"رواتب مجزئة.. وحماية محدودة"... كيف يعمل عمال توصيل الطلبات في مصر؟

"رواتب مجزئة.. وحماية محدودة"... كيف يعمل عمال توصيل الطلبات في مصر؟
BBC
Fri, 1 May 2026 06:06:43 GMT
bbc news arabic header storypage
مجموعة من عمال التوصيل
BBC

في ممر غير ممهد بين عدد من المطاعم في منطقة التجمع الخامس شرقي القاهرة، ينتظر تامر (اسم مستعار) إشعار الطلب، على دراجته النارية، بجانب عشرات من رفاقه. يعمل تامر في توصيل الطلبات إلى المنازل منذ نحو 5 سنوات، كملايين من الشباب المصريين، إذ أصبح هذا العمل بالنسبة لهم ملاذا من البطالة أو سبيلا لتوفير دخل إضافي.

توسع الاعتماد على خدمات التوصيل إلى المنازل في مصر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، من البقالة، الطعام، الأدوية، مستلزمات الدراسة، والأدوات المنزلية، وحتى المشروبات الروحية، بات "التوصيل السريع" من مميزات مصر حتى في مقاطع الترويج السياحي، أي شيء يمكنك الحصول عليه عن طريق "الدليفري" خلال ساعة على الأكثر.

جذب هذا العمل ملايين من الشباب المصريين، كونه لا يتطلب شروطا كثيرة، فقط امتلاك هاتف ودراجة عادية أو نارية ورخصة قيادة، والتسجيل في أحد مكاتب التشغيل، توقيع إيصال أمانة لضمان تسديد ثمن الطلبات للشركة، وهو مستند غير رسمي يعمل كضامن وله قوة المسائلة القانونية التي قد تصل للحبس، ثم بدء العمل، حسبما قال لنا تامر والعشرات من زملائه الذي سمعنا شهاداتهم عن العمل في التوصيل في مصر.

لم يصاحب التوسع في الاعتماد على الخدمة، أو حجم العمالة، توسعا موازيا لمظلة الحماية القانونية أو الصحية للعاملين في هذا المجال، حسب عشرات الشهادات التي سمعناها.

"لا عقود.. لا حماية"

ينظر الطيارون (هو مسمى من يعملون في توصيل الطلبات في مصر) إلى هواتفهم بين اللحظة والأخرى لتفقد إذا ما تم استدعاؤهم لتوصيل طلب ما، وما بين الطلبات يجلسون إما على الرصيف أو على درجاتهم يتحدثون في محاولة لتمرير ساعات العمل التي تتراوح بين 8 إلى 12 ساعة أحيانا.

"سابقا كان ضغط العمل علينا أكبر، الآن أصبح عددنا كبير، حتى الشركة باتت تستغل هذا، ولا تتسامح مع أبسط خطأ، توقف عمل المخطئ فورا"، يقول لنا أحد العمال.

أحد عمال الدليفري ينظر إلى موقع التوصيل الذي سيوصل إليه طلبه القادم
BBC
لم يصاحب التوسع في الاعتماد على خدمات التوصيل، التوسع في الحماية القانونية للعاملين به

يعمل تامر مع أحد أشهر تطبيقات التوصيل في مصر، لكنه لا يعمل مع التطبيق مباشرة، بل من خلال مكتب تشغيل، يقول لنا "لا يوجد سياسة لإبرام العقود في هذا العمل، أسلم الشركة صورة من بطاقة هويتي، ورخصة قيادة الدراجة النارية، ثم أحضر محاضرة لشرح طبيعة العمل ثم نبدأ".

ويضيف أن ظروف العمل لا تشمل تأمينا اجتماعيا، بل تأمين ضد الحوادث يتم تفعيله بعد التزام الشخص بالعمل لمدة 6 أشهر "إذا تعرضت لأي حادث خلال الستة أشهر الأولى أتحمل تكلفة العلاج كاملة، أما بعد الشهور الست الأولى، فإذا تعرضت لحادث، يدفع لي التأمين العلاج بحد أقصى 50 ألف جنيه (نحو ألف دولار)، وإذا زادت التكلفة عن هذا الرقم، أكمل العلاج على نفقتي".

تمطر السماء، فينظر إليها تامر مشيرا "هذا المطر مثلا من المخاطر التي تواجهنا خلال العمل، الشتاء أو المياه على الأرض تعرضنا أكثر للانزلاق، إضافة إلى مخاطر الطريق، وضغط الوقت والتأخير من بعض المطاعم التي نعمل معها".

يدرس تامر في جامعة الأزهر، لكنه لا ينوي العمل بدراسته، حتى لو توقف عن العمل في التوصيل، يبتسم حين أسأله عن العمل الذي يحلم به، ويقول "طموحي أن أملك مطعما للمأكولات الإيطالية".

راتب بالتجزئة

مثل تامر، يدرس أحمد أيضا في كلية علوم متحدي الإعاقة، فقد أحمد يده اليمنى في حادث وهو طفل صغير، والآن يعمل في التوصيل على دراجته للمساهمة في مصاريف دراسته.

يقول لبي بي سي إن العمل ينطوي على العديد من المخاطر، لكن أصعب ما يواجهه هو "عدم القدرة على الحصول على الراتب كاملا"، ويوضح "نجمع الراتب من الطلبات المدفوعة نقدا، قد أقضي ثلاثة أو أربعة أيام لأجمع راتب أسبوع واحد، وهذا صعب".

يحسب راتب عمال التوصيل التابعين للتطبيقات في مصر حسب الطلب، وتتراوح قيمة الطلب بين 25- 35 جنيها حسب الطلب (أقل من دولار واحد).

عامل توصيل على دراجته النارية في الشارع بجانب سيارة أجرة
BBC
لا يحصل عمال التوصيل على رواتبهم دفعة واحدة، بل ينتظرون بالأيام لتجميع راتب الأسبوع

قد تدفع بعض المطاعم راتبا ثابتا للعاملين معها خارج تطبيقات التوصيل، لكنها أيضا لا توفر لهم عقودا أو أي من أشكال التأمين.

يقول بدر عوف الذي يعمل مع مطعمين بشكل مستقل، إن أحد المطعمين يوفر له راتبا شهريا، يبلغ نحو 90 دولارا، أما المطعم الآخر، فيعمل معه بنظام الطلبات.

أصيب بدر قبل عامين في حادث أقعده عن العمل لنحو 7 أشهر، "كل ما فعله المطعم الذي كنت أعمل معه حينها هو رسالة تتمنى لي الشفاء"، مضيفا "دفعت تكاليف العلاج لأسابيع قبل أن أتمكن من استصدار قرارا بالعلاج على نفقة الدولة".

محاولات حكومية للحماية

خلال الأعوام الماضية، أطلقت الحكومة المصرية عبر وزارتي التضامن الاجتماعي والعمل عدة حملات لتوفير معدات الحماية والسلامة، للعاملين في توصيل الطلبات.

آخر هذه الحملات أطلقتها وزارة العمل في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، بالشراكة مع تطبيق "طلبات" أحد أبرز تطبيقات التوصيل في مصر، وتهدف إلى توفير خوذ ومعدات سلامة لعمال التوصيل. وقالت الوزارة إنها وزعت معدات الحماية على نحو 3000 عامل بالتوصيل حتى الآن.

ولا يوجد حصر رسمي أو غير رسمي بأعداد العاملين في التوصيل في مصر، لكن، قدر مسؤولون في وزارة التضامن الاجتماعي عددهم بنحو 6 ملايين شخص في عام 2022.

مطالبات برلمانية بتوفير الحماية القانونية

في فبراير/شباط الماضي، تقدمت النائبة بالبرلمان مها عبد الناصر بطلب إحاطة للحكومة بشأن تدهور أوضاع العاملين في التوصيل.

وقالت عبد الناصر في حديث مع بي بي سي "هؤلاء الشباب يعملون بلا عقود ولا مظلة حماية من أي نوع، ونحن نراهم ليلا ونهارا وحياتنا أصبحت مرتبطة بفكرة التوصيل بشكل كبير، يجب أن يتوفر لهم أي نوع من أنواع الحماية".

وأضافت عبد الناصر أن هناك الكثير من المقترحات التي يمكن للحكومة تنفيذها، لضمان سلامة هؤلاء العاملين، منها على سبيل المثال، إنشاء منصة إلكترونية لتسجيلهم، وإلزام الشركات بالعمل فقط مع العاملين المسجلين، وضم هؤلاء العمال إلى التأمين الصحي.

وتابعت "بذلك نضمن وجود مظلة قانونية تحميهم، وتتوافر لدينا البيانات اللازمة عن عددهم وغيرها من المعلومات".

كما لفتت البرلمانية المصرية، إلى ضرورة تفعيل كود السلامة المهنية الخاص بهؤلاء العاملين عن طريق المرور، من ضمان السرعات المحددة التي يسيرون بها، لإلزامهم بارتداء الخوذ ومعدات الحماية.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon