بي بي سي تتتبع قصة الطبيب حسام أبو صفية "من الاعتقال إلى العزل الانفرادي"
في زنزانة "عزل انفرادي" داخل سجن نفحة الصحراوي، يُحتجز الطبيب حسام أبو صفية، المعتقل منذ 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، بعيداً عن عائلته التي تتابع أخباره بقلق متزايد وسط تقارير تتحدث عن أوضاع صحية ونفسية صعبة يواجهها داخل السجن. وعلى وقع الغياب الطويل وانقطاع التواصل، تعيش الأسرة حالة من الخوف والترقب، فيما تحاول التمسك بأي معلومة تطمئنها على مصيره.
وكانت النيابة العامة الإسرائيلية للمنطقة الجنوبية قدمت "ملفّاً سريّاً" ضد الطبيب حسام أبو صفية، وزعمت أنه يُشكل خطراً على أمن إسرائيل.
يقول ناصر أبو عودة، محامي الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، لبي بي سي، إن آخر تواصل مع موكله جرى قبل نحو 10 أيام، خلال زيارة قام بها محامون داخل السجن، مشيراً إلى أن هذه الزيارات تمثل الوسيلة الوحيدة المتاحة حالياً للتواصل مع السجناء الفلسطينيين.
ويوضح أبو عودة أن السلطات الإسرائيلية "تمنع منذ اندلاع الحرب زيارات عائلات السجناء الفلسطينيين"، كما تمنع زيارات المؤسسات الحقوقية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مضيفاً أن التواصل يقتصر على المحامين وضمن قيود محددة.
ويشير إلى أنه لا يستطيع الإفصاح عن كثير من التفاصيل المتعلقة بما دار خلال الزيارة بسبب وجود حظر نشر على القضية، قائلاً: "لا نستطيع الإفصاح عن أي معلومات، ونحن مقيدون بالتفاصيل المسموح مشاركتها".
ويضيف أن ما يمكن تأكيده هو أن أبو صفية يواجه "ظروف اعتقال قاسية وصعبة جداً من كل النواحي"، موضحاً أن ذلك يشمل أوضاع الطعام والشراب والرعاية الطبية.
ويقول: "العلاج الطبي هو الأمر الأهم، فالدكتور حسام يعاني من أمراض مزمنة وهو بحاجة إلى أدوية بشكل مستمر، وفي الفترة الأخيرة تم منعه من التزود بهذه العلاجات".
وكشف أبو عودة عن تطور جديد في القضية، "يتمثل في نقل أبو صفية قبل عدة أيام إلى العزل الانفرادي" في سجن نفحة، مضيفاً: "منذ ذلك الوقت لا توجد لدينا تفاصيل عنه، ولا نعلم إن كان يحصل على الأدوية التي يحتاجها للعلاج".
وعن المسار القانوني للقضية، أوضح أبو عودة أن أبو صفية محتجز بموجب قانون "المقاتل غير الشرعي"، وهو قانون يسمح، بحسب قوله، باحتجاز الأشخاص لفترات غير محددة دون تحديد سقف زمني واضح.
وكان قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي قد أصدر أمراً بتاريخ 12 فبراير/شباط 2025 بتحويل الطبيب حسام أبو صفية إلى الاعتقال بناءً على قانون "المقاتل غير الشرعي" بدلاً من المحاكمة العادية.
وأضاف المحامي أن هيئة الدفاع تقدمت باستئناف إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، ومن المقرر أن تنظر المحكمة في القضية خلال جلسة تعقد في الـ 10 من يونيو/حزيران الجاري.
وقال: "طلبنا من المحكمة الإفراج عن الدكتور أبو صفية، ونعتبر أن اعتقاله تعسفي وغير قانوني، باعتباره عضواً في الطاقم الطبي الذي كان يعمل في مستشفى كمال عدوان خلال الاجتياح".
ولم يبدِ المحامي تقديرات بشأن إمكانية الإفراج الوشيك عن موكله، مؤكداً أن القضية لا تزال منظورة أمام القضاء الإسرائيلي بانتظار ما ستسفر عنه جلسة الاستئناف المقبلة.
وفي وقت سابق، نقلت وسائل إعلام عن إلياس حسام أبو صفية، ابن الطبيب، "أن نقل والده إلى العزل الانفرادي زاد من مخاوف العائلة بشأن أوضاع أبو صفية في ظل محدودية المعلومات التي تصلهم عن ظروفه داخل السجن".
وقال أبو صفية لشبكة الجزيرة القطرية إن الوقت يمر ببطء شديد على أفراد العائلة الذين يترقبون أي معلومة تطمئنهم على سلامة والدهم.
وجدّد مناشدته المؤسسات الحقوقية والإنسانية ووسائل الإعلام لمواصلة تسليط الضوء على قضية والده وقضايا السجناء الفلسطينيين عموماً، معتبراً أن "رسالة العائلة ليست سياسية، وإنما إنسانية بالدرجة الأولى".
"رسالة إلى صحفي مقتول"
ونقلت وسائل إعلام عن أبو صفية، الابن، أن رسالة وصلتهم من والده قبل نحو شهرين حملت طلباً "بسيطاً ومؤلماً" في آن واحد؛ إذ سأل إن كان بالإمكان إيصال رسالة إلى الصحفي أنس الشريف، آملاً أن يساعد في تذكير العالم بقضية السجناء ومعاناتهم داخل السجون.
لم يكن الدكتور حسام أبو صفية يعلم حينها أن أنس الشريف الصحفي بشبكة الجزيرة كان قد قُتل قبل أشهر. فيبدو أنه في عزلته الطويلة داخل السجن، كان بعيداً عن الأخبار والعالم الخارجي، ويبدو أنه ظل يعتقد أن الصحفي الذي تابع تغطيته للحرب لا يزال على قيد الحياة وقادراً على نقل صوته وصوت بقية السجناء الفلسطينيين.
ويقول نجله إن هذه الرسالة كشفت حجم الانقطاع الذي يعيشه والده عن مجريات الأحداث، لكنها أظهرت أيضاً تمسكه بالأمل رغم الاعتقال. فحتى من خلف القضبان، كان يبحث عن أي نافذة يمكن أن تعبر منها معاناة السجناء إلى الرأي العام.
وبشأن هذه الرواية المتداولة، يوضح محامي الطبيب حسام أبو صفية لبي بي سي أن هذه المعلومة لم تصدر عن فريق الدفاع، قائلاً: "هذه القصة لم تكن من خلالنا، وقد شاهدتها في وسائل الإعلام، ويبدو أنها نُقلت من أحد الأسرى المحررين".
وما إن انتشرت هذه الرسالة على منصات التواصل الاجتماعي حتى أثارت موجة واسعة من التفاعل. إذ رأى كثيرون في طلبه التواصل مع أنس الشريف مشهداً مؤثراً يجمع بين رجلين أصبحا من أبرز الوجوه المرتبطة بالحرب على غزة.
يعلق حساب على إكس باسم "سعادة الأيام" على رسالة الطبيب إلى أنس الشريف بالقول: "هذا المشهد يلخص معاناة وطن بأكمله، وطن مخذول منذ عقود، ما بين أسر وقتل".
ويضيف أن أكثر ما يختصر المأساة في هذه القصة هو أن "أسيراً يستنجد بشهيد"، في إشارة إلى عدم معرفة أبو صفية بمقتل الشريف أثناء فترة اعتقاله.
https://twitter.com/AlayamS33848/status/2063480202630471886
ورأى مستخدم آخر أن قضية حسام أبو صفية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حالة فردية فقط، بل بوصفها نموذجاً يثير تساؤلات حول واقع العدالة وحقوق المعتقلين. واعتبر أن طول فترة احتجازه وما يُثار بشأن ظروف عزله يعكسان، بحسب رأيه، فجوة بين المبادئ القانونية المعلنة وتطبيقها على أرض الواقع.
https://twitter.com/AlqasmMhmd20398/status/2063198708192145541
وسلطت تعليقات أخرى الضوء على ظروف العزل الانفرادي التي يُحتجز فيها أبو صفية، إذ رأى أحد المستخدمين أن هذا النوع من الاحتجاز لا يقتصر أثره على تقييد الحركة، بل يمتد إلى "زيادة معاناة المعتقل وقطع تواصله مع العالم الخارجي".
https://twitter.com/AlhamdBydt9712/status/2063506689169526876
وقال المحامي خالد محاجنة، في منشور له على إكس، إنه عاد مؤخراً من زيارة الصحفي محمد عرب داخل سجن النقب، حيث اطّلع على ما وصفه بواقع المعتقلين من قطاع غزة وظروف احتجازهم.
وأضاف أنه تلقّى لاحقاً أنباء عن نقل الطبيب حسام أبو صفية إلى العزل في سجن غانوت، مشيراً إلى أن "صحفياً وطبيباً وآلاف المعتقلين يجمعهم واقع واحد"، يتمثل في العزل والتجويع والتنكيل، على حد تعبيره.
واعتبر أن ما ورد لا يمثل سوى جزء بسيط من الصورة العامة لأوضاع السجناء الفلسطينيين.
https://twitter.com/KhaledMahajna/status/2062949268512461178
كيف بدأت القصة؟
ولد حسام أبو صفية في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1973 في مخيم جباليا في محافظة شمال غزة، وتعود أصوله إلى عائلة تعرضت للتهجير عام 1948 من بلدة حمامة التي تقع في قضاء عسقلان، وهو أحد أبرز قادة الفرق الطبية في قطاع غزة، وحصل على شهادة البورد الفلسطيني في طب الأطفال وحديثي الولادة.
وبرز اسم أبو صفية خلال الحرب على غزة بوصفه أحد أبرز الأصوات الطبية في شمال القطاع، إذ أطلق عليه زملاء له ومتابعون لقب "أبقراط غزة"، بسبب إصراره على رعاية المرضى رغم المخاطر الشخصية، فقد كان يوثق أوضاع المستشفى والمرضى تحت الحصار والقصف، ما جعل خبر اعتقاله يحظى باهتمام واسع محلياً ودولياً.
اعتُقل الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024 خلال اقتحام الجيش الإسرائيلي للمستشفى الذي كان يُعد آخر مستشفى رئيسي يعمل في شمال القطاع آنذاك.
وجاء اعتقال أبو صفية بعد عملية عسكرية واسعة طالت المستشفى وأدت إلى خروجه عن الخدمة، فيما اقتيد أبو صفية وعدد من أفراد الطاقم الطبي للتحقيق.
وأكد الجيش الإسرائيلي بعد ذلك اعتقاله الطبيب أبو صفية، مضيفاً أنه يشتبه بكونه "ناشطاً في حركة حماس". وقال إن مستشفى كمال عدوان شكّل "معقلاً" لحركة حماس، وإن قوات الجيش قتلت 20 ممن وصفتهم بـ "الإرهابيين"، واعتقلت 240 آخرين خلال إغارتها على المستشفى.
نُقل لاحقاً إلى مراكز احتجاز إسرائيلية، من بينها مركز احتجاز في صحراء النقب، قبل تحويله إلى السجون الرسمية، وسط استمرار احتجازه دون توجيه تهم واضحة، وفق تقارير حقوقية.
ومنذ اعتقاله، ظل أبو صفية محتجزاً في السجون الإسرائيلية، وسط مطالبات متواصلة من مؤسسات حقوقية ومنظمات دولية بالإفراج عنه. كما أفادت عائلته ومحاموه ومنظمات حقوق الإنسان بتعرضه لظروف احتجاز قاسية، بينما مُدد اعتقاله عدة مرات، من بينها تمديد لمدة ستة أشهر بموجب قانون "المقاتل غير الشرعي" وفق مؤسسات حقوقية فلسطينية.
وفي فبراير/شباط 2025، ظهر أبو صفية لأول مرة في تسجيل مصور داخل السجن، وهو مقيّد، ما أثار موجة تنديد حقوقية واسعة واعتبره ناشطون "إذلالاً علنياً".
- حسام أبو صفية لمحاميته: هل ما زال أحد يذكرني؟
- ما هو القانون الإسرائيلي الذي مُدّد بموجبه اعتقال الطبيب حسام أبو صفية؟
- زوجة الطبيب حسام أبو صفية: تعرفت عليه أثناء دراسته الطب في كازاخستان ومن أجله تركت وطني