قروض بأسماء أولياء الأمور دون علمهم.. ماذا تكشف الواقعة عن التمويل الاستهلاكي في مصر؟

قروض بأسماء أولياء الأمور دون علمهم.. ماذا تكشف الواقعة عن التمويل الاستهلاكي في مصر؟
AFP via Getty Images
Fri, 28 Aug 2026 13:55:53 GMT
bbc news arabic header storypage
egyptian money
AFP via Getty Images
كشفت التحقيقات عن تمويلات استهلاكية بقيمة نحو 319 مليون جنيه(حوالي 6.3 ملايين دولار)، شملت 619 من أولياء الأمور من خلال 839 عقدًا تمويليًا، وفقًا للهيئة العامة للرقابة المالية.

مفاجأة غير سارة كانت في انتظار محمد (اسم مستعار)، عندما توجه إلى أحد البنوك في القاهرة للتقدم للحصول على بطاقة ائتمانية.

فقد رُفض طلبه بسبب وجود قرض تعليمي مسجل باسمه بقيمة نحو 700 ألف جنيه (14 ألف دولار).

المشكلة أن محمد لم يتقدم للحصول على هذا القرض، ولم يكن يعرف بوجوده.

بدأ محمد في البحث عن مصدر المديونية، ليكتشف أن الجهة المرتبطة بالقرض هي المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه.

وتذكر محمد أن المدرسة كانت قد طلبت منه، قبل ذلك بفترة، صورة من بطاقته الشخصية بحجة استكمال بعض الإجراءات الإدارية.

نشر محمد مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يروي فيه ما حدث، ويتهم المدرسة بالحصول على تمويلات باسمه وبأسماء أولياء أمور آخرين، دون علمهم.

ودفع الفيديو أولياء أمور آخرين إلى مراجعة سجلاتهم الائتمانية، ليكتشف بعضهم وجود تمويلات مسجلة بأسمائهم لم يتقدموا للحصول عليها.

ملايين الجنيهات ومئات العقود

كشفت التحقيقات لاحقًا عن تمويلات استهلاكية بقيمة نحو 319 مليون جنيه (حوالي 6.3 ملايين دولار)، شملت 619 من أولياء الأمور من خلال 839 عقدًا تمويليًا، وفقًا للهيئة العامة للرقابة المالية.

وقالت الهيئة إن التمويلات تمت باستخدام بيانات أولياء الأمور دون علمهم أو موافقتهم.

وأمرت النيابة العامة بحبس رئيس مجلس إدارة المدرسة على ذمة التحقيقات، بينما قررت وزارة التربية والتعليم وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري لضمان انتظام العملية التعليمية والحفاظ على حقوق الطلاب وأولياء الأمور.

كما وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإحالة الواقعة إلى جهات التحقيق، وفحص الوقائع المماثلة وتشديد الرقابة لمنع تكرارها.

وقررت الهيئة إزالة المديونيات الناتجة عن هذه العقود وآثارها من السجلات الائتمانية للمتضررين.

كما منعت شركة التمويل المعنية من إبرام عقود تمويل جديدة لمدة شهر، واتخذت إجراءات بحق الرئيس التنفيذي وعدد من العاملين الرئيسيين بالشركة.

https://twitter.com/EgyptianPPO/status/2091562710978744494

ما هو التمويل الاستهلاكي؟

egyptians walking in the street in Cairo
Getty Images
بنهاية عام 2025، بلغ عدد التراخيص النشطة لشركات التمويل الاستهلاكي 48 ترخيصًا، بينما تجاوز عدد المستفيدين 10.8 مليون عميل

القروض محل التحقيق صدرت عن شركات متخصصة في التمويل الاستهلاكي، وليس عن البنوك.

وتقدم هذه الشركات تمويلًا لشراء سلع أو الحصول على خدمات، من بينها التعليم، على أن يسدد العميل المبلغ على أقساط.

وبخلاف القرض المصرفي التقليدي، لا يحصل العميل على الأموال نقدًا؛ إذ تُستخدم قيمة التمويل في سداد ثمن السلعة أو الخدمة مباشرة إلى البائع أو مقدم الخدمة، بينما يسدد العميل قيمتها للشركة لاحقًا على أقساط.

لكن الجهات الرقابية رصدت في بعض الحالات ممارسات مخالفة لطبيعة هذا النشاط، من بينها ما يعرف بـ"تسييل الحد الائتماني".

ويحدث ذلك، مثلًا، عندما تُسجل عملية شراء لسلعة أو خدمة لا يحصل عليها العميل فعليًا، ثم تُحوّل قيمة التمويل إلى أموال نقدية، سواء للبائع أو بالتعاون مع العميل في بعض الحالات.

وتكون إجراءات الحصول على التمويل الاستهلاكي عادة أبسط وأسرع من إجراءات الحصول على قرض مصرفي، وإن كانت تكلفة التمويل قد تكون أعلى.

وتخضع هذه الشركات لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، باعتبارها جزءًا من قطاع الأنشطة المالية غير المصرفية، وليس للبنك المركزي المصري.

وكانت الحكومة المصرية قد استحدثت هذه الهيئة عام 2009 لتنظيم الرقابة على الأسواق والأدوات المالية غير المصرفية.

وساعدت سهولة إجراءات هذه الشركات على توسع قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر خلال السنوات الأخيرة.

وبنهاية عام 2025، بلغ عدد التراخيص النشطة لشركات التمويل الاستهلاكي 48 ترخيصًا، بينما تجاوز عدد المستفيدين 10.8 مليون عميل، وبلغت قيمة التمويلات نحو 96.3 مليار جنيه (حوالي ملياري دولار)، بزيادة نحو 100% مقارنة بعام 2023.

وتشمل مجالات التمويل سلعًا وخدمات مختلفة، من الأجهزة والسيارات إلى التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب خدمات أخرى مثل المطاعم والفنادق.

لماذا تزداد الشكاوى من التمويل الاستهلاكي في مصر ؟

ماذا يقول القانون؟

يفرض الإطار القانوني المنظم للتمويل الاستهلاكي على جهات التمويل التحقق من هوية طالب التمويل وموافقته قبل إتمام المعاملة، بهدف حماية حقوق العملاء والحد من مخاطر التلاعب والاحتيال.

ويقول شريف سامي، الرئيس الأسبق للهيئة العامة للرقابة المالية، إن إساءة استخدام البيانات الشخصية هي إحدى أبرز المشكلات التي تكشفها هذه الواقعة.

فبحسب سامي، المؤسسات التي تجمع بيانات المواطنين، سواء كانت مدارس أو مستشفيات أو نقابات أو غيرها، يجب أن تستخدمها للغرض الذي جُمعت من أجله، وألا تسمح باستخدامها في معاملات أخرى دون موافقة أصحابها.

ويشير سامي إلى أن البيانات الائتمانية للمواطنين تُسجل لدى شركة الاستعلام الائتماني، وهو ما يتيح للمواطن معرفة الالتزامات والتمويلات المسجلة باسمه.

أما المحامي والخبير القانوني هشام صلاح القاضي، فيقول إن الواقعة، بحسب ما ظهر من التحقيقات، قد تتضمن ثلاث مخالفات قانونية: الاستيلاء على أموال عامة، والتزوير في أوراق رسمية، ومخالفة القواعد المنظمة لعمل البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية.

وبحسب القاضي، فإن المسؤولية القانونية لا تتوقف بالضرورة عند المدرسة وحدها، إذ يمكن أن تمتد إلى الأطراف المشاركة في عملية منح التمويل إذا ثبت عدم الالتزام بإجراءات التحقق من هوية العملاء.

هل تمثل الشركات الناشئة الحل السحري لاقتصاد مصر؟

إجراءات جديدة

في أعقاب الواقعة، شددت الهيئة العامة للرقابة المالية القواعد المنظمة لإجراءات التعرف على العملاء في شركات التمويل الاستهلاكي.

ومن بين الإجراءات الجديدة منع شركات التمويل من تفويض جهات خارجية، مثل المدارس أو المستشفيات أو المتاجر، للقيام بإجراءات التعرف على العميل أو جمع بياناته نيابة عنها.

كما ألزمت موظفي وممثلي شركات التمويل المعتمدين بالتعامل المباشر مع العميل والتحقق من شخصيته.

وأقرت الهيئة استخدام رمز التحقق الفوري، أو OTP، عبر إرسال رسالة تأكيد إلى الهاتف المسجل باسم طالب التمويل.

ويرى شريف سامي أن الواقعة يجب أن تكون حافزًا لتفعيل قوانين حماية البيانات الشخصية وتشديد الرقابة والتفتيش على القطاعات التي تجمع بيانات المواطنين.

ويقول إن دور الجهات الرقابية لا يقتصر على التدخل بعد وقوع المخالفات، وإنما يشمل التفتيش الدوري وطلب البيانات وفحص الشكاوى.

كما يرى أنه لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية التدقيق في كل جهة يشاركها بياناته، أو افتراض أن عليه الشك في كيفية استخدامها.

ويقول إن المسؤولية الأساسية تقع على المؤسسات والجهات الرقابية، من خلال التأكد من عدم استخدام البيانات إلا في الأغراض التي جُمعت من أجلها، إلى جانب التفتيش والتوعية بالقواعد المنظمة.

وفي المقابل، ينصح المواطنين بمراجعة المستندات التي يوقعون عليها بعناية، وعدم الموافقة على استخدام بياناتهم لأغراض غير واضح.

ويقول المحامي هشام صلاح القاضي إنه من الأفضل، عند الاضطرار إلى تسليم بطاقة الهوية أو بيانات شخصية إلى جهة ما، الاحتفاظ بإثبات يوضح تاريخ تسليم البيانات والغرض الذي ستُستخدم فيه.

وفي حال اكتشاف مديونية أو معاملة مالية لم يطلبها صاحب البيانات، ينصح القاضي بسرعة الإبلاغ عنها لدى الشرطة أو النيابة العامة، إلى جانب تقديم شكوى إلى الجهات الرقابية المختصة.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon