كيف تشكل سبتة وكرة القدم وإسرائيل ملامح الانتخابات في المغرب؟
سعت الأحزاب إلى استمالة الناخبين الشباب المحبطين في المغرب بشعارات كروية واسعة الانتشار، ووعود بتوفير مليون فرصة عمل، ودعوات للحشد ضد إسرائيل، قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة يوم الأربعاء.
لكن السياسة لا تزال، في نظر كثير من الشباب المغاربة، منفصلة تماماً عن الواقع.
تقول سهام أزروال، وهي ناشطة بيئية تبلغ من العمر 32 عاماً وتعيش في منطقة الأطلس، لبي بي سي: "لا أمل لديّ في هذه الانتخابات، وأشعر بالخجل من مشهدنا السياسي، إنه سيرك بكل معنى الكلمة".
وستحدد نتائج التصويت تشكيلة الحكومة المقبلة، بعد أسابيع فقط من مخاطرة 60 ألف شخص بحياتهم للعبور من المغرب إلى جيب سبتة الإسباني، في مؤشر على شعور كثير من الشباب بندرة الفرص المتاحة لهم في بلدهم.
ويعتمد المغرب نظاماً ملكياً دستورياً، تتنافس فيه الأحزاب السياسية على 395 مقعداً في مجلس النواب، وهو الغرفة التشريعية.
لكن السلطة التنفيذية تظل وثيقة الارتباط بالقصر، فالملك محمد السادس، البالغ من العمر 63 عاماً، يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر الانتخابات، ويترأس أيضاً المجلس الوزاري، أهم هيئة لصنع السياسات في البلاد.
وتأتي الحملة الانتخابية الحالية أيضاً عقب موجة احتجاجات قادها أبناء الجيل "زد"، واندلعت في سبتمبر/أيلول 2025 بسبب البطالة وأوضاع الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة.
وردد المتظاهرون شعارات من قبيل "الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية"، قبل أن تتصاعد مطالبهم إلى "ارحل أخنوش"، في إشارة إلى رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش.
وواجه أكثر من 2400 شخص ملاحقات قضائية عقب الاضطرابات.
ورغم الحملة الأمنية، يختار بعض الناشطين الشباب دخول المعترك السياسي.
اعتُقل حمزة الخروبي، البالغ من العمر 29 عاماً، لفترة وجيزة خلال الاحتجاجات، ويخوض الآن الانتخابات البرلمانية مرشحاً عن حزب البيئة والتنمية المستدامة، وهو حزب غير معروف على نطاق واسع يتبنى برنامجاً يركز على قضايا البيئة.
ويقول الخروبي لبي بي سي: "بوصفي شاباً، ليس لديّ أمل كبير. انضممت إلى هذا الحزب لأنه أراد استقطاب مزيد من الوجوه من الجيل زد، ولأنه يتيح لنا التحدث بحرية عن مطالبنا".
وينحدر الخروبي من مدينة تطوان، التي تبعد 34 كيلومتراً فقط عن شاطئ الفنيدق، حيث بدأت موجة الهجرة إلى سبتة في أواخر يوليو/تموز.
وعبر نحو 60 ألف شخص، من المغاربة وجنسيات أخرى، إلى سبتة، ولقي ما لا يقل عن 100 شخص حتفهم في أكبر موجة هجرة إلى الجيب في التاريخ الحديث.
ويقول الخروبي: "نريد العدالة لعائلات الذين لقوا حتفهم أثناء العبور إلى سبتة. نريد تعويضات لأسرهم".
ويرى أن حركة العبور ارتبطت إلى حد كبير بالصعوبات الاقتصادية والبطالة.
ويقدر صندوق النقد الدولي أن معدل البطالة العام بلغ 13 في المئة العام الماضي، بينما وصلت البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 37.3 في المئة.
ويقول الخروبي إن هدفه ليس منافسة القوى السياسية الراسخة، بل ضمان صوت في البرلمان يمكن البناء عليه استعداداً لعام 2031.
ويضيف: "علينا، نحن الشباب، دخول البرلمان حتى يكون لدينا بحلول عام 2031 سياسيون شباب أقوياء قادرون على المنافسة على مقعد في الحكومة".
برز فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والمسؤول السياسي البارز الذي يعمل في وزارة المالية، بوصفه أحدث الوجوه السياسية التي تستقطب الاهتمام في المملكة، وأحد أبرز الأسماء ذات الثقل السياسي.
وانضم لقجع، الذي يُنسب إليه دور في مساعدة "أسود الأطلس"، كما يُعرف منتخب الرجال لكرة القدم، على المنافسة عالمياً، إلى حزب الأصالة والمعاصرة الوسطي في يوليو/تموز.
وانتشرت مقاطع فيديو لتجمعاته الانتخابية على نطاق واسع في هذا البلد الشغوف بكرة القدم، الذي يستضيف النسخة المقبلة من كأس العالم بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال.
وتُظهر المقاطع حشوداً تهتف بكلمة "سير"، التي تعني "تقدم" بالدارجة المغربية، وهي العبارة التي اشتهرت خلال المسيرة التاريخية للمغرب في كأس العالم 2022، حين أصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ الدور نصف النهائي.
ووعد لقجع بجعل المغرب يحتل المرتبة السادسة عالمياً في التعليم والرعاية الصحية، ليضاهي ترتيب منتخب الرجال لكرة القدم في تصنيف الاتحاد الدولي "الفيفا".
ويتنافس حزب الأصالة والمعاصرة مع 26 حزباً آخر، بينها حزب التجمع الوطني للأحرار بزعامة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وفي سعيه للفوز بولاية ثانية، جدد التجمع الوطني للأحرار تعهده بتوفير مليون فرصة عمل بحلول عام 2031.
لكن الخبير السياسي رشيد أوراز، من المعهد المغربي لتحليل السياسات، لا يزال يشكك في هذا الوعد.
ويقول أوراز لبي بي سي: "أصبح شعار المليون وظيفة شعاراً انتخابياً مستهلكاً. وهناك أيضاً حديث عن رفع الحد الأدنى للأجور، لكن المقترحات المطروحة لا تصمد أمام العجز الهيكلي عن تحقيق زيادة صافية في الوظائف المستقرة".
ويضيف أن الأحزاب الكبرى "لا تتنافس على تقديم نموذج بديل"، بل على كيفية تنفيذ سياسات عامة تحددها الرؤية الملكية.
ويسعى حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى العودة إلى الواجهة السياسية، مستعيناً بالمشاعر المناهضة لإسرائيل لاستمالة الناخبين.
وطبع المغرب علاقاته مع إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2020، إلى جانب عدة دول عربية أخرى، في إطار الاتفاقيات الإبراهيمية التي توسطت فيها الولايات المتحدة.
ويركز الحزب، بزعامة رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، المعروف بخطابه الشعبوي، حملته الانتخابية على وعد بإنهاء العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ويقول بنكيران إن التطبيع كان "خطأ" ارتكبه حزبه، الذي قاد الحكومة بين عامي 2016 و2021.
وتأثرت العلاقات الثنائية خلال حرب غزة، إذ شهدت العاصمة الرباط احتجاجات أسبوعية ضد الوجود الدبلوماسي الإسرائيلي.
وخلال الحرب، أُغلق مكتب الاتصال الإسرائيلي، وعُلقت الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين.
لكن رغم موجة الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، التي خرج خلالها عشرات الآلاف إلى الشوارع وأحرقوا العلم الإسرائيلي في ذروة الحرب، أُعلن في وقت سابق من هذا الشهر أن إسرائيل والمغرب اتفقا على فتح سفارتين كاملتي التمثيل الدبلوماسي في البلدين.
وجاء ذلك عقب اجتماع ضم وزيري خارجية البلدين والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة.
وقال بنكيران لمؤيديه خلال تجمع انتخابي في مراكش: "علينا أن نرفع أصواتنا".
وأضاف: "إذا عملنا بجد، فسيغلق الملك السفارة الإسرائيلية. الملك لا يحب أن يخالف إرادة شعبه"، محذراً من "مخاطر إسرائيل والصهيونية في المغرب".
ويشكل من هم دون سن الخامسة والثلاثين أكثر من نصف سكان المغرب، البالغ عددهم نحو 38.8 مليون نسمة، لكن الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً لا تمثل سوى 4 في المئة من أكثر من 15.8 مليون ناخب مسجل.
وتقول هبة، وهي مغربية تبلغ من العمر 27 عاماً وتقيم في كندا، فضلت عدم ذكر اسم عائلتها: "لا أتابع الحملات الانتخابية كثيراً، لكنني لاحظت الوجوه نفسها كالمعتاد".
وتعيش هبة في مونتريال، التي تضم جالية مغربية كبيرة يبلغ تعدادها نحو 104 آلاف شخص، وفقاً لتعداد عام 2016.
وكانت أصوات كثير من احتجاجات الجيل "زد" العام الماضي أعلى خارج البلاد، حيث استطاع الشباب المغاربة التعبير عن غضبهم دون الخوف من تبعات ذلك.
وتقول هبة، التي شاركت في تنظيم عدة احتجاجات للجيل "زد" في مونتريال، إنها كانت ستفكر في التصويت لو تمكنت من العثور على شخص ينوب عنها في المغرب، وهي الآلية التي تتيح للمغاربة المقيمين في الخارج الإدلاء بأصواتهم.
وتضيف: "لم تذهب احتجاجات الجيل زد سدى، لقد حققنا شيئاً. على الأقل، نرى الآن مزيداً من النقاشات بمشاركة الشباب على التلفزيون الرسمي".
وتتفق معها الناشطة البيئية أزروال.
لكن أزروال، التي عايشت حركة 20 فبراير/شباط عام 2011، التي أدت إلى تغيير الدستور، وحركة الجيل "زد" الأخيرة، ترى أن التغيير يتطلب العمل على عدة جبهات.
وتقول: "أعتقد أنه يتعين على الشباب التركيز على العمل على نطاق محلي، بالمساهمة في بناء مجتمعاتهم والتواصل مع الناس، ثم التدرج نحو مواقع صنع القرار، بدلاً من البدء بالترشح للمناصب السياسية".
ورغم أن أياً من الحملات الانتخابية لم يقنعها تماماً، فإنها تقول إنها ستتوجه إلى مركز الاقتراع في منطقتها للإدلاء بصوتها.