كيف تصبح بعض عمليات رأب الجفون "وصفة لكارثة"؟
تحذير: صور ووصف لعمليات جراحية
تقول نيكيتا مورغان، واصفةً تجربتها مع جراحة الجفون: "صوّر الجميع الأمر على أنه سهل للغاية، لكنني شعرت وكأن النيران تلتهم وجهي، وكانت هناك رائحة مروّعة لجلد محترق".
قررت نيكيتا الخضوع لعملية رأب الجفون، المعروفة اختصاراً باسم "بليف" (bleph)، بعد مشاهدة مقاطع فيديو عنها على وسائل التواصل الاجتماعي. وتتضمن العملية إزالة الجلد من المنطقة الواقعة فوق العينين مباشرة. ورغم تخديرها موضعياً، شعرت نيكيتا بألم شديد.
ويقول جرّاحو تجميل الجفون والمنطقة المحيطة بالعين، وهم أطباء متخصصون في الجراحات التي تُجرى حول العينين، إن عدداً مقلقاً من المرضى البريطانيين يبلّغون عن مشكلات ناجمة عن عمليات رأب الجفون منخفضة التكلفة، التي تُجرى غالباً خارج المملكة المتحدة.
وأوضح هؤلاء الجرّاحون لبي بي سي أن الطلب على هذه العملية، التي تبلغ تكلفتها عادة آلاف الدولارات في بريطانيا، ازداد في إطار توجّه تجميلي أوسع نحو شدّ الوجه، وإزالة التجاعيد، ورفع الجفون المتهدلة.
ويقول الجرّاحون إن مضاعفات ارتبطت بعمليات أجريت في عيادات بأنحاء أوروبا وأفريقيا وآسيا، وإن نقص الرعاية اللاحقة عند حدوث هذه المضاعفات يشكّل عبئاً على هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.
وإلى جانب نيكيتا، تحدثنا إلى عشرات الأشخاص الذين واجهوا مشكلات بعد هذه العمليات، من بينهم امرأة اضطرت إلى استخدام شريط لاصق لإبقاء عينيها مغلقتين أثناء النوم، بعدما أُزيلت كمية كبيرة من جلد جفنيها، وهنالك أخرى خشيت أن تفقد بصرها.
كما أخبرنا جرّاحون في بريطانيا أنهم عاينوا مرضى لم يعودوا قادرين على إغلاق أعينهم بصورة طبيعية بعد تلقيهم العلاج في الخارج.
أرادت نيكيتا، وهي من سكان دبلن، إبراز شكل عينيها، لكنها لم تستطع تحمّل تكلفة جراحة الجفن العلوي في أيرلندا، بعدما قيل لها إنها ستتجاوز أربعة آلاف يورو (نحو 4700 دولار).
ثم اكتشفت الشابة البالغة من العمر 31 عاماً، عبر تيك توك، أن بإمكانها إجراء العملية لدى شركة "فيسلاند" (Faceland) الهولندية مقابل 750 يورو (نحو 840 دولاراً).
ووصفت عيادة الشركة في دوسلدورف في ألمانيا بأنها "أشبه بخط إنتاج، يدخل شخص ويخرج آخر باستمرار".
وقالت الشركة إنها أجرت أكثر من 2950 عملية رأب جفون لمرضى من بريطانيا في عياداتها في هولندا وألمانيا وسويسرا، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024.
وتؤكد الشركة أنها تقدّم علاجات "آمنة وذات جودة"، وأبلغتنا بأن "أقل من واحد في المئة من العمليات أسفرت عن تقديم شكاوى"، لكن هذه النسبة لا تشمل جميع المرضى الذين احتاجوا إلى جراحات تصحيحية.
وكان معظم المرضى الذين تحدثوا إلى بي بي سي عن مشكلات واجهوها بعد جراحة رأب الجفون قد خضعوا للعملية في عيادات الشركة، لكننا لا نعرف العدد الإجمالي للمضاعفات التي حدثت لدى فيسلاند.
تقول نيكيتا، التي خضعت للعملية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إنها لم تكن تدرك مدى تعقيدها وطبيعتها الجراحية وآثارها الدائمة، إذ كانت تعتقد أنها تشبه "حقن الشفاه أو البوتوكس".
ورغم حقن نيكيتا بمخدّر موضعي، فإنها شعرت بألم لم تختبر مثله من قبل عندما بدأت الطبيبة بشقّ جلد جفنها الرقيق.
وتقول: "دخلت في حالة صدمة، كان الأمر مروّعاً. وعندما كانت الطبيبة تخيط الجرح، كنت أشعر بالإبرة وهي تخترق جلدي".
وتؤكد فيسلاند أن جميع المرضى يخضعون لاستشارات طبية ويوقّعون على استمارات الموافقة قبل إجراء العمليات، لضمان أن يكونوا "على دراية كافية ومستعدين جيداً".
وأضافت أن الطبيبة التي أجرت العملية أفادت بأن نيكيتا كانت "شديدة القلق والتردد" أثناء الجراحة، "وهو ما قد يؤثر في الإحساس بالألم".
وبعد ساعات قليلة، كانت نيكيتا، التي وصفت نفسها بأنها "مصدومة"، على متن طائرة عائدة إلى منزلها. ورغم أن الخبراء الطبيين وشركة فيسلاند نفسها ينصحون بعدم السفر جواً في يوم الجراحة، فإن نيكيتا كانت قد شاهدت كثيرين يفعلون ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقول: "كنت أجد صعوبة في الرؤية، وكلما نظرت إلى الأعلى، كانت مواضع الغرز تنزف، حتى بدا الأمر وكأنني أبكي دماً".
تشعر نيكيتا بندم شديد على سفرها في يوم الجراحة نفسه، وتنصح الآخرين بعدم تكرار تجربتها.
إقبال على جراحة رأب الجفون
أظهر تحليل أجرته بي بي سي أن مقاطع الفيديو المتعلقة بعمليات رأب الجفون، والتي نشرتها حسابات في بريطانيا عبر أربع من أبرز منصات التواصل الاجتماعي، حصدت نحو 150 مليون مشاهدة خلال السنوات الثلاث الماضية، أي خمسة أضعاف عدد المشاهدات التي كانت قد سُجّلت خلال ثلاث سنوات سابقة على تلك الفترة.
ويتحدث كثيرون في منشوراتهم عن نتائج إيجابية لهذه العمليات، وقد خضع عدد كبير منهم للعلاج لدى فيسلاند.
أخبرتنا إحدى النساء أنّ تَدلّي جفنيها كان يحدّ من قدرتها على الرؤية ويسبّب لها الصداع. ولم تكن مؤهلة لتلقي العلاج عبر هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، كما لم تستطع تحمّل تكاليف العلاج في القطاع الخاص في بريطانيا. لكنها تقول إن مشكلاتها زالت بعد تلقي العلاج لدى فيسلاند.
وتقول الشركة عبر موقعها الإلكتروني إنها تعمل على تغيير سوق هذه الجراحات من خلال التركيز على تقديم "رعاية ميسورة التكلفة، ويسهل الحصول عليها، وعالية الجودة". وتوضح أن هذه العمليات يجريها أطباء معتمدون يتلقون تدريباً داخلياً لدى فيسلاند.
وقال جرّاحون في بريطانيا لبي بي سي إن جراحة الجفن العلوي تستغرق عادة نحو ثلاث ساعات، تشمل التحضير للعملية والجراحة نفسها والرعاية بعد إجرائها. لكن مرضى فيسلاند الذين تحدثنا إليهم قالوا إنهم أمضوا أقل من ساعة في عيادات الشركة.
وتقول فيسلاند إن إتاحة إجراء عدد أكبر من العمليات بالنسبة للأطباء يساعد على خفض التكاليف بشكل كبير.
"قطعوا الكثير من جلدي"
بعد ثمانية أيام من خضوعها لعملية رأب الجفون لدى فيسلاند، قصدت لورا، وهو اسم مستعار، قسم الحوادث والطوارئ للمرة الأولى (من أصل أربع مرات)، بعدما انفتحت الجروح في جفنيها مجدداً.
بدا أن العملية التي خضعت لها في عيادة الشركة بأمستردام، في يونيو/حزيران، سارت على ما يرام، لكن المشكلات بدأت عندما أزالت الغرز بعد عودتها إلى بريطانيا، وهو أمر يفعله كثير من المرضى الذين يخضعون للجراحة في الخارج.
فقد انفتحت الشقوق الهلالية الشكل فوق عينيها، بعدما كانت الغرز تُبقي أطرافها متلاصقة، كما ظهرت جروح حمراء مكشوفة أصيبت بعدوى. قال جرّاحون في بريطانيا لبي بي سي إن حدوث ذلك يُفترض أن يكون نادراً جداً إذا كان مَن أجرى العملية قد تلقّى تدريباً مناسباً.
وتقول لورا، وهي في أوائل الأربعينيات من عمرها، إنها حاولت الاتصال بخط الطوارئ التابع لفيسلاند مرات عدة عندما حدث ذلك للمرة الأولى، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى أحد، فسارعت يائسة إلى قسم الحوادث والطوارئ.
وتقول: "كلما أغمضت عينيّ لفترة طويلة، كان الشدّ يتسبب في انفتاح الجروح مجدداً. كنت أخشى النوم، وأعاني ألماً مبرحاً لا يفارقني".
وخلال الأيام التالية، استمرت لورا في التواصل مع طبيبها لدى فيسلاند، وعرضت أكثر من مرة العودة بالطائرة لفحص حالتها.
وتقول: "كنت أبكي وأتوسّل إليهم حرفياً: لا يمكنكم تركي هكذا".
لكن فيسلاند أخبرتها بأن الأفضل لها هو تلقي العلاج بالقرب من مكان إقامتها.
وأُحيلت لورا إلى اختصاصي عيون تابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، أبلغها بأن "كمية مفرطة من الجلد" قد أُزيلت.
وماذا عن شعور لورا حيال تحمّل هيئة الخدمات الصحية الوطنية تكلفة تصحيح العملية منخفضة التكلفة التي خضعت لها؟
تقول: "أشعر بالذنب... سيقول الناس: هذا خطؤكِ أنتِ. لكنني ما كنت لأخضع لهذه العملية لو كنت أعرف ما يمكن أن يحدث".
تقول فيسلاند إنها لا تستطيع التعليق بالتفصيل على قضية لورا، لأنها تتخذ إجراءات قانونية ضد الشركة.
وكـ"بادرة حسن نية"، عرضت لجنة مستقلة للشكاوى تعمل مع فيسلاند على لورا مبلغ 175 يورو (نحو 200 دولار أمريكي)، لكنها رفضت العرض.
عجز عن إغلاق العيون
يقول جرّاحون في بريطانيا لبي بي سي إن معظم المرضى الذين عاينوهم خلال الأشهر الاثني عشر الماضية بسبب مضاعفات جراحة رأب الجفون كانوا قد خضعوا للعملية في الخارج.
وكانت المشكلة الأكثر شيوعاً بعد هذه العمليات هي عدم قدرة المرضى على إغلاق أعينهم بصورة طبيعية، بحسب استطلاع أُجري لصالح بي بي سي، شارك فيه 63 عضواً من الجمعية البريطانية لجراحة تجميل العيون (BOPSS) في إنجلترا وأيرلندا.
يحذّر كولين فايز، وهو جرّاح استشاري متخصص في تجميل العيون وعضو في اللجنة التنفيذية للجمعية البريطانية لجراحة تجميل العيون، من أن "إزالة كمية مفرطة من جلد الجفن أمر خطير، لأنها تترك العين مكشوفة للعوامل الخارجية"، مضيفاً أن "تصحيح ذلك قد يكون صعباً ومكلفاً".
ويشبّه فايز الجفون بـ"زوج من الستائر"، موضحاً أنه عند فتحها، يجب أن تبقى فيها طيّة تضمن وجود ما يكفي من الجلد لتغطية مقلة العين عند إغلاقها.
ومن بين المضاعفات الأخرى الناجمة عن العمليات التي أُجريت في الخارج، والتي أبلغ عنها أعضاء الجمعية، ظهور ندوب وعدم تماثل العينين وانفتاح الجروح مجدداً.
ويقول الجرّاحون إنهم عاينوا أيضاً مرضى عانَوا من مضاعفات بعد تلقّي العلاج على أيدي ممارسين غير مسجلين في بريطانيا، بما في ذلك عمليات رأب جفون أُجريت داخل غرف المعيشة في المنازل.
"خشيت أن أفقد بصري"
في يوم عيد الميلاد عام 2024، استيقظت كارين هارت وهي تعاني صعوبة في الرؤية.
وكانت قد خضعت قبل أيام لعملية رأب الجفون في عيادة فيسلاند بأمستردام، لكن عينها اليسرى المتورمة بدأت تنزّ دماً، فيما أخذت الجروح فوق كلتا عينيها تنفتح.
وتقول: "كنت مرعوبة من فكرة أن أفقد بصري بسبب القليل من الجلد الزائد".
وتوجّهت كارين مباشرة إلى قسم الحوادث والطوارئ، إذ لم ترَ جدوى من الاتصال بفيسلاند لبُعدها عنها.
طمأنها الأطباء لاحقاً بأنها لن تفقد بصرها، لكن وجهها كان مصاباً بعدوى شديدة. ووصفوا لها مضادات حيوية، واضطرت إلى مراجعة المستشفى لمتابعة حالتها.
اطّلعت بي بي سي على رسائل إلكترونية تُظهر أن كارين تواصلت مع فيسلاند مرتين للإبلاغ عما حدث، وأنها تلقت ردّاً مقتضباً بعد 12 يوماً. وتلت ذلك بضع رسائل أخرى، لكن كارين تقول إن الشركة لم تتواصل معها منذ ذلك الحين.
وتؤكد فيسلاند أنها "لم تتركها دون دعم أو متابعة خلال فترة الرعاية اللاحقة للجراحة".
وتقول الشركة إنها تأسف إذا شعر المرضى بأنهم لم يتلقوا دعماً كافياً من فرقها، أو إذا تعرّضوا لمضاعفات.
ويقول مرضى تحدثنا إليهم، من بينهم كارين ولورا ونيكيتا، إن أكبر شكاواهم بعد خضوعهم لجراحات رأب جفون منخفضة التكلفة في الخارج تتمثل في محدودية الرعاية اللاحقة.
ويقول فايز: "ينبغي أن تكون الرعاية اللاحقة لعمليات رأب الجفون المعتادة متاحة للمرضى على مدار الساعة، طوال أيام الأسبوع. وإذا كان جرّاحك يبعد عنك مئات الأميال، فمن المستحيل توفير الرعاية بالسرعة المطلوبة".
ويحذّر فايز أيضاً من أن على المرضى إدراك أن انخفاض التكلفة قد يعني، في بعض الحالات، تَدنّي معايير الرعاية.
"وصفة لكارثة"
بعد أسبوع من خضوعها للجراحة، أزالت نيكيتا الغرز بنفسها، بعدما تعلّمت كيفية القيام بذلك من مشاهدة مقاطع فيديو على تيك توك.
وتوضح: "يُشعرك ذلك بالوهن، وكأنك تنتزع شيئاً من جلدك".
تقول فيسلاند إنها تنصح المرضى باستشارة أطبائها بشأن الموعد المناسب لإزالة الغرز، وتزوّدهم بإرشادات حول كيفية القيام بذلك. لكن نيكيتا تقول إنها لم تتلقَّ أي حزمة للرعاية اللاحقة أو تعليمات بهذا الشأن.
تقول الشركة أيضاً إن بإمكان المرضى العودة إلى إحدى عيادات فيسلاند لإزالة الغرز، لكنّ أياً ممن تحدثنا إليهم لم يفعل ذلك.
ويحذّر فايز من فك المرضى غرزهم بأنفسهم معتبراً ذلك "وصفة لكارثة"، موضحاً أن تلك الغرز ينبغي أن يزيلها جرّاح أو ممرّض للحد من خطر الإصابة بالعدوى واحتمال انفتاح الجروح مجدداً.
تشعر نيكيتا بالرضا إلى حد كبير عن نتائج عمليتها، باستثناء ندبة صغيرة، لكنها تريد أن يتعلّم الآخرون من تجربتها وأن يدركوا المخاطر كاملة.
وتقول: "لو كان لديّ المال، أو لو لم أتأثر بما يُروّج له على تيك توك، لاخترت على الأرجح مكاناً أقرب إلى منزلي، ولما تسرّعت في اتخاذ القرار".
وبعد مرور نحو عامين، لا تزال كارين تعاني من مشكلات في عينها اليسرى، منها بعض التشوّش في الرؤية وندوب.
أما لورا، فتخشى أن تبقى الندوب فوق كلتا عينيها طوال حياتها.
وتقول: "حاولت إصلاح مشكلة لم تكن في الحقيقة بحاجة إلى إصلاح، وعُدتُ بمشكلة أكبر تتطلب جراحة لا أستطيع تحمّل تكلفتها. إنه أمر قاسٍ للغاية".