السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء

السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء
Getty Images
Thu, 5 Feb 2026 19:12:26 GMT
bbc news arabic header storypage
يدان لرجلين يمسكان كأسين من الكحول.
Getty Images

بدأت السعودية بهدوء السماح للمقيمين الأجانب الأثرياء بشراء الكحول، وهو تغيير كبير بعد حظر دام 73 عاماً. ويتوقع المعلقون أن يتم توسيع هذا التخفيف في نهاية المطاف ليشمل السُياح، وفق ما أفاد به سمير هاشمي من الرياض.

لعقود من الزمن، تميز الحي الدبلوماسي في الرياض عن بقية العاصمة- فهو منطقة راقية تضم سفارات ومساكن فاخرة، مع ممرات مظللة ومساحات خضراء وثقافة مقاهي تجذب الشباب السعوديين والوافدين على حد سواء.

والآن، داخل مجمع سكني صغير غير ملفت للنظر في هذا الحي الراقي، أصبح متجر صغير بمثابة مختبر خفي لاختبار أحد أكثر التغييرات السياسية حساسية في السعودية- بيع الكحول بشكل محدود للأجانب غير المسلمين الأثرياء.

السعودية، موطن أقدس موقعين في الإسلام، حظرت بيع الكحول عام 1952. لكن كجزء من جهود أوسع لإعادة تشكيل صورتها، أطلقت المملكة في السنوات الأخيرة إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة، لتقدم نفسها كمجتمع أكثر اعتدالاً وملاءمة للاستثمار.

تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، أعادت المملكة فتح دور السينما، واستضافت مهرجانات موسيقية كبرى، ورفعت الحظر عن قيادة النساء، وقلّصت سلطات الشرطة الدينية التي كانت مثيرة للخوف سابقاً.

لكن التوسّع الهادئ في مبيعات الكحول القانونية يُعد على الأرجح أجرأ تجربة حتى الآن.

افتُتح متجر المشروبات الكحولية لأول مرة في الرياض في يناير/كانون الثاني 2024، لكن الدخول كان مقتصراً في البداية على الدبلوماسيين غير المسلمين. وبموجب قواعد جديدة جرى إدخالها دون إعلان في نهاية 2025، أصبح بإمكان المقيمين الأجانب الأثرياء غير المسلمين أيضاً التوجه إلى المتجر لشراء البيرة والنبيذ والمشروبات الكحولية.

لكي يكون المقيم مؤهلاً، يجب عليه إما أن يحمل تصريح إقامة مميز، والذي يكلف 100,000 ريال سعودي (27,000 دولار أمريكي؛ 19,300 جنيه إسترليني) سنوياً؛ أو أن يثبت أنه يكسب ما لا يقل عن 50,000 ريال شهرياً.

وتختلف معايير الأهليّة لبرنامج الإقامة المميزة، وعادة ما يكون متاحاً لكبار المديرين التنفيذيين الأجانب والمستثمرين والمهنيين ذوي المهارات المتخصصة.

وفي كلتا الحالتين، سواء لحاملي التصاريح أو غيرهم، سيتعين عليهم إبراز بطاقة الإقامة الخاصة بهم لحراس الأمن عند الباب، والتي تتضمن معلومات عن ديانتهم ووضعهم الإقامي.

أما الذين لا يملكون التصريح، فسيتعين عليهم أيضاً تقديم شهادة راتب أو خطاب صادر عن شركتهم. ولا يحق للسُياح الأجانب دخول المتجر.

وتحدث عدة زبائن اشتروا الكحول من المتجر لبي بي سي بشرط عدم الكشف عن هويتهم.

يتم وضع الهواتف المحمولة في أكياس مقاومة للعبث قبل السماح للزبائن بالدخول. وقد تمتد الطوابير لأكثر من ساعة، رغم أن الناس يقولون إن تجربة الشراء سهلة نسبياً بمجرد الدخول.

ووصف أحد المغتربين الأوروبيين المتجر بأنه "مجهز جيداً"، مع أسعار "أعلى بمقدار مرتين إلى ثلاث" مقارنة بالأسواق الغربية، لكنها أقل بكثير من الأسعار في السوق السوداء داخل السعودية.

وقال مسؤول مسؤول تنفيذي في شركة بريطانية: "زجاجة من ويسكي جوني ووكر بلاك ليبل كلفتني 124 دولاراً (90 جنيهاً إسترلينياً). لكنني لا أمانع دفع السعر المرتفع".

ويقول الزبائن إن مشتريات الكحول تخضع لنظام معقد يعتمد على حصة شهرية بنقاط، لكنه سخي بما يكفي للسماح لكل شخص بشراء عشرات اللترات من المشروبات الكحولية شهرياً. ويحصل الدبلوماسيون على خصومات على مشترياتهم.

ولم يصدر عن الحكومة أي إعلان رسمي. وقال عدة مشترين إنهم عرفوا بالتغيير في البداية عن طريق الإحالة الشفوية. وحتى اسم المتجر لا يظهر على الخرائط الإلكترونية.

وقال أحد المغتربين الآسيويين: "شارك صديق معي الموقع على خرائط جوجل".

مدينة الرياض.
Getty Images
بعد حظر دام 73 عاماً، أصدرت المملكة العربية السعودية تصريحاً جديداً في عام 2025 يسمح للمقيمين الأجانب الأثرياء غير المسلمين بشراء الكحول في مدينة الرياض.

يقول المحللون إن الغموض الذي تفرضه السلطات حول سياسة الكحول الجديدة مقصود، مما يترك تساؤلات حول مدى التغيير المتوقع.

ويشير سيباستيان سونز، الباحث الأول في مركز كاربو الألماني للدراسات، المتخصص بالشرق الأوسط، إلى أن السلطات تتصرف بحذر. وأضاف: "هم مستعدون للتحرك خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء، إذا لزم الأمر، عندما يتعلق الأمر بالقضايا الحساسة. قد يكون الأمر نفسه بالنسبة للكحول".

ويُحظر الكحول وفقاً للشريعة الإسلامية، ويظل الالتزام الديني قوياً بين غالبية السكان المحليين في السعودية.

ومع ذلك، على الرغم من الحظر، كان الكحول يُستهلك لعقود بعيداً عن الأنظار العامة- من مشروبات منزلية الصنع إلى علامات مستوردة- في الحفلات الخاصة، والمجمعات السكنية المحاطة بأسوار، والمنازل السعودية المجهزة جيداً.

ويدخل جزء كبير من الكحول المعلّب إلى السوق غير الرسمي عبر السفارات، التي سُمح لها منذ فترة طويلة باستيراد كميات غير محدودة بموجب الامتيازات الدبلوماسية. فيما لجأ آخرون إلى السوق السوداء، حيث يستمر تداول المشروبات الكحولية المنزلية غير المنظمة والإمدادات المهربة باهظة الثمن.

يتزامن تحول سياسة السعودية بشأن الكحول مع تزايد الضغوط الاقتصادية على البلاد.

ومع تراجع أسواق الطاقة خلال السنوات القليلة الماضية وشح المالية العامة، تسعى المملكة لجذب المزيد من الزوار الأجانب واستقطاب العمالة الأجنبية عالية المهارات لدعم نمو القطاعات غير النفطية مثل: الذكاء الاصطناعي والتصنيع.

كما خفّفت الرياض بعضاً من أكبر مشاريعها الطموحة للبنية التحتية، بما في ذلك مشروع مدينة نيوم والمنتجعات متعددة التريليونات، بسبب قيود الميزانية. وفي الأشهر الأخيرة، رُخّص للأجانب بامتلاك العقارات والاستثمار في الأسواق المالية السعودية ضمن جهود لجذب رأس المال الخارجي.

وفي الوقت نفسه، تضخ المملكة مليارات الدولارات في قطاعات السياحة والترفيه والفعاليات الرياضية العالمية ضمن سعيها لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط. وقد تم بناء منتجعات فاخرة على ساحل البحر الأحمر، موجهة في المقام الأول للمسافرين الغربيين.

كأسان من المشروبات الكحولية.
Getty Images
يستعد قطاع الضيافة في المملكة العربية السعودية بالفعل لاحتمالية تمكن السُياح من شراء الكحول في المستقبل.

يشكّل قطاع السياحة ركيزة أساسية في برنامج السعودية "رؤية 2030". في عام 2024، استقطبت المملكة نحو 30 مليون زائر دولي، مع تسجيل السفر غير الديني أكثر من نصف هذه الزيارات، وفقاً لوزير السياحة أحمد الخطيب. وتسعى السعودية لجذب 70 مليون سائح دولي بحلول عام 2030.

وقال الوزير في مقابلة مع بي بي سي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025: "نريد مضاعفة مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030".

وتستعد المملكة لاستضافة فعاليات دولية بارزة مثل: معرض إكسبو العالمي 2030 وكأس العالم لكرة القدم 2034، إلا أن بعض المشاريع واجهت تأخيرات، كالألعاب الآسيوية الشتوية المقرر إقامتها عام 2029 في منتجع التزلج المخطط له في نيوم، والتي أُجّلت إلى أجل غير مسمى بسبب تأخر أعمال البناء.

وتأتي هذه الجهود المستمرة للابتعاد عن النفط في ظل أسعار النفط العالمية الحالية التي تتراوح بين 60 و66 دولاراً للبرميل، مقارنةً بما تجاوز 100 دولار للبرميل عام 2022 عقب غزو روسيا لأوكرانيا.

وتشير الأسعار المنخفضة إلى انخفاض الإيرادات للسعودية. ورغم جهود التنويع الاقتصادي، تظل عائدات النفط محور الاقتصاد السعودي.

وفقاً لتقارير إعلامية، تخطط السلطات السعودية أيضاً لافتتاح متجرين جديدين لبيع الكحول، أحدهما في جدة على ساحل البحر الأحمر، والآخر في الظهران بشرق المملكة، موطن شركة النفط الحكومية أرامكو.

ورغم محدودية التفاصيل حتى الآن، يُتوقع أن تخضع المتاجر الجديدة لنفس القيود على من يحق له شراء الكحول، وهم المقيمون الأجانب الأثرياء أو الدبلوماسيون.

ومع ذلك، بدأت صناعة الضيافة السعودية بالفعل بالتحضير لتخفيف القيود مستقبلياً، بما في ذلك احتمال السماح للسُياح بشراء الكحول، حيث شرعت عدة مجموعات فندقية في توظيف السُقاة، مع ذكر معرفة المشروبات الروحية والبيرة والنبيذ كمهارات مرغوبة حتى وإن لم يُذكر تقديم الكحول صراحة في الإعلانات.

قال أحد كبار التنفيذيين في سلسلة ضيافة متعددة الجنسيات: "إذا تغيّرت القواعد، نريد أن نكون قادرين على التحرك فوراً".

تشير مصادر في قطاع الضيافة إلى أن المناطق السياحية مثل: جزر البحر الأحمر ومدينة العلا التاريخية في شمال غرب المملكة قد تكون من بين أولى الأماكن التي يُسمح فيها بالكحول على نطاق أوسع إذا تم تخفيف القيود أكثر.

وقال تيم كالين، الباحث الزائر في معهد دول الخليج العربي في واشنطن العاصمة: "قد لا يكون الكحول العامل الرئيسي، لكنه قد يساعد بالتأكيد في جذب المزيد من السُياح الغربيين، خصوصاً الذين يزورون جزر البحر الأحمر".

وتواجه السعودية منافسة قوية من الدول الإقليمية، لا سيما دبي في الإمارات، لجذب المقيمين الأجانب والسُياح على حد سواء.

بينما توفر دبي بيئة اجتماعية أكثر تحرراً وحياة ليلية واسعة وإتاحة سهلة للكحول، تتنافس الدولتان بقوة لتنويع اقتصاداتهما بعيداً عن الوقود الأحفوري.

ويقول المحللون إن السعودية من غير المرجح أن تتبع نموذج دبي، بل يُتوقع أن تتخذ نهجاً أكثر تقيّداً، أشبه بنموذج قطر، حيث يُسمح بالكحول فقط في الفنادق والأماكن المخصصة.

حتى خلال كأس العالم 2022، اقتصرت مبيعات الكحول في قطر على مناطق المشجعين والفنادق الخمس نجوم، مع حظرها داخل الملاعب.

ويعتقد سبنسر سونز أن السعودية ستتبنى نهجاً مشابهاً لكأس العالم 2034- فإذا سُمح للسُياح بشراء الكحول بحلول ذلك الوقت، فلن يُسمح به داخل الملاعب.

ويضيف: "تريد السلطات إعداد المجتمع تدريجياً وتجنب رد فعل عنيف".

ويظل الكحول موضوعاً حساساً جداً في بلد يشكل السعوديون حوالي ثلثي سكانه، حيث يصعب قياس الرأي العام بدقة.

في الوقت الحالي، يذهب العديد من السعوديين والمغتربين عبر الحدود إلى البحرين بحثاً عن مشروب، حيث يُسمح بالكحول قانونياً للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، ويجذب الجزيرة زواراً سعوديين بانتظام في عطلات نهاية الأسبوع والأعياد الرسمية.

لكن مفكر سعودي، طلب عدم الكشف عن هويته، يؤكد أن الكحول لا يزال "تابو اجتماعي كبير" في المملكة. "الغالبية من السعوديين الذين رحبوا بالإصلاحات في السنوات الأخيرة، سيكونون مترددين أيضاً في دعم هذا علناً. وحتى السعوديون الذين يستهلكون الكحول، يفعلون ذلك خارج البلاد أو في منازلهم بشكل خاص".

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon