حظر النشر في قضايا عنف هزّت مصر: هل يحمي خصوصية الضحايا؟

حظر النشر في قضايا عنف هزّت مصر: هل يحمي خصوصية الضحايا؟
Getty Images
Tue, 14 Apr 2026 11:51:57 GMT
bbc news arabic header storypage
صورة تعبيرية لفتاة خلف زجاج
Getty Images
لا يشمل الحظر البيانات الصادرة عن النيابة العامة التي أعلنت في بيان لاحق أنها ستتابع أي مخالفات لقرار الحظر

أعلنت النيابة العامة المصرية، في بيان رسمي الاثنين، حظر النشر في جميع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية بشأن ثلاث وقائع حدثت مؤخراً: واقعة إقدام سيدة على إنهاء حياتها بمنطقة سموحة بالإسكندرية، إلى جانب قضيتين لاغتصاب فتيات قُصّر من قبل أشخاص في محيطهن الأسري.

واعتبرت النيابة، وفق البيان، أن تداول هذه الوقائع "يلقي آثاراً وتبعات سلبية على قيم الأسرة المصرية، ويسيء لمشاعر أسر الضحايا، ويؤثر عليهم وعلى خصوصياتهم ومصالحهم بصورة لا تخدم الصالح العام".

ولا يشمل الحظر البيانات الصادرة عن النيابة العامة، التي أعلنت أيضاً في بيان لاحق أنها ستتابع، من خلال وحدة الرصد التابعة لمكتبها الإعلامي، أي مخالفات لقرار الحظر.

وفي بيان آخر، تعليقاً على واقعة سيدة الإسكندرية، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أنه خاطب الجهات المعنية للمطالبة بحذف المقاطع المصورة من منصات التواصل الاجتماعي، مشددًا على حظر نشر أي أخبار تتضمن التصريح باسم المتوفاة، احتراماً لحرمة وفاتها وتطبيقاً للمواثيق المهنية.

حظر النشر كحل قاطع؟

يرى نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي، أن حظر النشر لم ولن يكون حلاً، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات والآراء.

ويؤكد البلشي أن القاعدة العامة تقتضي أن تصدر قرارات حظر النشر في أضيق نطاق، بهدف منع التأثير على سير العدالة، وليس لحماية المجتمعات، التي ينبغي أن تحمي نفسها عبر التعامل المهني والجاد مع الحقائق، لا بحجبها.

صورة لفتاة تجلس في الظلام
Getty Images
يؤكد نقيب الصحفيين المصريين أن القاعدة العامة تقتضي أن تصدر قرارات حظر النشر في أضيق نطاق بهدف منع التأثير على سير العدالة

وسبق أن حظرت النيابة العامة المصرية النشر في قضايا شهيرة، مثل قضية مقتل الشابة نيرة أشرف عام 2022، وقضية اتهام إحدى الإعلاميات بالاتجار بالمخدرات عام 2025، وقضية مقتل أحد القضاة عام 2024.

ويُعاقَب من يخالف حظر النشر بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه (نحو 93 دولاراً) ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفقًا لقانون العقوبات المصري. كما قد يتم حظر حسابات مواقع التواصل الاجتماعي المخالفة أو فرض غرامات تصل إلى مليون جنيه.

ويقول البلشي ل بي بي سي إنه كان يتابع، قبل صدور قرار الحظر، ما يرده من مخالفات، مضيفاً أن جميع المواقع والصحف المقيدة في نقابة الصحفيين حذفت المحتوى المخالف بعد التواصل مع رؤساء التحرير، خاصة أن جريمة انتهاك الخصوصية تُعد الأخطر في العمل الصحفي، بحسب وصفه.

من جانبها تؤيد المحامية الحقوقية نسمة الخطيب قرار حظر النشر في هذا النوع من الوقائع، في الوقت الحالي، لحماية الضحايا من النساء والأطفال وأسرهم. وترى أن هناك جمهوراً يقلل من شأن الضحايا في وقائع العنف الأسري، كما حدث في قضية سيدة الإسكندرية، وكذلك في قضايا العنف الجنسي كاغتصاب الفتيات القُصّر.

العنف الأسري: شكاوى من نساء في مصر ومطالب بتشريعات رادعة

وتشير نسمة، في حديثها لبي بي سي، إلى عدم التزام كثير من الصحفيين بميثاق الشرف الصحفي، إلى جانب نشر أصحاب صفحات التواصل الاجتماعي معلومات عن الضحايا دون ضوابط، وكشف خصوصياتهم، وإجراء لقاءات مع أسرهم.

في المقابل، يرى المحامي طارق البلتاجي أن حظر النشر في مثل هذه القضايا يعدّ انتهاكاً للحق في المعرفة، مقترحاً بدلاً من ذلك إدخال تعديلات تشريعية تتضمن عقوبات محددة لضبط النشر في وسائل الإعلام، وكذلك استخدام منصات التواصل الاجتماعي في انتهاك خصوصية المتهمين والضحايا وأسرهم.

كما دعا البلتاجي في حديثه لبي بي سي إلى وجود جهة مسؤولة عن إقرار هذه العقوبات، مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مشيراً إلى أن سلطة نقابة الصحفيين تنظيمية وتقتصر على أعضائها فقط، وهم نسبة محدودة من العاملين في المجال الصحفي في مصر.

ويعاقب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر من يخالف مواثيق التغطية الصحفية بإجراءات تشمل حجب الوسيلة الإعلامية مؤقتًا أو دائمًا، أو سحب ترخيصها، أو منع الظهور، أو فرض غرامات مالية، وفقًا لطبيعة المخالفة.

فتاة تجلس علي السرير وتداري وجهها
Getty Images
تؤيد المحامية الحقوقية نسمة الخطيب قرار حظر النشر في هذا النوع من الوقائع لحماية الضحايا من النساء والأطفال وأسرهم

أخلاقيات التغطية

يقول نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي، إن بعض أنماط التغطية الصحفية لهذه الوقائع شهدت خروقات خطيرة لأخلاقيات المهنة، داعياً الصحفيين إلى الالتزام بالمواثيق الإعلامية المصرية.

ويوضح أن سلطة النقابة، كجهة تحقيق وتأديب، تقتصر على الصحفيين والصحف المقيدة لديها، ولا تمتد إلى أصحاب منصات التواصل الاجتماعي.

كما دعا البلشي الصحفيين إلى عدم التسابق وراء تحقيق "الترند"، لما قد يؤدي إليه ذلك من صدور "قرارات حظر نشر مدفوعة بغضب الناس من التناول غير المهني لبعض التفاصيل".

ويبلغ عدد الصحفيين المشتغلين وتحت التدريب المقيدين في نقابة الصحفيين المصرية نحو 12 ألف صحفي، وهو رقم محدود مقارنة بعدد العاملين في المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية الخاصة، الذين يمارسون العمل الصحفي دون أن يكونوا مقيدين بالنقابة، نظراً لشروط القيد المتعلقة بالتأمينات وامتلاك المؤسسة لترخيص رسمي.

ويضيف البلشي أن النقابة تعمل على تعديل ميثاق الشرف الصحفي لمواكبة التطورات، خاصة فيما يتعلق بالمحظورات المرتبطة بنشر بيانات المتهمين والضحايا، خصوصاً النساء والأطفال، إلى جانب التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، نظرًا لأن النسخة الحالية من الميثاق صدرت عام 1998.

ما أسباب ارتفاع معدل الانتحار بين الشباب الأمريكيين؟

من جانبها، ترى الصحفية مروة فاضل، التي تعمل في إحدى وسائل الإعلام المحلية المتابعة للوقائع الثلاث، أن حالة "اللهاث وراء الترند" لدى بعض الصحفيين وأصحاب صفحات التواصل الاجتماعي أدت إلى خرق قواعد التغطية الأخلاقية، مؤكدة أنه ليس جميع الصحفيين سيلتزمون بميثاق الشرف، كما أن السلطات لن تتمكن من ضبط كل مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي.

وينص الميثاق الإعلامي المصري الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2021 على عدة ضوابط، منها حظر نشر أسماء الضحايا أو ذويهم، ومنع نشر المقاطع المصورة التي تتضمن مشاهد عنف، والتأكيد على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، واحترام خصوصية أسر الضحايا، والاعتماد على المصادر الرسمية. وهي ضوابط لم تلتزم بها بعض وسائل الإعلام، وأغلب منصات التواصل الاجتماعي، بحسب ما رصدته بي بي سي عربي.

سيدة تجلس في الظلام وتغطي وجهها بكفها
Getty Images
ترى الصحفية مروة فاضل أن حالة "اللهاث وراء الترند" لدى بعض الصحفيين وأصحاب صفحات التواصل الاجتماعي أدت إلى خرق قواعد التغطية الأخلاقية

ضوابط النشر

تشير المحامية الحقوقية والباحثة النسوية نسمة الخطيب إلى قانون حماية الشهود والمبلغين لعام 2019، الذي يكفل حماية هوياتهم وبياناتهم، وهو ما ينطبق، في هذه الحالة، على أهالي الضحايا. وتوضح أنها، بصفتها محامية في قضايا مشابهة تتعلق بالعنف الجنسي، تطلب من النيابة عدم النشر وضمان سرية البيانات والمعلومات.

وتؤكد نسمة أنها رفضت، في السابق، طلبات من مواقع صحفية كبرى لإجراء حوارات مع ضحايا اغتصاب كانت تتولى قضاياهم، لأن التغطية الإعلامية لهذا النوع من الجرائم قد تسهم في الوصم المجتمعي للضحايا، وهو ما يعزز، في رأيها، أهمية قرارات حظر النشر.

من جانبه، يوضح المحامي طارق البلتاجي أن قانون الإجراءات الجنائية يحظر نشر أي وقائع قيد التحقيق تتعلق بهوية أطرافها، سواء تصريحاً أو تلميحاً، قبل صدور حكم نهائي، وذلك لمنع التأثير على سير العدالة.

ويضيف أن القانون يلزم من قام بالنشر بإعادة نشر الحكم النهائي بنفس المساحة والمكان، متسائلاً: ماذا لو صدر حكم بالبراءة؟ قد لا يحظى بنفس مساحة الاتهامات التي سبق نشرها.

وينتقد البلتاجي غياب عقوبة جنائية صريحة على هذا الفعل، إذ تظل العقوبة مدنية فقط، من خلال دعاوى التعويض التي قد يرفعها المتضررون، مشيرًا إلى وجود صعوبات في تنفيذ هذه الأحكام.

أما بشأن موافقة أهالي الضحايا أو المتهمين على إجراء مقابلات إعلامية، فيؤكد البلتاجي أن ذلك لا يعفي الصحفي من المسؤولية، لأنه الأدرى بالضوابط المهنية. ويضيف أن بعض الأسر قد لا تدرك سياق النشر، خاصة في ظل ظروفها النفسية أو الاجتماعية، وهو ما قد يُستغل لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، بحسب وصفه.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon