يمنيون يفرون بقوارب عبر البحر الأحمر مع تصاعد وتيرة الحرب

يمنيون يفرون بقوارب عبر البحر الأحمر مع تصاعد وتيرة الحرب
Frank Gardner/ BBC
Mon, 21 Sep 2026 20:19:20 GMT
bbc news arabic header storypage
طفلة نازحة محاطة بذراعي والدها تنظر إلى الكاميرا
Ed Habershon/ BBC
تقديرات بنزوح أكثر من 120 ألف يمني مع تصاعد وتيرة القتال

يبلغ إبراهيم عيسى 50 عاماً، وهو من بلدة ذو باب الساحلية اليمنية، الواقعة مباشرة على خطوط المواجهة في الحرب داخل اليمن بين جماعة أنصار الله الحوثية من جهة، والقوات الموالية للحكومة والمدعومة من السعودية من جهة أخرى.

يجلس اليوم محاطاً بعائلته على غطاء مفروش فوق أرض رملية داخل مستودع ضخم مفتوح الجوانب، في مخيم "مركزي" في أوبوك في شمال جيبوتي، والمكتظ بعائلات يمنية فرت بالقوارب عبر مضيق باب المندب الضيق.

بعد عبورهم البحر، شقّ اللاجئون اليمنيون طريقهم بالشاحنات وعلى الأقدام إلى هذا المخيم الذي تديره الحكومة والأمم المتحدة بصورة مشتركة.

ويقول إبراهيم عيسى: "كيف كان يمكنني أن أبقى هناك ببساطة وأطفالي يصرخون ويرتجفون من الرعب؟ عندما يبدأ صوت الطائرات، ويسمع الأطفال الطائرات، يبدأون بالصياح والصراخ. إنها مسؤوليتنا كآباء، فماذا يمكنك أن تفعل عندما ترى هذا؟ لهذا السبب فررنا، لإنقاذهم".

رجل ينظر إلى الكاميرا يرتدي قميصاً أبيض اللون
Ed Habershon/ BBC
هرب إبراهيم عيسى في قاربه مع عائلته وبعض الماعز

كونه صياداً، يمتلك ابراهيم عيسى قارباً كبيراً بما يكفي لإخراج عائلته من اليمن.

حتى إنه أحضر معه عدداً من الماعز التي تمتلكها العائلة، أراها الآن تقضم بقايا قريبة بحثاً عن الطعام بين عبوات غاز الطهي الملقاة والزجاجات البلاستيكية الفارغة.

وتمكنت بعض العائلات من إحضار حزم صغيرة من ممتلكاتها من اليمن، حتى إن إحدى العائلات أحضرت "جراك"، وهو أنبوب نارجيلة (شيشة) معدني طويل، فيما وصل آخرون منهكين وليس معهم سوى الملابس التي غادروا بها.

وخلال الأيام القليلة الماضية فقط، وصل إلى هنا أكثر من 3 آلاف لاجئ من اليمن، كثير منهم عائلات بأكملها.

وتقدر الأمم المتحدة نزوح أكثر من 120 ألف يمني بسبب تصاعد القتال المفاجئ على امتداد ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر.

وفي هذا الشهر، اندفع الحوثيون، الذين سيطروا قبل سنوات على معظم المناطق المأهولة بالسكان في البلاد، بشكل خاطف على امتداد الساحل باتجاه باب المندب، وهو ممر بحري ضيق واستراتيجي تصب عنده مياه جنوب البحر الأحمر في خليج عدن، ومنه إلى المحيط الهندي الأوسع.

وردت السعودية، التي تدعم حكومة اليمن المعترف بها دولياً من الأمم المتحدة، بمئات الغارات الجوية على امتداد السهل الساحلي المنبسط حيث يتحصن الحوثيون الآن. وأطلق الحوثيون مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ على مدن وبنى تحتية في جنوب غربي السعودية.

والرسالة التي سمعتها بوضوح، وبالعربية، من كل من تحدثت إليهم هنا هي: "لا يهمنا أي طرف هو الذي يهاجم. القنابل التي تتساقط في كل مكان حولنا هي التي دفعتنا إلى الفرار".

خريطة تظهر باب المندب باللون الأزرق في الوسط وعلى اليمين اليمن ومناطق المخا وذوباب وجزيرة بريم، باللون الأبيض ويسارا جيبوتي وأريتريا بلون بني داكن
BBC

وأوضحت جيبوتي، المستعمرة الفرنسية السابقة الصغيرة التي تقع على الجانب الآخر من المياه قبالة اليمن، أنها لا تنوي التورط في الحرب بين الحوثيين والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.

ومع ذلك، جيبوتي هي واحدة من أكثر دول أفريقيا عسكرة. فمنذ عام 2003 تدير الولايات المتحدة هنا قاعدة ضخمة متعددة الجنسيات، معسكر ليمونييه، الذي كان سابقاً مقرّ الفيلق الأجنبي الفرنسي.

ولدى الصين أيضاً قاعدة رئيسية هنا، تمثل أكبر وجود عسكري لها على المحيط الهندي، وقد جرى تعزيزها مؤخراً.

وبالعودة إلى مخيم "مركزي"، كان قاسم عبسي من بين الذين تحدثت إليهم. وكان كذلك صياداً في السابق، وتُظهر بطاقة هويته أن عمره 100 عام.

ويسأل منفعلاً: "ما الذي دفعنا إلى المجيء إلى هنا؟".

ويجيب: "كانت الطائرات. أصوات الطائرات، بووم! (دوي الانفجار) هذا ما جعلنا نفر، من أجل أطفالنا. إنّ ذلك يحرق قلوبنا. لا نعرف لأي طرف تنتمي هذه الطائرات. إنها تقصف في كل مكان لأن الحوثيين موجودون في كل مكان، في الجبال وعلى الطرق. تأتي طائرة وتقصف في كل مكان".

وفي الخارج، في ظلّ حرارة حارقة تبلغ 37 درجة مئوية، وبالقرب من صفوف الخيام المنظمة التي وفرتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التقيت محمد عبد الكريم من عدن، مرشد سياحي سابق يبلغ من العمر 63 عاماً، وُلد حين كانت عدن لا تزال محمية بريطانية.

وعلى عكس الوافدين الجدد، يعيش محمد هنا منذ عام 2015. إذ فرّ إلى جيبوتي بعد وقت قصير من اندلاع القتال للمرة الأولى بين الحوثيين وحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي أزيح عن منصبه لاحقاً.

وهو يعيش في المخيم منذ ذلك الحين، لكن خلال حديثنا، غلبه الحزن فجأة على ما يحدث لبلاده، فأدار رأسه محاولاً حبس دموعه.

وقال: "معظم الناس هنا يعيشون في أسوأ الظروف، داخل الخيام. أنا متأثر جداً، وأبكي من أجل هؤلاء الناس، من أجل شعبي، ومن أجل معاناتهم. أريد أن يصل صوتنا إلى المنظمات غير الحكومية وحكومة جيبوتي. وأنا ممتن لهم لاستقبالنا".

إلى متى سيضطرون إلى البقاء هنا؟ يعتمد ذلك، بالطبع، على القتال. شهدت اليمن منذ عام 2014 صراعاً أهلياً مروعاً أودى بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص وأدى إلى تهجير الملايين.

في الأشهر الأخيرة، انهارت هدنة هشة توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022 بين السعوديين والحوثيين، وتبادل الجانبان القصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة والغارات الجوية.

سيدة مسنة تلبس غطاء رأس وملابس باللون الأسود والبني
Frank Gardner/ BBC
عائشة عبد القادر محمد: "نحن مستعدون للعودة بسلام إذا عاد السلام إلى بلدنا".

قد تبدو حرب اليمن بعيدة بالنسبة لمعظم الناس، لكن تداعيات خنق صادرات النفط السعودية عبر مضيق باب المندب تحظى بتغطية واسعة. أما الكلفة البشرية، فكثيراً ما تمر، كالمعتاد، من دون أن تحظى بالانتباه نفسه.

يجلس الصياد قاسم عبسي إلى جانب زوجته على غطائهما، وسط ضجيج صاخب يحيط بهما من كل جانب، ويعرب عن تردده في مغادرة أمان جيبوتي، قائلاً: "إذا استمرت الحرب فلن نعود، لأننا بسلام هنا".

وتوافقه زوجته، عائشة محمد، قائلة: "نحن مستعدون للعودة بسلام إذا عاد السلام إلى بلدنا، وندعو الله أن يعود السلام. كل ما نحتاج إليه هو السلام، حتى من أجل مستقبل أطفالنا. يجب أن يحصلوا أولاً على الأمان، ثم الطعام والماء والتعليم".

وقالت: "كما ترى، فررنا بملابسنا فقط، وتركنا كل شيء خلفنا، لأنه لا يوجد سلام (في اليمن).

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon