"أنام وأنا عطشان": طفل في غزة يمشي كيلومترات بحثاً عن الماء
"أشعر أنني أحمل مسؤولية أكبر من عمري" هكذا جاءت كلمات محمد مصباح، الذي يبلغ من العمر 14 عاما، وهو يحدثنا عن رحلته الشاقة اليومية للحصول على المياه من أجل أسرته التي تعيش بمنطقة مخيم جباليا في قطاع غزة.
يخبرنا محمد أن أسرته تتكون من عشرة أشخاص "كلهم من ذوي الإعاقة، وأقوم بجلب المياه التي تكفيهم جميعا." ويضطر إلى قطع مسافة تقارب خمسة كيلومترات كل صباح كي يصل إلى أقرب نقطة توزيع للمياه بعد أن تعطلت محطة تحلية المياه القريبة من منزله في مخيم جباليا.
لكنه لا ينجح دائما في أن يعود محملاً بغالونات المياه، فكثيراً ما تنتهي هذه الرحلة بخيبة الأمل عندما يصل إلى أحد خزانات المياه ليجده فارغاً لأن شاحنة توزيع المياه لم تأتِ. ويوضح "أقطع هذا المشوار عدة مرات في اليوم، عندما لا أجد المياه" ما يجعله منهكاً طوال الوقت.
- "الجوع هو الشعور الأقذر في الكون"، فلسطينيون يقضون أياماً بلا طعام في قطاع غزة
- "أشرب مياها ملوثة لأنه ليس أمامي خيار آخر"
- الغزيون يخشون من إغلاق محطات المياه مع توسيع إسرائيل هجومها
"أنتظر الرحمة"
يكتسي صوت محمد بنبرة حزن واضحة عندما يتذكر كيف كانت حياته قبل الحرب، ويقول "كنت أستيقظ في السابعة صباحاً كي أذهب إلى المدرسة، الآن أصبحتُ أستيقظ من أجل الذهاب إلى تعبئة المياه".
وعلمنا من أسرة محمد أن إخوته الذكور الثلاثة، الذين يكبرونه بسنواتٍ، أصيبوا بإعاقات متفاوتة بسبب عامين من الحرب. ويقول الصبي إن إخوته الكبار كان من المفترض أن يتولوا مساعدته "أما اليوم فأنا الذي أتولى مساعدتهم. وكثيراً ما أشعر بالحاجة إلى من يساندني لكنني لا أجد أحداً".
وعندما ينتهي مشوار محمد المجهد بالعثور على المياه، تظهر مشكلة أخرى وهي كيف سيحمل غالون المياه الثقيل ويعود به إلى المنزل، سيراً على الأقدام. ويضيف "في الكثير من الأحيان، أطلب من المارة أن يساعدوني على حمل المياه. قد يوافق بعضهم وقد يرفض آخرون. وعندما لا أجد من يساعدني، أجلس على الطريق منتظراً الرحمة من عند الله".
وكانت غزة تعتمد على عدة مصادر للمياه إما عن طريق محطات التحلية أو خطوط الأنابيب أو الآبار. وتوضح الأمم المتحدة أن إسرائيل دمرت نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المتعلقة بالمياه خلال الحرب. كما أن التلوث يطال الآبار بسبب تسرب مواد الذخيرة إلى باطن الأرض، على مدار عامين.
وعندما لا يستطيع محمد الحصول على المياه يلجأ إلى الجيران ويظل ينتقل من منزل لآخر، لعله يجد عندهم قسطاً من المياه "لكن أحياناً لا تتوفر المياه لدى الجيران أيضا. وفي بعض الأيام نضطر أن نذهب إلى النوم ونحن عطشى".
محطات التحلية
وتعطلت الكثير من محطات تحلية المياه ومعالجتها في غزة عن العمل. واتهمت منظمة أطباء بلا حدود، وهي من أكبر الجهات التي تتولى توفير المياه للقطاع، إسرائيل بعرقلة دخول زيوت التشغيل وقطع الغيار وغيرها من المعدات التي تعتمد عليها محطات التحلية.
وفي المقابل، تقول إسرائيل إنها لم تعد تفرض قيوداً على واردات القطاع من المياه كما أنها تعمل على إيصال ما يكفي من المياه عن طريق خطوط الأنابيب ولم تقيد دخول المياه المعبأة للقطاع كذلك.
ويخبرنا أحمد القرموطي الذي يدير إحدى محطات التحلية إن محطته كانت توفر المياه لعدة منشآت مجاورة ومنها مدرسة وعيادة طبية. ويقول إنه يتألم بشدة عندما يضطر إلى إرجاع الأسر خالية الوفاض من دون أن يمنحها أي قسط من المياه بسبب تعطل المحطة. ويضيف "نريد أن نساعدهم لكننا لم نعد نستطيع."
وكان من المفترض أن تبدأ عملية إعادة إعمار غزة بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. لكن إسرائيل تتمسك بنزع سلاح حركة حماس وهو مطلب لم تنفّذه الحركة حتى الآن. وقدر خبراء التنمية بالأمم المتحدة، العام الماضي، تكلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار، بعد عامين من الحرب.
مخاطر صحية
وتحصل نصف العائلات في غزة على ما يقل عن ستة لترات من المياه يومياً للفرد من أجل الشرب والطهي، وفقا لتقديرات اليونيسيف العام الماضي. في حين تقدر منظمة الصحة العالمية الحد الأدنى من المياه المطلوبة لتغطية الاحتياجات الأساسية لفرد في حالات الطوارئ بخمسة عشر لتراً يومياً.
ويحذر الأطباء من التداعيات الصحية التي قد تنجم عن الاعتماد على مصادر ملوثة للمياه في ظل الشح الذي يشكو منه القطاع. ويقول بسام زقوت مدير جمعية الإغاثة الفلسطينية في غزة إن الأطباء يفحصون يومياً حالات ترتبط بالاعتماد على المياه الملوثة ابتداء من الإسهال وصولاً إلى التهاب الكبد الوبائي من النوع أ. ويوضح زقوت أن "الإمكانيات التشخيصية في غزة والاستعدادات الطبية قد لا تسمح لهم باكتشاف كل الأمراض التي قد تنتج عن تلوث المياه."
ورغم عدم وجود أمراض مثل التيفويد أو الكوليرا في غزة، يرى زقوت أن بيئة غزة "عالية المخاطر لمثل هذه الأمراض" في ظل النزوح المستمر وانتشار الآبار العشوائية وعدم وجود إمكانيات لتنقية المياه.
وخلال رحلة محمد للحصول على المياه نجد الكثير من سكان غزة يقطعون نفس الطريق، سواء كانوا أطفالاً أم شباباً أم شيوخًا. فما أن تلوح شاحنة توزيع المياه في الأفق حتى يهرع إليها الجميع لكن لا ينجح الكل في الحصول على ما يكفيهم. ويظل محمد وغيره من السكان مهمومين ومنشغلين بالغد إذ لا يعرفون إذا كانوا سيستطيعون تأمين أبسط احتياجاتهم الأساسية.