كيف تستمر طائرات الركاب في التحليق أثناء الحرب؟

كيف تستمر طائرات الركاب في التحليق أثناء الحرب؟
Getty Images
Mon, 16 Mar 2026 17:33:53 GMT
bbc news arabic header storypage
مراقب حركة جوية يرتدي سماعة رأس في برج المطار(صورة أرشيفية).
Getty Images

على مدى الأسبوعين الماضيين، وبينما كانت الطائرات المسيرة والصواريخ تحلق في سماء إيران والخليج، كان مراقبو حركة الملاحة الجوية يوجّهون طائرات الركاب عبر مجال جوي أكثر أماناً لكنه مزدحم، في ظل الحرب الدائرة.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على خريطة تتبع الرحلات الجوية، يظهر مدى ازدحام المجال الجوي فوق مصر وجورجيا.

ويتقاسم مراقبو الملاحة الجوية المهام المختلفة، إذ يتولى كل منهم مسؤولية قسم مختلف من الخريطة، وينسّق مع زملائه بشأن الطائرات التي تدخل وتغادر مجالهم الجوي.

في الأيام العادية، قد يكون بإمكان مراقب جوي واحد متابعة ست طائرات في الوقت نفسه داخل المنطقة التي يشرف عليها، ولكن عندما تكون هناك حرب، يتضاعف هذا العدد.

ويقول مراقب الحركة الجوية المتقاعد، برايان روش: "لا يستطيع الدماغ أن يعمل بهذا القدر من التركيز، بهذا المستوى من الشدة، إلا لمدة تتراوح ما بين 20 إلى 30 دقيقة".

وقد أمضى روش 18 عاماً في هذه الوظيفة، أولاً في سلاح الجو الملكي البريطاني في بلدان مختلفة، ثم مع طائرات الركاب التجارية في لندن، حيث كان جزءاً من وحدة مكلفة بالتعامل مع مكالمات الاستغاثة الطارئة.

وخلال فترات الذروة، يتم جلب المزيد من المراقبين لإدارة العدد الكبير من الطائرات في مناطق معينة، ويتم تناوب المراقبين بشكل متكرر لضمان عدم إرهاقهم.

ويقول برايان روش، إن نوبات العمل عادةً ما تكون مدتها ما بين 45 إلى 60 دقيقة، مع استراحة تتراوح مدتها ما بين 20 إلى 30 دقيقة.

ولكن خلال أوقات النزاع، من المرجح أن يعملوا لمدة 20 دقيقة فقط، ثم يستريحوا لنفس المدة.

ويضيف روش: "يعمل المراقبون في الوقت الحالي في نوبات عمل بها ضغط غير معقول، ويتعاملون مع كميات هائلة من حركة المرور".

إن إسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية، الرحلة MH17، في عام 2014 بصاروخ روسي الصنع في شرق أوكرانيا، والذي أسفر عن مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 298 شخصاً، سلط الضوء على كيفية تأثير الصراع على مسار طائرات الركاب.

وحينها، كانت أوكرانيا منطقة صراع ذات خطورة منخفضة المستوى نسبياً، لكن القتال هناك امتد مؤخراً إلى الجو، وخلال الأشهر السابقة أُسقط عدد من الطائرات العسكرية. وهو سيناريو لا يرغب أحد في تكراره.

وقد لقي خلال الأسبوع الماضي طاقم طائرة أمريكية، مكون من ستة أفراد أمريكيين، مصرعهم بعدما تحطمت طائرتهم المخصصة للتزود بالوقود في غرب العراق.

وكانت طائرة التزود بالوقود مشاركة في عمليات أمريكية جارية ضد إيران، وكانت واحدة من طائرتين مشاركتين في تلك العمليات. وقد هبطت الطائرة الثانية بسلام، وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الحادث لم يكن نتيجة نيران معادية أو صديقة.

وعندما يتم إغلاق المجال الجوي فجأة أو يصبح مزدحماً، يتواصل المراقبون مع الطيارين بشأن الوجهة التي يحتاجون إلى الذهاب إليها، وكمية الوقود المتوفرة لديهم، والمطارات التي يمكنها استيعاب نوع الطائرة التي يقودونها.

ويتعين على المراقبين أيضاً التأكد من فصل جميع الطائرات، التي تحلق بأحجام متنوعة، عن بعضها البعض بشكل آمن رأسياً وأفقياً، لأن طائرات الركاب الكبيرة تسبب اضطراباً وعدم استقرار أكبر للطائرات المحيطة بها.

وهذا يعني أن الطائرات النفاثة الأصغر حجماً تحتاج إلى توجيهها بعيداً ومنحها مساحة أكبر، في حين أن طائرة رجال الأعمال الصغيرة قد تحتاج إلى الانتقال إلى مكان آخر تماماً.

يراقب مراقبو الحركة الجوية شاشات التحكم خلال عرض صحفي كجزء من عملية اختبار المبادرة الوطنية للطائرات بدون طيار في مركز مراقبة الطائرات بدون طيار في مدينة تل أبيب الساحلية الإسرائيلية، في 11 أكتوبر/تشرين الاول 2021.
AFP
مراقبو الحركة الجوية يجرون عرضاً توضيحياً في مركز مراقبة الطائرات بدون طيار في تل أبيب

لكن عمليات الإغلاق المفاجئة نادرة للغاية، كما يقول جون، الذي يعمل طياراً منذ أكثر من 20 عاماً. وقد رفض الكشف عن اسمه الحقيقي لأنه لا يزال يعمل طياراً ويحلق فوق منطقة الشرق الأوسط.

ويقول إن معظم شركات الطيران تخطط مُسبقاً للحالات التي تتجنب فيها مجال جوي معين، سواء كان ذلك بسبب سوء الأحوال الجوية أو الحرب.

ويوضح جون، قائلاً: "في هذه الحالة، كنا نعلم جميعاً أن هناك شيئاً ما يُحاك في الشرق الأوسط. لقد كانت مسألة وقت لا أكثر".

وبالإضافة إلى إدراك الطيارين لخطط الطيران البديلة لتجنب أي تضارب، فهم يحاولون أيضاً حمل أكبر قدر ممكن من الوقود في حالة اضطرارهم العودة إلى موقع مغادرتهم أو تغيير مسار الرحلة إلى مطار أبعد من وجهتهم المقصودة.

ويقول جون: "هذه أحداث طبيعية للغاية، وقد تم التدرب للتعامل معها. كما أنه يمكن السيطرة عليها "، وقد حرص أيضاً على التأكيد على أن الطيارين والمراقبين الجويين يتبعون الإجراءات بدقة لتجنب تحول المجال الجوي المزدحم إلى مجال خارج عن السيطرة.

إذ يوضح في حديثه لنا، قائلاً: " لا يشبه الأمر الاختناق المروري، الذي يتحول إلى فوضى عارمة".

ويقول جون إن هذا الشعور بالهدوء المُنظم هو شيء يحاول هو ومن غيره من الطيارين إيصاله إلى طاقم الطائرة والركاب.

تعمل حنا في قيادة طاقم الضيافة الجوية على الرحلات الطويلة، ولم نذكر اسمها الحقيقي، لأنها غير مخولة بالتحدث عن شركة الطيران التي تعمل بها.

غالباً ما تمر رحلات الجوية، التي تكون حنا علة متنها، عبر الشرق الأوسط. وتقول إن أوقات الصراع تبرز أهمية فريقها على متن الطائرة، وخاصة للركاب القلقين أو المستائين.

إذ تقول حنا لنا: "إن عملنا يتجاوز الفكرة المبتذلة القائلة بأن كل ما نفعله لكسب لقمة العيش، هو سؤال الزبائن عما إذا كانوا يريدون تناول دجاج أو لحم على العشاء".

وتضيف: "ينسى كثير من الناس جانب السلامة المهنية في وظائفنا... إن تقديم الخدمة للمسافرين هو ما نقوم به عندما يكون كل شيء آخر تحت السيطرة."

وتقول حنا إن تغيير خطط الرحلات الجوية وتعطيل الجداول الزمنية يمكن أن يجعل من الصعب خلق توازن صحي بين العمل والحياة، سواء بالنسبة للطيارين أو طاقم الضيافة.

وخلال الآونة الأخيرة، أضافت شركات طيران، كتلك التي تعمل بها حنا، مزيداً من نقاط التوقف إلى مساراتها، لأنها لا تستطيع الطيران مباشرة فوق إيران.

وتشعر حنا بأن أعباء العمل هذه جزء لا يتجزأ من وظيفتها، وهو أمر تصفه بأنه "أسلوب حياة وشغف".

وتقول حنا : " نشعر جميعاً، بصفتنا طاقم الضيافة الجوية، بأننا جزء من عائلة كبيرة"

وتضيف: " نحن متحدون مع الأجنحة".

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon