البتروكيماويات: قصة نجاح خليجية تواجه اختبار الحرب وتغير الأسواق

البتروكيماويات: قصة نجاح خليجية تواجه اختبار الحرب وتغير الأسواق
Bloomberg via Getty Images
Sat, 31 Oct 2026 17:28:10 GMT
bbc news arabic header storypage
مسؤول للصحة والسلامة في موقع إنشاء مصنع بروج 4 للبتروكيماويات في الرويس، الإمارات العربية المتحدة.
Bloomberg via Getty Images

كان وهج النيران المتصاعدة من حقول النفط يضيء الصحراء السعودية ليلاً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى درجة لم يكن معها السائقون على الطريق بين بقيق والظهران، شرقي المملكة، بحاجة إلى تشغيل مصابيح سياراتهم الأمامية.

هذا الوهج، الذي يصفه وزير النفط السعودي الأسبق علي النعيمي في مذكراته، لم يكن علامة على ازدهار صناعة جديدة، بل دليلاً على مورد كان يُهدر كل يوم: الغاز المصاحب للنفط.

فالغاز، الذي كان يُنظر إليه حينها بوصفه منتجاً جانبياً مزعجاً، سيصبح لاحقاً أساساً لتحول صناعي واقتصادي واسع، ومادة أولية تدخل في صناعة الأسمدة والبلاستيك والألياف الصناعية وقطع السيارات وآلاف المنتجات التي باتت اليوم جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية.

فالنفط الخام لا يوجد منفرداً في باطن الأرض في كثير من الأحيان، إذ يوجد معه الغاز الطبيعي في الطبقات الصخرية نفسها، ليخرج إلى السطح عند استخراج النفط.

ولعقود، لم يكن لدى دول الخليج استخدام عملي لكميات كبيرة من هذا الغاز.

لذلك كان يُحرق في الهواء.

من الهدر إلى الصناعة

يقول عبد الوهاب السعدون، الذي شغل منصب الأمين العام للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات والكيماويات لعقود، إن فكرة الاستفادة من الغاز المصاحب بدلاً من حرقه تعود إلى ستينيات القرن الماضي.

وكان وزير النفط السعودي عبد الله الطريقي، وهو أول من شغل هذا المنصب في المملكة، من أبرز من تبنوا هذه الفكرة.

كان الطريقي أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في عالم النفط العربي في جيله، ومن أبرز الداعين إلى تأسيس منظمة أوبك عام 1960، في وقت كانت فيه الدول المنتجة للنفط تسعى إلى انتزاع قدر أكبر من السيطرة على صناعاتها النفطية من الشركات الأجنبية التي كانت تهيمن عليها.

لكن طموح الطريقي ذهب أبعد من السيطرة على استخراج النفط. فقد كان يرى أن على دول الخليج ألا تكتفي بإخراج مواردها الهيدروكربونية من باطن الأرض، بل أن تسيطر أيضاً على ما يحدث لها بعد ذلك.

غير أن عقبات عدة كانت تقف أمام تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس.

فلم تكن هناك بنية تحتية لجمع الغاز المصاحب، ولم تكن الشركات الأجنبية المهيمنة على قطاع النفط راغبة في تحمل كلفة بنائها، كما لم تكن دول الخليج تملك بعد رأس المال اللازم للقيام بذلك بنفسها.

لكن هذا الواقع تغير في عام 1973، مع اندلاع حرب أكتوبر/تشرين الأول.

فخلال الحرب أعلن المنتجون العرب وقف إمدادات النفط إلى الدول التي دعمت إسرائيل، ما قفز بسعر الخام إلى نحو أربعة أمثاله، لتتحول الإيرادات النفطية التي كانت تقدر بمئات الملايين من الدولارات إلى مليارات.

يقول السعدون: "كانت صدمة أسعار النفط نقطة التحول. فقد منحت دول الخليج القدرة المالية على الاستثمار في بنية تحتية لم يكن من الممكن بناؤها قبل ذلك".

وفي السعودية، بدأت شبكة الغاز الرئيسية في عام 1977 جمع الغاز المصاحب الذي كان يُحرق في الحقول.

وقبل ذلك بعام، صدر مرسوم ملكي بتأسيس الشركة السعودية للصناعات الأساسية، سابك، ما أسهم في تحويل مورد مهدر إلى منتجات صناعية.

البداية من الكويت

لكن السعودية لم تكن أول دولة خليجية تخطو في هذا الاتجاه.

ففي عام 1963، أنشأت الكويت أول منشأة لإنتاج المواد الكيميائية في المنطقة، لإنتاج الأمونيا واليوريا المستخدمتين في صناعة الأسمدة.

غير أن السعودية، بما امتلكته من ثروة نفطية وموارد غاز أكبر بكثير، ستنقل الصناعة لاحقاً إلى مستوى مختلف تماماً.

ولم تسلك بقية دول الخليج المسار نفسه، إذ لم تحدد السياسات وحدها شكل الصناعة في كل دولة، بل أدت طبيعة الموارد الموجودة تحت الأرض، وكذلك توقيت بدء التصنيع، دوراً أساسياً في ذلك.

يقول السعدون إن "توفر المواد الخام كان العامل الذي يحدد دائماً نوع المنتجات وحجم الإنتاج".

مخطط يوضح كيف تُنتج البتروكيماويات الخليجية من النفط الخام والغاز الطبيعي، بما في ذلك الإيثيلين والبروبيلين والبيوتادين والمركبات العطرية BTX والأمونيا.
BBC

فالتركيب الكيميائي للغاز الطبيعي يختلف من حقل إلى آخر.

الغاز المصاحب في السعودية غني بالإيثان ومركبات أثقل يمكن تحويلها بكفاءة إلى الإيثيلين والبروبيلين، وهما من أهم المواد الأساسية المستخدمة في صناعة البلاستيك.

أما حقل الشمال في قطر، فيغلب على غازه الميثان، وهو ما يجعله أكثر ملاءمة لإنتاج الأمونيا، ومنها اليوريا المستخدمة في صناعة الأسمدة.

وتعد قطر اليوم من كبار منتجي ومصدري اليوريا في العالم، فيما أصبحت صناعة الغاز نفسها محوراً رئيسياً لاقتصادها.

وفي المقابل، كان بإمكان الكويت، من حيث تركيب غازها، أن تطور صناعة أوسع للبلاستيك أيضاً. لكنها بدأت مبكراً، في وقت كان فيه إنتاج الأمونيا واليوريا أكثر رسوخاً من الناحية الصناعية في المنطقة.

وهكذا، كان التوقيت مهماً بقدر أهمية الكيمياء.

وفي الإمارات وتحديداً في أبوظبي، أسهم الغاز المصاحب في بناء شركة بروج التي أصبحت من كبار منتجي البولي إيثيلين في العالم، بينما ركزت سلطنة عمان والبحرين، اللتان تملكان موارد غاز أكثر محدوديةة، بدرجة أكبر على تكرير النفط الخام وتحويله إلى وقود.

والنتيجة اليوم صناعة بمليارات الدولارات تمد العالم بمنتجات أساسية.

ففي عام 2023، صدرت دول مجلس التعاون الخليجي الست منتجات كيميائية وبتروكيماوية بقيمة 64.6 مليار دولار، بينما بلغت الطاقة الإنتاجية مستوى قياسياً وصل إلى 156.2 مليون طن، أي نحو ستة في المئة من الإنتاج العالمي للبتروكيماويات.

وتتصدر السعودية إنتاج البتروكيماويات في الخليج بفارق واضح، وتوفر وحدها نحو ربع الكميات المتداولة عالمياً من البولي بروبيلين، وهو نوع من البلاستيك يدخل في منتجات تمتد من عبوات الطعام إلى أجزاء السيارات والحقن الطبية.

لكن الحجم الذي بلغته الصناعة لا يعني أن الرهان على التنويع الاقتصادي قد اكتمل.

فبعد عقود من بناء المصانع وتوسيع الإنتاج، لا تزال قيمة صادرات النفط والغاز أكبر بكثير من صادرات البتروكيماويات.

ويقول عدنان مزرعي، الباحث في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، إن البتروكيماويات تمثل اليوم نحو ربع حجم قطاع التصنيع في دول مجلس التعاون، لكنها لا تشكل سوى نحو أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

أي أن الصناعة وسعت القاعدة الصناعية لدول الخليج، من دون أن تنتزع بعد موقعاً يوازي وزن النفط والغاز في اقتصاداتها.

ويرى مزرعي أن زيادة مساهمتها مستقبلاً تتطلب انتقالاً أكبر إلى مراحل أعلى من سلسلة القيمة، عبر إنتاج مواد بتروكيماوية تستخدم في قطاعات مثل الإلكترونيات والأدوية والسيارات.

كاروسيل: أين يقع الخليج في سلسلة القيمة؟

فالقسم الأكبر من الصناعة الخليجية يتركز في البتروكيماويات الأساسية والبوليمرات، بينما يظل حضورها أكثر محدودية في المواد الكيميائية المتخصصة الأعلى قيمة.

وكان الأمر يبدو منطقياً من الناحية الاقتصادية.

فوفرة المواد الخام منخفضة الكلفة نسبياً، إلى جانب ضخامة المصانع والقرب من الأسواق الآسيوية، منحت المنتجين الخليجيين قدرة تنافسية قوية في إنتاج هذه المواد على نطاق واسع.

لكن الانتقال إلى منتجات أكثر تخصصاً يتطلب مزايا من نوع مختلف، من التكنولوجيا والبحث والتطوير إلى الخبرات المتقدمة.

ويقول السعدون إن الخليج بدأ اتخاذ خطوات باتجاه إنتاج المواد الكيميائية المتخصصة، "لكنها ما زالت خطوات خجولة".

ورغم ذلك، تدخل المواد التي تنتجها مصانع الخليج في طيف واسع من السلع، من مواد التغليف والمنسوجات وقطع السيارات إلى المستلزمات الطبية والأسمدة.

مخطط يوضح الاستخدامات اليومية للبتروكيماويات الخليجية، بما في ذلك البلاستيك والملابس وعبوات الطعام والإطارات والدهانات والمنظفات والأسمدة والمنتجات الطبية.
BBC

لكن اعتماد الصناعة على الإنتاج الضخم والتصدير جعل أداءها شديد الارتباط بحركة الأسواق العالمية.

يقول السعدون إن نحو 85 في المئة من الإنتاج الخليجي يُصدّر إلى الخارج، وهو ما يجعل هذه الصناعة "عرضة للتقلبات في الأسواق الخارجية".

وتظهر بيانات العقد الماضي هذه المشكلة بوضوح.

فخلال العقد الماضي، ظلت أحجام الصادرات مستقرة نسبياً، بينما كانت قيمتها أكثر تقلباً، وبلغت ذروتها في 2022 قبل أن تتراجع لاحقاً.

وتظهر ضغوط الصناعة أيضاً في نتائج بعض أكبر شركاتها. فقد سجلت سابك في 2025 خسارة صافية بلغت نحو 25.8 مليار ريال أي نحو 7 مليارات دولار.

ويقول السعدون إن جزءاً من الضغوط ارتبط بدورة الأسعار، لكنه يشير أيضاً إلى أصول استحوذت عليها سابك في أوروبا ولم تنجح في إعادتها إلى الربحية، ما جعلها تستنزف أرباح الشركة الأم قبل التخارج منها لاحقاً.

لكنه يشير إلى أن الضغط على الأسعار مرشح للاستمرار، في ظل ما يصفه بأنه "فائض في المعروض" في السوق العالمية.

والمفارقة أن جزءاً كبيراً من هذا الفائض يأتي من السوق التي أدت لعقود دوراً رئيسياً في استيعاب صادرات الخليج: الصين.

الصين: الشريك المنافس

تذهب أكثر من نصف صادرات البتروكيماويات الخليجية إلى آسيا، وفي مقدمتها الصين.

ولسنوات طويلة، بدت العلاقة مناسبة للطرفين: الخليج يملك المواد الخام والمصانع الضخمة، والصين سوق هائلة تنمو بسرعة وتحتاج إلى مزيد من البلاستيك والمواد الكيميائية.

لكن هذه المعادلة بدأت تتغير.

يقول السعدون إن الصين تبنت استراتيجية لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، وهو ما يضع المنتجين الخليجيين أمام تحدي إيجاد أسواق بديلة.

وتقول ميشال ميدان، الباحثة في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، إن الطموح الصيني يتجاوز مجرد تقليص الواردات من البتروكيماويات، ليصل إلى بناء قطاع كيميائي قوي قادر على السيطرة على أجزاء أوسع من سلسلة الإمداد.

ورغم أن الصين لا تزال تعتمد على واردات بعض المواد التي لا تنتج منها ما يكفي محلياً، من بينها النافثا وغاز البترول المسال، إلا أنها تزيد طاقتها في إنتاج البولي إيثيلين والبولي بروبيلين واليوريا، وهي منتجات تشكل جزءاً مهماً من صادرات الخليج، وفي الوقت نفسه تتقدم في المواد الكيميائية المتخصصة الأعلى قيمة.

أي أنها تنافس المنتجين الخليجيين في المنتجات التي بنوا عليها قوتهم، وتتحرك أيضاً نحو المنتجات التي يسعون هم أنفسهم إلى التوسع فيها.

ويحاول الخليج التعامل مع هذا الواقع الجديد عبر تعزيز موقعه من خلال الاستثمار داخل الصين نفسها، بدلاً من الاكتفاء بالتصدير إليها.

ويبرز في هذا الإطار مشروع أرامكو المشترك في فوجيان الصينية، وهو مجمع ضخم للتكرير والبتروكيماويات.

وتمنح مثل هذه الاستثمارات المنتجين الخليجيين منفذاً أكثر مباشرة إلى السوق الصينية، وتساعدهم في الوقت نفسه على تأمين طلب على النفط الخام.

ويرى السعدون في هذا المسار فرصة للانتقال بالعلاقة مع الصين إلى مستوى أبعد من التجارة وحدها، ويقول إنه يأمل أن تتحول من علاقة "بائع ومشترٍ" إلى "علاقة تكامل" في الإنتاج والتكنولوجيا.

لكن ميدان ترى أن هذه الشراكات تحمل أيضاً مخاطرة على المدى الطويل، إذ تشير إلى أنه سبق للصين أن عملت مع شركاء "إلى أن تلحق بهم. وبعد ذلك لا يعود هؤلاء الشركاء يتمتعون بالقيمة نفسها باعتبارهم شركاء في التكنولوجيا".

فبينما قد يمنح الاستثمار داخل الصين الشركات الخليجية اليوم سوقاً أوسع وعقوداً أطول أمداً، فإنه يضعها أيضاً داخل صناعة تسعى بكين إلى توطين قدر أكبر من تقنياتها وسلاسل إمدادها.

فكلما نجحت الشركات الصينية في اكتساب التكنولوجيا والخبرة التي تحتاجها، تقل الحاجة إلى الشريك الأجنبي في بعض أجزاء الصناعة.

وتلخص ميدان هذا التناقض بالقول إن الطموح الصيني يظل أن "يعتمد الآخرون على الصين أكثر مما تعتمد الصين على الآخرين".

اختبار أكثر إلحاحاً

وبينما تمثل الصين تحدياً طويل الأمد لصناعة البتروكيماويات الخليجية، تفرض التوترات الجيوسياسية في المنطقة اختباراً أكثر إلحاحاً.

فصادرات البتروكيماويات من السعودية وقطر والكويت وأبوظبي تعتمد بدرجة كبيرة على المرور عبر مضيق هرمز، الممر البحري الذي يصل الخليج بالأسواق الآسيوية والعالمية.

وخلال الحرب الأخيرة، تحولت هذه الجغرافيا إلى أزمة تشغيلية مباشرة.

يقول السعدون إن بعض مصانع البتروكيماويات توقفت بالكامل، فيما عمل بعضها الآخر بنحو عشرة في المئة فقط من طاقته التصميمية مع تعطل حركة الملاحة عبر المضيق.

ولم تقتصر التداعيات على المصانع نفسها.

ناقلة نفط ترسو قرب مضيق هرمز قبالة ميناء بندر عباس في إيران
Ali Saeedi/Getty Images
تعتمد صادرات البتروكيماويات الخليجية بدرجة كبيرة على المرور عبر مضيق هرمز

فبحسب مزرعي، أدت الاضطرابات إلى تراجع توافر بعض المواد الخام وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، كما رفعت علاوة المخاطر على دول الخليج.

وفي بعض الفئات، ارتفعت أسعار المواد الخام بما يصل إلى 75 في المئة، وانعكس جزء من هذه الزيادة على أسعار الأسمدة، ومنها إلى تكلفة الغذاء.

وامتد الأثر أيضاً إلى أسواق البلاستيك العالمية. فالشرق الأوسط يوفر أكثر من 40 في المئة من صادرات البولي إيثيلين في العالم، وقد ارتفعت أسعاره بأكثر من 40 في المئة منذ أواخر فبراير/شباط مع تعطل الإمدادات من المنطقة.

كما ارتفعت أسعار البولي بروبيلين في أسواق آسيوية وأوروبية وأفريقية، ما زاد الضغوط على تكلفة مواد التغليف والسلع التي تدخل هذه المواد في صناعتها.

ويقول السعدون إن الخليج ينتج نحو 17 في المئة من الأسمدة النيتروجينية في العالم، وإن نحو 30 في المئة من التجارة العالمية في اليوريا والأمونيا تأتي من المنطقة.

ويضيف: "إذا أغلق هرمز، فهذه ليست مشكلة صناعية فقط. إنها مشكلة أمن غذائي".

ولا تقتصر تداعيات تعطل الملاحة على البتروكيماويات والمنتجات المرتبطة بها، إذ تعد دول الخليج أيضاً من كبار منتجي ومصدري المنتجات النفطية المكررة، مثل الديزل ووقود الطائرات والبنزين. وقد ارتفعت أسعار الديزل مع تقلص الإمدادات، فيما زادت كلفة وقود الطائرات وأثارت الاضطرابات مخاوف بشأن استمرار توافره في الأسواق.

لكن آثار التعطل قد تتجاوز اضطراب الإمدادات والأسعار في المدى القصير.

يرى مزرعي أن استمرار تعطل صادرات البتروكيماويات الخليجية قد يدفع المشترين في آسيا وأوروبا إلى إعادة النظر في سلاسل التوريد، عبر البحث عن موردين جدد، وبناء مخزونات أكبر، والحصول على جانب أكبر من احتياجاتهم من مصادر أقرب.

ما يعني أن بعض التحولات التي تفرضها الأزمة قد تستمر حتى بعد عودة الملاحة.

وفي ظل ما كشفته الأزمة من اعتماد دول الخليج الكبير، وإن بدرجات متفاوتة، على مضيق هرمز لنقل صادراتها، يرى السعدون ضرورة المضي قدماً في مشروع شبكة السكك الحديدية الخليجية، الذي تأخر تنفيذه لسنوات، ويمكن أن يوفر مستقبلاً مسارات بديلة لنقل بعض المنتجات إلى موانئ على البحر الأحمر أو البحر المتوسط.

لكن نهاية التوترات التي عطلت الملاحة عبر هرمز قد تحمل بدورها تحدياً من نوع آخر للمنتجين الخليجيين.

فإيران هي ثاني أكبر منتج للبتروكيماويات في المنطقة بعد السعودية، وأي عودة أوسع لصادراتها إلى الأسواق العالمية قد تضيف مزيداً من المعروض إلى سوق تعاني أصلاً من فائض الإنتاج.

ويرى مزرعي أن مثل هذه العودة قد تضغط على الأسعار، لكنه يشير إلى أن جزءاً من الطاقة الإنتاجية الإيرانية تضرر خلال الحرب، وأن استعادتها ستحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة.

كما أن حجم وتوقيت أي عودة سيظلان مرتبطين بمسار العقوبات وبالظروف التي ستنتهي إليها الحرب.

البحث عن أسواق جديدة

في ظل هذه التحديات، تسعى صناعة البتروكيماويات الخليجية إلى توسيع قاعدة أسواقها، بما يقلل اعتمادها على عدد محدود من كبار المشترين وينوع وجهات التصدير.

ويشير السعدون إلى أفريقيا بوصفها واحدة من أبرز الأسواق المحتملة.

فالنمو السكاني والتوسع العمراني في القارة يعنيان زيادة الطلب على الأسمدة ومواد البناء والتغليف والمنتجات البلاستيكية، وهي سلع ينتجها الخليج بالفعل على نطاق واسع.

كما يمنح القرب الجغرافي المنتجين الخليجيين ميزة إضافية في الوصول إلى هذه الأسواق.

ولا يرى السعدون هذا التوجه منفصلاً عن تنامي الشراكات الخليجية مع الصين، التي تبدي اهتماماً متزايداً بالسوق الأفريقية. ويشير إلى أن بعض الاستثمارات والمشروعات المشتركة قد تمنح الطرفين موقعاً أفضل للوصول إلى هذه السوق.

لكن ميدان تضع حداً لهذا التقاطع بين المصالح.

فبينما ينظر المنتجون الخليجيون إلى أفريقيا بوصفها سوقاً محتملة للبتروكيماويات والأسمدة، تقول ميدان إن اهتمام الشركات الصينية في القارة يتجه بدرجة أكبر نحو الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون.

وتشير إلى أن الاستثمارات الخليجية-الصينية المشتركة في هذه المجالات، في أفريقيا وأسواق أخرى، قد تفتح بدورها الباب أمام مزيد من الاستثمارات والمبيعات الخليجية في السوق الأفريقية، بما في ذلك في البتروكيماويات.

أما انعكاس هذه الشراكات على سوق البتروكيماويات، فلا يزال محدوداً حتى الآن.

استمرار الحرق

ألسنة لهب الناتجة عن حرق الغاز تتصاعد من أحد الأبراج في منشأة لمعالجة النفط تابعة لأرامكو السعودية في حقل الشيبة بصحراء الربع الخالي في السعودية
Bloomberg via Getty Images
رغم تراجع حرق الغاز في الخليج على مدى عقود، لا يزال مستمراً بدرجات متفاوتة، فيما تواجه الصناعة ضغوطاً متزايدة لخفض الانبعاثات

لكن التوجه المتزايد نحو الطاقة النظيفة، سواء في الصين أو في الشراكات الجديدة التي قد تنشأ مع الخليج، يطرح في المقابل سؤالاً آخر أمام صناعة البتروكيماويات الخليجية.

فالصناعة التي نشأت جزئياً من محاولة الاستفادة من الغاز الذي كان يُهدر بالحرق، لم تُنهِ مشكلة الحرق بعد، فيما تتزايد الضغوط عليها لخفض الانبعاثات وتقليص أثرها البيئي.

وتظهر بيانات أرامكو أن إجمالي كمية الغاز المحروق في منشآتها ارتفع من نحو 27.5 مليار قدم مكعبة قياسية في 2023 إلى نحو 32.6 ملياراً في 2025، أي بزيادة تقارب 18 في المئة.

كما ارتفعت كثافة الحرق من 5.64 إلى 6.65 أقدام مكعبة قياسية لكل برميل مكافئ نفطي خلال الفترة نفسها.

وتقول أرامكو إن ارتفاع كثافة الحرق في 2025 يعود أساساً إلى توسع عمليات الغاز وأعمال صيانة خطوط الأنابيب.

وبينما يشمل هذا الرقم الحرق لأسباب تشغيلية أو تتعلق بالسلامة، إلى جانب الحرق المرتبط بغياب البنية التحتية اللازمة للاستفادة من الغاز، فإنه يظل مؤشراً على أن الحرق لم يختفِ تماماً من الصناعة.

وليست هذه الظاهرة حكراً على السعودية، إذ يستمر حرق الغاز بدرجات متفاوتة في دول خليجية أخرى أيضاً، بينما تتصدر دول مثل روسيا وإيران والعراق قائمة الدول الأكثر حرقاً للغاز.

لكن هذا لا يلغي حاجة الدول الخليجية إلى خفض الحرق بصورة أكبر استجابةً للتحديات البيئية.

وليس هذا فحسب، إذ تواجه صناعة البتروكيماويات ضغوطاً أوسع لخفض الانبعاثات وتقليص أثرها البيئي، في ظل تصاعد مخاطر التغير المناخي.

ويقول مزرعي إن المنتجين الخليجيين باتوا في "سباق مع الزمن بطريقة ما" للتعامل مع الضغوط المتزايدة لحماية البيئة وخفض الانبعاثات، خاصة في صناعات مثل البلاستيك.

فالنيران التي كانت تضيء سماء الصحراء السعودية ليلاً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تراجعت إلى حد بعيد، وتحول الغاز الذي كان يغذيها إلى مصدر لتغذية محطات الكهرباء والمصانع، وإلى مواد أولية تدخل في صناعة آلاف المنتجات التي تستخدم حول العالم.

لكن الصناعة التي نمت على مدار عقود تواجه الآن تحديات من نوع آخر، ستحدد مسارها في العقود المقبلة وفق قدرتها على التكيف مع سوق تتغير فيها موازين الطلب والمنافسة، وتتزايد الضغوط لخفض الأثر البيئي للنموذج الذي قامت عليه.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon