بحّارة محاصرون في مضيق هرمز لما يقرب من مئة يوم: "ليس هناك سوى مخرج واحد"

بحّارة محاصرون في مضيق هرمز لما يقرب من مئة يوم: "ليس هناك سوى مخرج واحد"
BBC
Wed, 3 Jun 2026 06:27:20 GMT
bbc news arabic header storypage

يكون البحر هادئاً في بعض الأحيان، لدرجة أن القبطان حسن خان (اسم مستعار بناء على طلب منه) ينسى أن سفينته عالقة، منذ ثلاثة أشهر، وسط منطقة حرب.

يقول البحار الباكستاني، "من الغريب حقاً أن كل شيء يبدو طبيعياً في الخارج، لكن الناس في الداخل ليسوا هادئين".

قد تبدو الأمور طبيعية، لكنها بالتأكيد ليست كذلك.

القبطان حسن خان وعشرون ألف بحار آخر محاصرون في مضيق هرمز أو بالقرب منه، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران التي اندلعت أواخر فبراير/شباط.

فالمضيق، الذي كان يُعد في يوم من الأيام أحد أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، وكان يُستخدم لنقل خُمس إنتاج النفط والغاز العالمي، أصبحت الملاحة فيه الآن متوقفةً تماماً، مع تحليق لصواريخ فوقه وزرع لألغامٍ تحت مياهه.

وعلى الرغم من ذلك، يحاول طاقم سفينة خان اتباع روتين العمل المعتاد، رغم أن لا أحد يرغب في مغادرة السفينة حتى في فترات الراحة النادرة المسموح بها على الشاطئ، بينما يحل صمت مشوب بتوتر، محل المزاح اللطيف لا يقطعه سوى رنين الهواتف، وينتفض الناس عند سماع أقل صوت، حتى أثناء نومهم.

ويقول خان، في حديثه لنا: "لا يزال التوتر باقياً في أذهاننا طوال الوقت. الجميع مرهقون، جسدياً عقلياً".

العبور والإمدادات

حتى وإن زال الخطر الذي تشكله الصواريخ والألغام، فإن السفن العالقة على الجانب الخطأ من مضيق هرمز، والتي تقدر المنظمة البحرية الدولية عددها بـ 1600، غير قادرة على المغادرة.

وبعد أيام من بدء الحرب، أغلقت إيران الممر المائي الضيق - وهو المخرج الوحيد من الخليج - ورفضت السماح لأي شخص بالمرور دون إذن صريح منها.

ويشرح بحار آخر، وهو القبطان شفيق الإسلام، الوضع في المضيق، قائلاً: "يبدو الأمر كما لو أننا محاصرون في بركة. ليس هناك سوى مخرج واحد، وهو مضيق هرمز".

حاول شفيق الإسلام، الذي تحمل سفينته "بانغلار جويجاترا" المملوكة لبنغلاديش، حوالي 37 ألف طن من الأسمدة المتجهة إلى جنوب إفريقيا، المغادرة مرتين في الأشهر التي تلت ذلك.

وانتهت المحاولتان بالفشل.

بعد إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان، تلقى شفيق الإسلام خبراً بأن سفينة أخرى قد حصلت على إذن من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني للعبور.

ليوجه بعدها سفينته نحو الممر المائي الحيوي برفقة أربع سفن أخرى. وبعد ذلك بوقت قصير، تم تحذيرهم من المضي قدماً.

وبعدها بتسعة أيام، حاول شفيق الإسلام مجدداً، بعدما أعلنت إيران أن المضيق سيكون "مفتوحاً بالكامل" أمام جميع السفن التجارية، تماشياً مع وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان. لكن سرعان ما تراجعت إيران عن قرارها، بعدما أبقت الولايات المتحدة الحصار المفروض على موانئها.

وبحلول ذلك الوقت، كانت سفينة شفيق الإسلام قد اقتربت بالفعل لمسافة 30 ميلاً بحرياً (55 كم) من المضيق، ولم يكن أمامه خيار سوى إبعادها حيث استمرت تحذيرات البحرية الإيرانية، التي سمعت أصواتها عبر الراديو.

الموت والدبلوماسية

انتقلت السفن إلى موانئ مختلفة أو رست قبالة سواحل الخليج حفاظاً على سلامتها. لكن إمدادات الغذاء والماء أصبحت الآن مسألة ملحة بشكل متزايد.

ولا يزال من الممكن إعادة تزويد الإمدادات، ولكن ليس بالضرورة عبر الدخول إلى الموانئ، إذ تتمتع منطقة الخليج، وخاصة المناطق المحيطة بدبي وأبو ظبي والكويت، بخدمات إمداد ثابتة، إلا أن مواعيد التسليم باتت غير منتظمة.

ويقول كبير مهندسي سفينة "بنغلار جويجاترا"، راشد الحسن، إن سعر المياه هو الأكثر ارتفاعاً من بين جميع السلع الأساسية.

ويوضح لبي بي سي، قائلاً: "اشترينا حوالي 180 طناً من الماء للسفينة قبل يومين، وفي السابق، كان سعرها يتراوح بين 1500 و2000 دولار. أما الآن، فأصبح سعرها 11000 دولار".

كما يقول بحار كوري، على متن سفينة أخرى، ورفض الكشف عن اسمه: "يبدو أيضاً أن بعض موردي الطعام والماء يحاولون استغلال الوضع لتحقيق أرباح طائلة".

وستحتاج السفن العالقة إلى كميات أكبر من المياه مع اقتراب فصل الصيف. وقد تجاوزت درجة حرارة الهواء 30 درجة مئوية في شهر مايو/أيار، وقد تصل إلى 45 درجة مئوية.

ويضيف البحار الكوري، قائلاً إن طاقم سفينة خان، "لا يزال لديهم طعام وماء، لكن الأمور أصبحت أبسط الآن"، وعلى الرغم من أنه، لا يزال بإمكانه الحصول على لحم البقر والدجاج، فإن الخضراوات والعدس يصعب الحصول عليها.

لكن مع ذلك، لا يزال القبطان شفيق الإسلام، قائد سفينة "بانغلار جويجاترا"، يعتبر نفسه محظوظاً. ففي اليوم الثاني من الحرب، كانت سفينته على بعد 200 متر فقط (656 قدماً) - أي ما يعادل بالكاد طول ناقلة نفط متوسطة الحجم - من ميناء جبل علي في دبي، الذي استُهدف بهجوم إيراني.

منذ ذلك الحين، لا يعرف شفيق الإسلام وطاقمه المكون من 30 فرداً عدد الهجمات التي شهدوها. ويقول القبطان: "أحياناً تمر الصواريخ فوق سفينة، وأحياناً تسقط الحطام على السفينة التالية".

ويقول كبير مهندسي سفينة "بنغلار جويجاترا"، راشد الحسن: "كلما استمرت الهجمات طوال الليل، لم يستطع أحد منا النوم".

ويضيف: "لقد رأينا بأم أعيننا الرعب والدمار".

وهم خائفون لأسباب وجيهة. فقد لقي ما لا يقل عن 11 بحاراً حتفهم، ولا يزال مصير آخرين مجهولاً، في 39 حادثة موثقة، وفقاً لما ذكرته المنظمة البحرية الدولية.

وقد خف التوتر إلى حد ما، بعد وقف إطلاق النار، لكن الأنشطة العسكرية المستمرة في المضيق تذكرنا بهشاشته.

لايزال يرى بعض البحارة طائرات بدون طيار وطائرات مقاتلة، بينما يرصد آخرون السفن الحربية والغواصات بانتظام.

ويقول ساجد مسعود (اسم مستعار)، وهو باكستاني يعمل طباخاً على ناقلة نفط: "تستخدم هذه السفن أضواءً ساطعة. كما أننا نسمع إعلانات(تحذيرات) عبر مكبرات الصوت، ويقول القبطان (قبطان السفينة) إن الإيرانيين يفعلون ذلك لمنع أي شخص من المرور".

فهل هناك أي مخرج للبحارة المحاصرين؟

بالتأكيد تتمنى شركات الشحن أن تتمكن من خفض تكاليف التوظيف.

ويقول البحار الباكستاني كامل (اسم مستعار)، إنه في بداية الحرب، عرضت العديد من شركات الشحن أجوراً أعلى وامتيازات إضافية للبحارة حتى يتمكنوا من البقاء.

ويضيف أن الشركات، في الوقت الحالي، تواجه خسائر فادحة، لذا فهي تخبر الموظفين أن أي شخص يريد ترك وظيفته، يمكنه القيام بذل، بينما تخفض الرواتب والمزايا.

ولكن ما الذي سيحدث بعد ذلك، ومن سيحل محلهم في نهاية المطاف. هذا أمر ليس واضحاً على الإطلاق.

انتهت عقود العديد من البحارة وتأخرت عمليات تناوب الطواقم على نطاق واسع.

ولكن بالنظر إلى الظروف، سيكون من الصعب العثور على عدد كافٍ من الأيدي العاملة لإدارة هذه السفن، حتى بعد انتهاء الحرب.

ويقول كامل: "لقد أظهرت هذه الأزمة مدى خطورة هذه الوظيفة.. قد يفكر العديد من البحارة بشكل مختلف حول هذه المهنة".

كما يشعر كامل بالقلق من أن يصبح الوصول إلى الممرات المائية الدولية سلاحاً في النزاعات المستقبلية.

أما مسعود الذي يعمل طباخاً على متن السفينة، فبدأ يفكر ملياً في مسيرته المهنية في مجال الملاحة البحرية، ولم يتبقَ له سوى شهر واحد قبل أن تنتهي مدة عقده.

لكن قبل اتخاذه القرار الكبير، يتطلع مسعود فقط إلى العودة إلى باكستان وإحضار هدايا من دبي لعائلته، كدُمى "باربي" لبناته وطائرة لعبة لابنه.

ويقول: "كنت أعتقد أنني سأعود إلى المنزل قريباً، لكننا الآن مازلنا عالقين بالقرب من مضيق هرمز بدون خطة مستقبلية واضحة".

ويضيف: "تسألني عائلتي كل يوم متى سأعود، لكن ليس لدي أي إجابات لهم".

ووفقاً لبياناتً شركة كبلر لتتبع السفن، تمكنت حوالي 750 سفينة من المرور، منذ 28 فبراير/شباط الماضي.

ويقول الدكتور جوناثان شرودن من منظمة "سي أن أيه"، وهي منظمة بحثية غير ربحية مقرها واشنطن العاصمة،

إنه يبدو أن مالكي تلك السفن، قد اعتمدوا على الدبلوماسية الدولية المباشرة مع إيران، حيث إن معظمها من الصين والهند وباكستان.

ويضيف قائلاً: "يبدو أنهم دفعوا أيضاً رسوماً بملايين الدولارات مقابل مرور كل سفينة".

أصبحت الدبلوماسية الآن أفضل أمل لخروج السفينة "بانغلار جويجاترا" من مضيق هرمز وتعمل الحكومة البنغالية مع مالكها، شركة بنغلاديش للشحن، لتأمين خروجها.

غير أن هذا الخيار أثبت صعوبته أيضاً.

إذ قال العميد البحري، محمود مالك، المدير العام لشركة بنغلاديش للشحن، إن بنغلاديش وافقت مبدئياً على دفع الرسوم التي طالبت بها إيران. لكن تم التخلي عن الخطة بعد أن هددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على أي دولة تفعل ذلك.

وأضاف: "نحن الآن في أزمة مزدوجة".

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon