسها بقوة في هذا المضمار. وتأتي زيارة الرئيس الصيني في وقت تواجه في الولايات المتحدة والعالم لحظة فاصلة في قضية التعامل مع الذكاء الاصطناعي. فقد ثار جدل كبير بعد استقالة أحد خبراء شركة أنثروبيكس وتحذيره من أن التطور غير المسيطر عليه بشرياً للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى دمار البشرية خلال بضع سنوات. من جانب آخر، دعت مجموعة من أهم رؤساء شركات التكنولوجيا مثل سام ألتمان وإيلون ماسك، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي وإلى إيجاد صيغة تنظيمية تكفل السيطرة البشرية عليه ولجم أي احتمال لانفلاته.
لكن ترامب عارض بشدة فرض أي قيود على الذكاء الاصطناعي، معرباً عن قناعته بأن ذلك قد يؤدي لأن تخسر الولايات المتحدة السباق مع الصين. يقول ألوك ميهتا، مدير مركز الذكاء الاصطناعي في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن، أن الولايات المتحدة لا تزال متفوقة على الصين في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، وإن ترامب لا يريد لذلك أن يتغير:
(منذ تولي إدارة ترامب السلطة، ساد قلق مستمر من أن أي تباطؤ في تطوير الذكاء الاصطناعي، بأي شكل من الأشكال، من خلال القوانين واللوائح مثلاً، سيسمح للصين باللحاق بالركب. ويعود جزء من هذا القلق إلى التقدم الكبير الذي شهدناه في مجال الذكاء الاصطناعي الصيني، بدءاً من إطلاق "ديب سيك"، ومؤخراً مع إطلاق "كيمي". ويرى معظم الخبراء أن الفجوة بين أقوى النماذج الصينية وأقوى النماذج الأخرى قد تقلصت من حوالي تسعة أشهر إلى ما يقارب شهرين أو ثلاثة أشهر. لذا وفي كل مرة يُثار فيها موضوع ما إذا كان ينبغي علينا فرض تنظيمات أكثر صرامة في الولايات المتحدة، يكون الرد غالبًا أن ذلك سيكون صعبًا للغاية لأنه سيسمح للصين باللحاق بنا).
وقد حظي موقف ترامب بتأييد من مجموعة أخرى من رؤساء شركات التكنولوجيا مثل جينسين هوانغ ومارك زوكربرغ. وستحضر مجموعة من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى في قطاع التكنولوجيا في البيت الأبيض أثناء لقاء ترامب وشي. لا يرى ميهتا أن هناك احتمالاً كبيراً للوصول إلى اتفاق لتعاون واسع في مجال الذكاء الاصطناعي أثناء الزيارة، لكنه يرى أن المخاوف الأمنية من التغيرات السريعة سواء في مجال الذكاء الاصطناعي أو حتى الأمن السيبراني قد تؤدي إلى تعبيد الطريق لإنشاء آلية تواصل بين واشنطن.
تايوان
أما تايوان فهي ملف حاضر دائما في العلاقات بين الطرفين. وقد أظهر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن موقفا غير متحفظ في تعهده بالتصدي لأي تحرك عسكري صيني ضد الجزيرة التي تعتبرها بكين جزءا لا يتجزأ من أراضيها. تتبع أمريكا تاريخيا سياسة تعرف بالغموض الاستراتيجي وهي أنها لا تصرح بموقفها والتزامها الفعلي بأمن تايوان إزاء أي تهديد صيني. لكن بايدن صرح أكثر من مرة بأن أمريكا سوف تتدخل عسكريا. أما ترامب فلا يتحدث كثيرا عن تايوان إلا أنه وكلما واجهه سؤال عن التحدي الذي تمثله الصين على كل المستويات يشير إلى أنه يتمتع بعلاقة شخصية قوية جدا مع الرئيس شي.
استقبال ترامب لشي سيكون مناسبة لإظهار ذلك الجانب الشخصي في العلاقة. لكن العالم سيتابع أيضا ما يمكن أن يحصل على صعيد القضايا الأكثر صعوبة والتي يختلف أو يتنافس عليها البلدان الأقوى اقتصاديا في العالم.