التعديل الوزاري السعودي: هل ينجح آل سيف في زيادة الاستثمار ثلاثة أضعاف؟
أعلنت المملكة العربية السعودية قبل أيام عن تعيين وزير جديد للاستثمار، وذلك في إطار تحوّلها نحو تنويع مصادر الدخل وجذب المزيد من الاستثمارات فضلاً عن التركيز على قطاع الذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقّع أنّ يلعب الوزير الجديد فهد آل سيف دوراً محورياً في توجيه "إعادة الضبط الاستراتيجية" للمملكة العربية السعودية مع دخولها مرحلة حاسمة من رؤية 2030.
وآل سيف، الذي يخلف الوزير خالد الفالح، يملك خلفية متميزة بوصفه تكنوقراطياً ومصرفياً، لا سياسياً تقليدياً.
يأتي هذا التغيير في وقت يسعى فيه صندوق الاستثمارات العامة لاستراتيجية جديدة للسنوات الخمس المقبلة تركّز على القطاعات المولِّدة للإيرادات مثل الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والتعدين، في ظل توقّعات بانخفاض أسعار النفط عن المستويات المطلوبة لتمويل رؤية 2030.
وبحلول 2023، تستهدف المملكة جذب 100 مليار دولار سنوياً من الاستثمار الأجنبي المباشر، بينما بلغت التدفقات في 2024 نحو 119.2 مليار ريال سعودي (حوالي 32 مليار دولار أمريكي)، ما يعكس زيادة ملحوظة لكنها لم تصل بعد إلى الأهداف الطموحة.
ومن ثمّ تتمثّل مهام آل سيف في مساعدة السعودية على جذب رؤوس أموال أجنبية، ومضاعفة الاستثمار الأجنبي المباشر ثلاث مرات، اعتماداً على خبرته في جذب التدفّقات الاستثمارية وطمأنة أصحاب رؤوس الأموال.
من هو فهد آل سيف؟
يتمتّع آل سيف بخبرة تزيد على 26 عاماً كمصرفي في الأسواق المالية المحلّية والدولية والمؤسسات الحكومية، تشمل إدارة الخزينة والاستثمارات وتمويل الشركات وفقاً لسيرته الذاتية في موقع هيئة التأمين السعودية.
الخبير السعودي في الشؤون الاقتصادية جمال بنّون اعتبر أنّ التغييرات الوزارية التي صدرت بأوامر ملكية تستهدف إفساح المجال أمام دماء وأفكار جديدة وخاصة في قطاعات استراتيجية مثل الاستثمار.
وأضاف في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي أنّ بعض الوزراء قضوا فترات تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات في مواقعهم، وهو زمن كافٍ برأيه لتحقيق أهداف المرحلة الأولى.
وأضاف: "مع التغيّرات السريعة في الاقتصاد العالمي، هناك قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة التي تتطلّب المزيد من الجهود لتنشيطها. كما أن تسهيل بيئة الأعمال لا يزال مطلباً أساسياً لجذب المستثمرين، خصوصاً فيما يتعلّق باللوائح والإجراءات القانونية، مثل نظم التأشيرات وتنظيم سوق العمل".
بدوره، اعتبر الخبير السعودي في الشؤون الاقتصادية جهاد العبيد في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي أنّ تسلّم آل سيف وزارة الاستثمار جاء في وقت تقوم فيه السعودية بمراجعة أولويات المشاريع وفق الاستحقاقات الكبرى القادمة، ووضع استراتيجية تتوافق مع التوجّهات العالمية الجديدة لتواجه التحدّيات الجيوسياسية المستمرة في المنطقة، لاسيما أنّ ذلك يتزامن مع إعلان صندوق الاستثمارات العامة عن استراتيجية جديدة للخمس سنوات المقبلة.
وكان خالد الفالح قد شغل منصب وزير الاستثمار منذ عام 2020 بعد أن تولّى سابقاً وزارة الطاقة ورئاسة شركة أرامكو السعودية.
وقرار أعفاء الفالح ليس مرتبطاً بالضرورة بمسألة تعديلات جذرية طالت مشاريع استثمارية عملاقة. لكنّه جاء بعد سلسلة تقارير صحافية تحدّثت عن تقليص مشاريع كبرى من بينها مشروع "ذا لاين" الشهير.
آخر هذه التقارير ما نقلته وكالة فرانس برس عن صعوبة استكمال مشروع بناء 81 منتجعاً فاخراً على البحر الأحمر بحلول عام2030 . فقد أشار موظف كبير في شركة ريد سي غلوبال RSG لوكالة فرانس برس من دون الكشف عن هويته، أنه تم اتخاذ قرار بوقف العمل في المرحلة الثانية من مشاريع البحر الأحمر، فيما أضاف مصدر آخر من الشركة أنّ التكاليف التشغيلية الحالية تجاوزت العائدات بطريقة أصبحت غير مستدامة.
وبحسب الوكالة، شركة ريد سي غلوبال نفت وجود أي خطط لتقليص المشروع، مؤكّدة أنّه سيستمر بعد إتمام المرحلة الأولى المكونة من 27 منتجعاً هذا العام. لكنّ مصادر مطّلعة على الخطط أكّدت أنّ البناء سيتوقّف في نهاية عام 2026، ما سيكلّف العشرات من الوظائف في RSG ومئات الوظائف في شركات المقاولات.
هذه التقارير ترافقت مع تأكيدات سعودية رسمية تحدّثت في الآونة الأخيرة عن الجدوى الاقتصادية لبعض المشاريع وكيف أنّ ذلك يؤدّي إلى تعديل مسارها.
فقبل أيام من إعفائه من منصبه كوزير للاستثمار، قال الفالح في ندوة في "منتدى القطاع الخاص 2026" إن هناك أولويات جديدة ظهرت مثل استضافة كأس العالم 2034، وانخفاض جدوى مشاريع مثل "ذا لاين"، ما يستلزم إعادة ترتيب الأولويات التي تقتضي إبطاء بعض المشاريع أو تسريع البعض الآخر، وهو أمر طبيعي جداً، وفق الفالح.
دلالة توقيت التعديل
يُظهر التغيير الوزاري توجّه المملكة نحو تركيز أكبر على القطاعات المولّدة للإيرادات، مثل الذكاء الاصطناعي والخدمات الحديثة، مع الحفاظ على جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر، وذلك وفق قراءات مختلفة من متابعين سعوديين في القطاعين العام والخاص.
أمّا عن التوقيت، فقد أشار الخبير السعودي في الشؤون الاقتصادية جمال بنّون إلى أنّ التشكيل الوزاري الأخير يُعدّ تغييراً عادياً وطبيعياً في مسيرة العمل الحكومي، وقد أتاح برأيه للدماء الجديدة فرصة لخدمة الوطن والمساهمة في دفع عجلة التنمية، على حدّ وصفه.
https://twitter.com/spagov/status/2021930510298067321
من وجهة نظر الخبير السعودي في الشؤون الاقتصادية جهاد العبيد، تُعدّ ثورة الذكاء الاصطناعي والتنافس اللوجستي، إلى جانب الصراع على المعادن الثمينة، عوامل تُلزم المملكة بالمضي في التحديث لمواكبة هذه التحوّلات.
معظم التغطيات العربية للتعديل الوزاري في وزارة الاستثمار السعودية اعتبرت أن خالد الفالح لم يتم استبعاده كلياً من المشهد إذ بقي وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء، بحسب المرسوم الملكي.
في المقابل، ركّزت صحف غربية على التوقيت واعتبر بعضها أنّه يأتي في وقت حسّاس تجهد فيه المملكة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وأنه أيضاً رسالة عن تحوّل في الاستراتيجية الاستثمارية.
كذلك، ربطت بعض التحليلات الغربية التغيير الوزاري بتقلّبات أسعار النفط والضغوط المالية التي تواجهها السعودية، ما يتطلّب إشراك قيادات ذات خبرة مالية قويّة لتوجيه الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط.
- "نيوم": حلم سعودي يتكيّف مع الواقع الاقتصادي
- المشروعات العملاقة في السعودية مهددة بتقليص حجمها قريباً
- "كيف تحوّل حلم محمد بن سلمان بـ"مدينة المستقبل" إلى كابوس؟" – الإندبندنت