ماذا نعرف عن تجربة "صنع كلب خارق" الفاشلة في الأربعينيات؟

ماذا نعرف عن تجربة "صنع كلب خارق" الفاشلة في الأربعينيات؟
BBC
Sun, 4 Oct 2026 11:20:08 GMT
bbc news arabic header storypage

بعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت مجموعة من العلماء "مدرسة للكلاب" في ولاية ماين، كانت عبارة عن منشأة ضخمة أنشئت بهدف ابتكار "كلب خارق". لكن الأمور لم تسر كما كان مخططاً لها.

كانت عبارة عن منشأة ضخمة أُنشئت بهدف ابتكار "كلب خارق"

كان البشر مهووسين إلى حد ما بالكلاب منذ آلاف السنين. لكن في أواخر أربعينيات القرن الماضي، نقلت تجربة ضخمة هذا الهوس إلى مستوى لم يعرفه أحد من قبل، ولم يتكرر بعد ذلك.

الكلاب أفضل أصدقاء للبشر منذ 11 ألف سنة

وساعدت النتائج في إغلاق أحد أكثر الفصول ظلاماً في تاريخ العلم.

أُجريت التجربة في منشأة ضخمة شُيدت خصيصاً في مزرعة في ولاية ماين الأميركية، وشملت دراسة أكثر من 500 جرو على مدى 13 عاماً، من سلالات الكوكر سبانيل والبيغل وكلاب الراعي الشتلاندية والباسنجي وكلاب الفوكس تيرير ذات الشعر الخشن.

ومنذ الولادة، جرى تسجيل نمو كل جرو بتفاصيل دقيقة وشاملة: أول استجابة له عند الفزع، وأول محاولة لتناول طعام صلب، وأول عراك أثناء اللعب مع أحد أشقائه، وأول مرة يهز فيها ذيله. وعندما بلغت الجراء خمسة أسابيع، بدأت تخضع لسلسلة من الاختبارات التي تقيس كل شيء، من الذكاء والهيمنة إلى الاستجابة العاطفية والاستعداد للتدريب.

وكتب جون فولر، أحد الباحثين الرئيسيين، عام 1985: "عندما كانت تولد مجموعة من الجراء، كنت أعرف بالضبط أين سأكون في كل يوم من الأشهر الاثني عشر التالية".

وسعى الباحثون إلى الإجابة على مجموعة من الأسئلة. هل بعض سلالات الكلاب أذكى من غيرها؟ هل تتمتع السلالات المختلفة بشخصيات مختلفة؟ ما مدى أهمية رعاية الأبوين لدى الكلاب؟ ماذا يحدث إذا عطلت النمو الطبيعي لجرو؟ وهل يمكن تربية "كلب خارق" فائق الذكاء؟

ومن فك شفرة جينات الكلاب إلى اكتشاف أفضل طريقة للتنشئة الاجتماعية للجراء، غيرت نتائج هذه التجربة الضخمة فهمنا للكلاب إلى الأبد، كما وجهت ضربة أخيرة لعلم تحسين النسل.

مشروع ضخم لدراسة الكلاب

كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت للتو، وبدأ عصر ذهبي للعلوم في الولايات المتحدة، مع ضخ مبالغ كبيرة من الأموال في الأبحاث. وكان العلماء أحراراً في التفكير في مشاريع ضخمة، وكانت مبالغ مالية طائلة تُخصص من دون طرح الكثير من الأسئلة.

وكانت دراسة "مدرسة الكلاب" - كما أُطلق عليها تحبباً - من بين المستفيدين، إذ حصلت على تمويل قدره 632 ألف دولار، وهو ما يعادل اليوم قرابة 9 ملايين دولار، وهو مبلغ لا يمكن تصوره لمشروع مماثل في الوقت الحاضر.

وبحلول ذلك الوقت، كان علم تحسين النسل، أي فكرة أن التربية الانتقائية يمكن أن تحقق تفوقاً وراثياً بين البشر، قد فقد مصداقيته، وأصبح يُعتبر غير ملائم وغير أخلاقي للدراسة في الأوساط العلمية السائدة بسبب دوره في الفظائع النازية خلال الهولوكوست، ونتيجة التركيز ما بعد الحرب على حقوق الإنسان. ومع ذلك، ظل عدد من الأكاديميين البارزين مفتونين بأجندة تحسين النسل. وظلوا مقتنعين بأن الجينات هي المحرك الرئيسي للسلوك، وأن التربية المدروسة يمكن أن تؤدي إلى إنتاج نوع يُفترض أنه أفضل من البشر.

من بين هؤلاء آلان غريغ، الذي كان حينها مدير قسم العلوم الطبية في مؤسسة روكفلر، والمسؤول عن تخصيص أموال المؤسسة الخيرية الخاصة. وكان غريغ مهتماً بتحديث الطب النفسي وفهم الأسباب الجذرية للسلوكيات غير المرغوب فيها. وكان يعتقد أن "الجانِحِين، والمجرمين المصابين بأمراض عقلية، وغير المستقرين عاطفياً، والشخصيات السيكوباتية" يمكن تفسيرهم جميعاً بالجينات السيئة. (في الواقع، إن مسألة مدى تحديد جيناتنا لشخصياتنا وأفعالنا أكثر تعقيداً بكثير من ذلك).

وكان ما اعتبره غريغ إنفاقاً مهدراً على التعليم يثير قلقه بشكل خاص. وكتب في رسالة عام 1945 أن فهماً أفضل لعلم الوراثة من شأنه أن يؤدي إلى إدراك أن الإنسان "يمكن أن يحقق مكاسب فكرية من التزاوج الحكيم بقدر ما يحققه من مدارس ثانوية تكلف 800 ألف دولار". (لم ترد مؤسسة روكفلر على طلب بي بي سي للتعليق على هذه المادة).

وفي ذلك الوقت، كانت معظم الدراسات الجينية تُجرى على ذباب الفاكهة أو الجرذان، لكن غريغ توصل إلى فكرة جديدة. ماذا لو حاول الباحثون تربية كلب بالغ الذكاء، وهو مخلوق لا يمكن إلا أن يستحوذ على مخيلة الجمهور، لدعم فكرته القائلة إن الذكاء وراثي في الغالب؟ وكان غريغ مستعداً لتوفير الأموال اللازمة لهذا "الكلب الخارق" الافتراضي.

مهمّة صنع الكلب الخارق

لطالما شكّلت الكلاب سؤالاً مثيراً لعلماء الوراثة: كيف يمكن أن تختلف السلالات إلى هذا الحد في مظهرها؟ وهل يمكن حقاً لكلب من سلالة "غرايت دان" وكلب "بوميرانيان" أن ينتميا إلى النوع نفسه؟

وكان تنوع الكلاب الهائل أحد الأسباب التي جعلتها موضوعاً مثالياً للاختبارات الجينية؛ فمن المفترض أن يُظهر مخلوق بهذا القدر من التنوع في المظهر، نطاقاً واسعاً من القدرات المعرفية والسمات الشخصية أيضاً.

وكان فولر عالم الفسيولوجيا، وجون بول سكوت، عالم وراثة السلوك الحيواني الذي قاد المشروع، مفتونين أيضاً بهذه المسألة. لكن نتائج دراسة الكلاب سرعان ما انحرفت عن الأهداف التي كان يسعى إليها ممولها.

شخص يمسك بمجموعة من خمسة كلاب - صورة من الأرشيف
The University of Chicago Press
تضمنت التجربة تربية خمس سلالات مختلفة من الكلاب، لكن لم تُظهر أي منها إمكانية لتوليد "كلب خارق" عبر التزاوج.

كانت مؤسسة روكفلر تأمل في أن تُظهر سلالات معينة قدرات معرفية أكبر. وبناءً على ذلك، خضعت الكلاب لمجموعة من اختبارات الذكاء، مثل اختبارات المتاهات حيث كان عليها العثور على الطعام داخل بنية متشعبة، واختبارات التعلم التي كانت تواجه فيها المشكلة نفسها بصورة متكررة لمعرفة ما إذا كان أداؤها سيتحسن.

لكن تبين بدلاً من ذلك أنه، رغم تفوق سلالات معينة في بعض الاختبارات، لم تُظهر أي سلالة تفوقاً في جميعها. وفي نهاية المطاف، خلص الباحثون إلى أنه لا يمكن القول إن سلالة ما "أكثر ذكاءً" من أخرى.

وعلى مستوى الطباع، بدا أن هناك بعض الاختلافات بين السلالات. فقد أظهرت كلاب الفوكس تيرير قدرة أكبر على العنف، فهي في نهاية المطاف رُبيت لتكون كلاب صيد، رغم أن السياق كان يؤثر في ذلك إلى حد كبير. وكتب سكوت وفولر عام 1965: "قد تكون السلالة نفسها خائفة في موقف وواثقة في آخر. وكانت كلاب الباسنجي تخشى المواقف الغريبة، لكنها لم تكن تخشى الكلاب الأخرى على الإطلاق".

وبشكل عام، رأى سكوت وفولر أن نتائجهما تمثل تفنيداً لأفكار أنصار تحسين النسل ومفاهيمهم عن "الكلاب الخارقة" التي يمكن إنتاجها عبر التربية المتفوقة. وكانت لهذه النتيجة دلالات مهمة بالنسبة للبشر أيضاً. وكتبا: "منذ زمن الإغريق... حلم الناس بشخصيات خارقة أو بطولية تجمع بين القوة الجسدية للغوريلا وذكاء أينشتاين، والموهبة الموسيقية لبيتهوفن وجمال إله إغريقي".

وكشفت الأدلة المستخلصة من دراستهما سبب استحالة ذلك. في الحيوانات الاجتماعية، تتوزع السمات المختلفة بين أفراد المجموعة بتكوين فطري.

ولنأخذ سمة مثل الجرأة. في وقت قد تساعد الشجاعة لدى بعض الكلاب، والبشر أيضاً، على التصدي للخطر، فإن كلباً أكثر خوفاً قد يساعد في إطلاق الإنذار في المقام الأول. وتحتاج المجموعة الاجتماعية الناجحة إلى تغطية جميع الاحتمالات.

وخلص سكوت وفولر إلى أن "الإنسان الخارق لا يوجد كفرد، بل في صورة مجتمع بشري متطور جيداً".

أنماط التعلق لدى الكلاب

في نهاية المطاف، وبدلاً من السعي إلى إنتاج كلب خارق مقدام، بدأ سكوت وفولر يهتمّان بكيفية تأثير التجارب المبكرة للجرو في المرحلة الاحقة عندما يصبح كلباُ بالغاً. وفي ذلك الوقت، كانت نظريات فرويد عن نمو الطفل تحظى بشعبية واسعة، بينما كان جون بولبي يعمل على أفكاره المؤثرة بشأن أنماط التعلق، التي تفترض أن الرعاية التي يتلقاها الطفل تؤثر في حياته العاطفية مستقبلاً.

وبدأ سكوت وفولر التفكير في التعلق لدى الكلاب التي كانت تحت رعايتهما. ماذا سيحدث إذا رُبيت الجراء في عزلة؟ وكيف سيؤثر ذلك في نموها؟ وفي هذه التجربة الجديدة، التي لن تحظى بقبول الباحثين اليوم، رُبيت الجراء منفردة في حقول واسعة في الهواء الطلق، تحيط بها أسوار يبلغ ارتفاعها ثمانية أقدام، وكان الطعام والماء يُقدمان إليها عبر هذه الأسوار، بحيث لا ترى بشراً أو كلاباً أخرى.

ومن خلال تغيير مدة بقاء الجراء وحدها، اكتشف سكوت وفولر أنه يبدو أن هناك "فترة حرجة" تمتد من عمر أربعة أسابيع إلى 12 أسبوعاً: فإذا تفاعل جرو كان معزولاً مع شخص أو كلب خلال هذه الفترة، أمكن تنشئته اجتماعياً بصورة طبيعية.

لكن سكوت قال للمؤرخة الشفوية سوزان ميرتنز عام 1986: "إذا لم تسمحي لها بتكوين روابط في هذه الفترة، لن تحصلي إطلاقاً على كلب مُرضٍ للغاية. ومن دون أي اتصال بالبشر... كانت الكلاب تتحول إلى شبه حيوانات برية صغيرة بحلول سنّ 14 أو 15 أسبوعاً".

وفي عام 1958 تقريباً، بدأت دراسة "مدرسة الكلاب" تتوقف تدريجياً. وكانت مؤسسة روكفلر قد رفضت تجديد تمويلها بعدما أصبح واضحاً أنه لن يخرج أي كلب خارق من بوابات المنشأة. ووُزعت الكلاب على مختبرات في الولايات المتحدة وأوروبا. وبعد عقد، انتهت سنوات الازدهار التي ميزت العصر الذهبي للعلوم في الولايات المتحدة.

تجربة ضخمة

وإلى يومنا هذا، لا يزال الباحثون منبهرين بحجم جهود سكوت وفولر وطموحها. ويقول كلايف وين، مدير مختبر علوم الكلاب التعاوني في جامعة ولاية أريزونا: "استمر هذا لسنوات، وشمل مئات الكلاب. كانت لديهم منشآت تمتد على أفدنة، وعشرات الموظفين. هذا ما نسميه العلم الكبير".

ولا يزال الباحثون ينسبون الفضل إلى سكوت وفولر في وضع الأسس لعلم الكلاب. وتقول فانيسا وودز، مديرة روضة الجراء في جامعة ديوك بولاية نورث كارولاينا الأميركية: "كان للعمل تأثير هائل في ترسيخ مكانة الكلاب كموضوع جاد للعلوم المعرفية والسلوكية. وساعد في تمهيد الطريق لهذا المجال ليصبح على ما هو اليوم".

لكن وين يقول إن بعض تجارب سكوت وفولر لن تكون مقبولة اليوم. فمن المرجح أن تُعتبر تربية الجراء في عزلة تامة شديدة القسوة بحيث لا يمكن تكرارها، ولا سيما أن الجراء "البرية" غير القابلة للترويض التي نتجت عن هذه التجربة أُعدمت في نهاية المطاف. ويقول: "في الوقت الحاضر، إذا كنت ستدرس كلاب الناس، فمن الأفضل ألا تفعل بكلبهم شيئاً لا يمكن أن تفعله بطفلهم".

ومن حيث الحجم وحده، فمن غير المرجح أن نرى منافساً لـ"مدرسة الكلاب" في أي وقت قريب. ويقول وين: "الطريقة الحديثة لفعل ذلك هي أننا لا نشتري الكلاب، بل نستعير ببساطة حيوانات الناس الأليفة".

ومع ذلك، توجد بعض المشاريع الأكبر حجماً. فعلى سبيل المثال، اختبرت "روضة الجراء" في جامعة ديوك ودربت 101 جرو لمعرفة ما إذا كان بإمكان الباحثين التنبؤ بالجراء التي ستنجح في أن تصبح كلاب إرشاد. وتقول وودز ضاحكة: "لم يكن أحد طموحاً أو متهوراً بما يكفي لتنفيذ تجربة على غرار سكوت وفولر إلى أن جئنا نحن".

وحتى الآن، حدد عملها سمات مهمة للنجاح، مثل ضبط النفس والذاكرة ومدى قدرة الجراء على قراءة الإشارات الاجتماعية. لكنها تتفق مع تأكيد سكوت وفولر أنه لا توجد سلالة يمكن القول بصورة قاطعة إنها "أذكى" من أخرى. وتقول: "لقد صمدت هذه النتيجة حقاً".

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon