الخرطوم تتنفس كرة القدم من جديد بعد سنوات من الانقطاع بسبب الحرب
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ثلاثة أعوام، أُقيمت مباراة لكرة القدم على أرض استاد الخرطوم. ورغم درجات الحرارة المرتفعة وغير المسبوقة في العاصمة السودانية، والانشغالات اليومية التي فاقمتها تداعيات الحرب، توافدت الجماهير إلى الملعب العريق في قلب العاصمة لمتابعة المباراة النهائية لبطولة الدوري السوداني للنخبة بين الهلال والمريخ.
"لا أصدق أنني أشجع فريقي من داخل الملعب"
في المدرج الرئيسي للاستاد جلست أميرة الحاج إلى جانب زوجها، وهي ترفع علم فريق المريخ وتردد الأهازيج الكروية المناصرة لفريقها. وقالت والدموع تترقرق في عينيها إنها سعيدة بمتابعة المباراة من داخل الملعب بعد سنوات من الانقطاع.
وأضافت: "أنا في غاية السعادة لوجودي داخل الاستاد وتشجيعي لفريق المريخ بعد سنوات من الغياب. قطعت مسافة طويلة من أقصى جنوب الخرطوم للحضور إلى الملعب ومشاهدة المباراة. صحيح أن درجات الحرارة مرتفعة ولدينا التزامات أسرية كثيرة، لكن مع ذلك أنا سعيدة".
في الجانب الشمالي من المدرج الرئيسي اصطف مشجعو الهلال وهم يترقبون انطلاق المباراة. من بين هؤلاء المشجعين عبد الكريم عبد الله، البالغ من العمر نحو 60 عاماً.
كان العرق يتصبب منه بغزارة حتى بلّل سترته الزرقاء التي تحمل شعار الهلال.
يقول عبد الكريم إنه لا يكاد يصدق أنه سيتمكن أخيراً من مشاهدة نجومه المفضلين وتشجيعهم من داخل الملعب: "كنت أشاهد لاعبي الهلال المشاركين في البطولات الإفريقية عبر التلفاز، لأن الفريق كان يلعب خارج السودان. أما الآن، فأستطيع تشجيعهم من داخل الملعب والاستمتاع بالمباراة. جئت من ولاية الجزيرة خصيصاً لمتابعتها، ولست نادماً على سعر التذكرة المرتفع ولا على عناء السفر، لأنني مستمتع حقاً بهذه التجربة".
حضور جماهيري كبير رغم المخاوف الأمنية
عادةً ما تُقام مباريات كرة القدم في السودان خلال الفترات المسائية بعد غروب الشمس وانخفاض درجات الحرارة. لكن الاتحاد السوداني لكرة القدم قرر إقامة المباراة عصراً، رغم اقتراب درجات الحرارة من 50 درجة مئوية في ذلك اليوم.
وقال أحد مسؤولي الاتحاد لبي بي سي إنهم اضطروا إلى إقامة المباراة في هذا التوقيت بسبب تعطل أبراج الإضاءة في الملعب، إضافة إلى أسباب أخرى مرتبطة بالوضع الأمني.
وأوضح المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، أن الملعب لا يمكنه استضافة المباريات ليلاً، مضيفاً: "قررنا إقامة المباراة عصراً مع إدراكنا أن ذلك يشكل مشقة كبيرة للجماهير واللاعبين على حد سواء، لكننا كنا مضطرين إلى ذلك بسبب الأوضاع الأمنية وعدم اكتمال جاهزية الملعب".
ومع ذلك، حرصت جماهير كبيرة قُدرت بنحو ١٠ آلاف شخص على الحضور ومتابعة المباراة من داخل الملعب.
وقد سبق أن شاهدتُ عدداً من المباريات في استاد الخرطوم قبل اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، وكان الملعب، الذي يتسع لنحو 23 ألف متفرج، عادةً ما يمتلئ عن آخره، خاصة خلال مباريات القمة بين الهلال والمريخ.
وبطبيعة الحال، كان الحضور الجماهيري في هذه المباراة أقل من السابق، إلا أنه يبدو معقولاً بالنظر إلى أنها الأولى منذ اندلاع الحرب، وإلى الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وارتفاع أسعار التذاكر، فضلاً عن سوء التنظيم الذي رافق دخول الجماهير.
دمار وخراب بسبب الحرب
على غرار العديد من المؤسسات العامة والخاصة في وسط الخرطوم، تعرض استاد الخرطوم، الذي يُعد أحد أقدم ملاعب كرة القدم في السودان إذ أُنشئ عام 1957، لأضرار جسيمة جراء الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة.
وتمكن الجيش من السيطرة على كامل العاصمة الخرطوم قبل نحو عام.
وشملت الأضرار أرضية الملعب والمدرجات وأبراج الإضاءة، إضافة إلى مرافق الاستاد المختلفة، بما في ذلك غرف اللاعبين والمكاتب الإدارية.
وقبل أسبوع من المباراة، حاولت السلطات المختصة إعادة تأهيل الملعب، فركّبت أرضية من العشب الاصطناعي، وأعادت طلاء الواجهات، ورُصفت الطرق المؤدية إليه بالأسفلت. ومع ذلك، لا يزال استاد الخرطوم بحاجة إلى أعمال كبيرة ليعود إلى سابق عهده.
وقد اضطر معلق المباراة في تلفزيون السودان الرسمي إلى التعليق من جوار الملعب، وهو يتصبب عرقاً، مستخدماً شاشة قديمة وُضعت أمامه على طاولة متواضعة، بينما كان يجلس على كرسي بلاستيكي.
وإلى جانب استاد الخرطوم، يوجد ملعبان آخران يتبعان للهلال والمريخ في مدينة أم درمان، غرب العاصمة.
وكان حجم الدمار في هذين الملعبين أكبر مقارنة باستاد الخرطوم، إذ تضررت مرافقهما بشكل بالغ وأصبحت غير صالحة للاستخدام، ما دفع المنظمين إلى إقامة مباريات الدوري في ملاعب بديلة في مدينتي الخرطوم وبحري.
مباراة تحت أشعة الشمس وبارقة أمل
نزل لاعبو الفريقين إلى أرض الملعب وسط تصفيق حار من المشجعين.
وقدم اللاعبون مباراة اتسمت بالندية والإثارة رغم الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، ما دفعهم إلى التوقف بين الحين والآخر لشرب المياه وتجنب الإجهاد وضربات الشمس.
وتمكن الهلال من حسم المباراة بهدف نظيف، ليتوج بلقب الدوري وسط فرحة عارمة من أنصاره.
ومن على المدرجات، كان بالإمكان مشاهدة آثار الحرب التي لا تزال ماثلة على المباني الشاهقة والمؤسسات الحكومية المحيطة بالاستاد في وسط الخرطوم، حيث تظهر الهياكل المحترقة للبنايات وحطام المحال التجارية التي كانت تعج بالحركة والمتعاملين.
وربما تمنح عودة الجماهير إلى الملعب وترديدها الأهازيج الرياضية أملاً جديداً لمنطقة وسط الخرطوم في أن تستعيد حيويتها السابقة، باعتبارها أحد أهم المراكز التجارية والحضرية في السودان.
- الذكرى الثالثة للحرب في السودان: رسائل لن تصل
- السودان: ما فرص التوصل إلى حل سياسي دائم بعد ثلاث سنوات من القتال؟