إغلاق مضيق هرمز: كيف تهدد الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران حركة التجارة في العالم؟

إغلاق مضيق هرمز: كيف تهدد الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران حركة التجارة في العالم؟
Getty Images
Tue, 3 Mar 2026 11:57:18 GMT
bbc news arabic header storypage
إيران
Getty Images

في أعقاب الحرب العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، اضطربت الملاحة في مضيق هرمز الذي يعد الشريان الأهم للتجارة العالمية، وهو أهم ممر مائي لتجارة الطاقة في العالم بعدما أعلنت إيران إغلاقه، ما وضع سلاسل التوريد العالمية أمام اختبار صعب.

وقررت شركات Maersk و CMA وHapag-Lloyd للشحن، وهي تمثل مجتمعة حوالي ثلث أسطول الحاويات العالمية، وقف مرور سفنها عبر المضيق لأسباب تتعلق بسلامة الطواقم والبضائع وتجنبًا للمخاطر الأمنية المتصاعدة في المنطقة، واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

  • كل ما تحتاج معرفته عن أبرز تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، يصلك لحظة بلحظة عبر قناتنا على واتساب (اضغط هنا).

يربط مضيق هرمز، الواقع بين عُمان وإيران، الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب. ويتميز بعمقه واتساعه الكافيين لاستيعاب أكبر ناقلات النفط الخام في العالم، ويُعدّ من أهم الممرات المائية الحيوية لنقل النفط، وتتدفق كميات هائلة من النفط عبر المضيق، ولا توجد سوى خيارات قليلة لتصريف النفط منه في حال إغلاقه.

ويعد مضيق هرمز بأنه "صمام أمان الطاقة"، على حد وصف إبراهيم فهمي أستاذ الهندسة البحرية بجامعة ستراثكلايد كلايد بجلاسجو، حيث يتدفق عبره يوميًا نحو 21 مليون برميل من النفط، ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي.

ومع تصاعد التوترات، رصدت تقارير ملاحية تعليق عشرات الناقلات لرحلاتها، كما تعرضت ناقلة نفط لهجوم قرب مضيق هرمز، ما أدى إلى انفجار على متنها ومقتل أحد أفراد الطاقم، في حادث جديد يزيد التوتر في المنطقة.

في عام 2023، شكّلت التدفقات النفطية عبر مضيق هرمز أكثر من ربع إجمالي النفط المتداول عالميًا عبر البحار، وفقًا لتقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

إضافةً إلى ذلك، عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وبلغ متوسط ​​تدفقات النفط عبر مضيق هرمز 20.9 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وذلك وفقًا لتقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

بين عامي 2020 و2022، ارتفعت أحجام النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية العابرة لمضيق هرمز بمقدار 2.7 مليون برميل يوميًا، مع ازدياد الطلب على النفط في أعقاب التباطؤ الاقتصادي الناجم عن جائحة كوفيد-19.

وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، 83% من النفط الخام والمكثفات التي عبرت مضيق هرمز وُجّهت إلى الأسواق الآسيوية في عام 2023.

وتُعدّ السعودية والإمارات فقط الدولتين اللتين تمتلكان خطوط أنابيب عاملة لنقل النفط الخام قادرة على تجاوز مضيق هرمز.

تدير شركة أرامكو السعودية خط أنابيب النفط الخام بين الشرق والغرب، بسعة 5 ملايين برميل يوميًا، وتربط دولة الإمارات حقولها النفطية البرية بمحطة تصدير الفجيرة على خليج عُمان عبر خط أنابيب بسعة 1.5 مليون برميل يوميًا.

وتُقدّر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن حوالي 2.6 مليون برميل يوميًا من الطاقة النفطية غير المُستغلة فعليًا من هذه الخطوط قد تكون متاحة لتجاوز المضيق في حال انقطاع الإمدادات.

تعطلت حركة المرور في مضيق هرمز بسبب الحربي بين إسرائيل وأمريكا وإيران
Getty Images
تعطلت حركة المرور في مضيق هرمز بسبب الحربي بين إسرائيل وأمريكا وإيران

تأثيرات كبيرة على التجارة العالمية

دفعت الحرب شركات التأمين العالمية إلى رفع تكلفة "تأمين مخاطر الحرب" للسفن العابرة للمنطقة لتصل إلى مستويات قياسية، بحسب فراس شعبو أستاذ الإدارة المالية، مما أدى لزيادة تكلفة الشحنة الواحدة بمئات الآلاف من الدولارات.

ويوضح شعبو أن قيمة التأمين كانت تبلغ نحو ربع في المئة (0.25%) من قيمة الباخرة ككل، واليوم بدأ الحديث عن رفع هذا الرقم بنسبة 50%، خاصة بعد تعرض ناقلتين للقصف قرب شواطئ سلطنة عمان، مما أثار ذعرًا لدى شركات التأمين ورفع نسب المخاطر.

ويقول المحلل الاقتصادي إن المشكلة الأكبر تتمثل في أن النقل لا يؤثر فقط على قطاع الشحن بل يمتد للتسعير، باعتبار مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي؛ ويمر عبره نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال و20% من النفط العالمي، الأمر الذي سيؤدي لصدمة في الأسعار، خاصة في ظل توقعات أن يصل سعر برميل النفط إلى 100 أو 110 دولارات إذا استمرت الأزمة.

مضيفا أن مضيق هرمز يسبب "صدمة طاقة"، بينما مضيق باب المندب يسبب "صدمة لوجستية" وإمدادية، والخطورة القصوى تكمن في إغلاق المضيقين معًا، فهنا سيكون هناك تضخم عالمي وتباطؤ في معدلات النمو.

من جانبه يتفق في ذلك إبراهيم فهمي زميل المعهد البريطاني للهندسة البحرية، موضحًا أن الاضطرابات عند مضيق هرمز ستدفع الأسعار إلى الارتفاع السريع، وأن سعر خام "برنت" اقترب بالفعل من 80 دولاراً في البورصات العالمية.

قناة السويس

مسار قناة السويس هو المسار الأقصر في حركة الشحن العالمية ويعتبر المسار المثالي لأنه يربط الشرق والغرب بمسافة قصيرة، حيث تقع بين قارتي آسيا وإفريقيا، وتمثل أداة الربط بين آسيا وأوروبا والغرب بين البحر الأحمر والبحر المتوسط.

يمر من خلال قناة السويس 30% من حجم حركة الشحن العالمي للحاويات، ويمر عبرها من 12 إلى 15% من حجم التجارة العالمية ككل، وحوالي 9% من تجارة النفط العالمية، و8% من حجم تجارة الغاز المسال عالميًا، بحسب الخبير البحري إبراهيم فهمي.

وفي تصريحات سابقة لهيئة قناة السويس، كشف الفريق أسامة ربيع أن إيرادات القناة السنوية قد تراجعت بنحو 2 مليار دولار (من 9.4 مليار إلى 7.2 مليار دولار) في السنة المالية 2023/2024 نتيجة تحول السفن عن البحر الأحمر، نتيجة التوترات في البحر الأحمر على خلفية حرب غزة ودخول الحوثيين في اليمن على خط القتال.

تأثرت حركة السفن بشكل كبير في قناة السويس بسبب التوترات في البحر الأحمر على خلفية حرب غزة
Getty Images
تأثرت حركة السفن بشكل كبير في قناة السويس بسبب التوترات في البحر الأحمر على خلفية حرب غزة

هل يوجد بدائل؟

وكالة ستاندرد آند بورز، علقت، يوم الاثنين، عمليات تقديم العروض والطلبات لبعض تقييمات أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط، والتي تُشحن عبر مضيق هرمز، وذلك بسبب اضطرابات الملاحة الناجمة عن النزاع الأمريكي الإيراني.

الأمر الذي دفع القوى الدولية للبحث عن "مخارج طوارئ"، لكن الواقع الجغرافي يبدو معقدًا، على حد تعبير فهمي.

ويضيف فهمي البدائل المتاحة حالياً، مثل خط أنابيب "شرق-غرب" في السعودية أو خط "الفجيرة" في الإمارات، لا يمكنها مجتمعة استيعاب أكثر من 20-25% من إجمالي التدفقات التي تمر عبر المضيق.

أما اللجوء إلى "طريق رأس الرجاء الصالح"، فيعني إضافة حوالي 15 يومًا من الإبحار، وزيادة هائلة في استهلاك الوقود، مما يجعل هذا البديل خياراً "مُرّاً" لا يحل الأزمة بل يؤجل انفجارها، كما يرى المحلل الاقتصادي فراس شعبو.

ويتوقع فهمي، أن تستمر الحرب لوقت طويل في الشرق الأوسط، وأن يكون لها تبعات مدمرة على الاقتصاد العالمي وعلى أمن وسلامة عمليات الشحن البحري، ليس فقط داخل مضيق هرمز ولكنها ستمتد إلى البحر الأحمر، متوقعًا أن يدخل الحوثيون في تهديد المسار البديل، وهو مسار "رأس الرجاء الصالح" الذي أعلنت العديد من شركات الشحن العالمية الكبرى، التوجّه إليه وتعليق العمل في مضيق هرمز.

ويضيف فهمي أن الطريق البديل "رأس الرجاء الصالح" يضاعف المسافة من حوالي 6000 ميل بحري لتصل إلى 12000 ميل. والأهم أن طريق رأس الرجاء الصالح يمثل بديلاً شبه مثالي في حال وجود أسعار نفط منخفضة، ولكن في ظل وجود أسعار نفط عالية، والتي قد تقفز فوق 100 دولار بنهاية هذا الأسبوع، سيؤدي هذا إلى الضغط بشدة على أسعار الشحن وتضاعف التكلفة لأكثر من ثلاث أضعاف في حال قيام الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب، وهذا يعني إغلاقًا نهائيًا لمسار قناة السويس.

ليست المرة الأولى

يعيد المشهد الحالي إلى الأذهان أزمات سابقة هزّت أسواق الطاقة العالمية، ففي مارس/آذار 2020 خفّضت منظمة "أوبك" وحلفاؤها إنتاج النفط بنحو 20% من الإمدادات العالمية في محاولة لوقف انهيار الأسعار.

وأدى ذلك إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد، امتد أثرها، بحسب خبراء، إلى عام 2022 في بعض القطاعات.

اليوم، يرى بعض المحللين أن المقارنة حاضرة من زاوية مختلفة؛ فبدلاً من خفض الإنتاج، يتعلق الأمر باحتمال تعطل ما يقارب خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا عبر أحد أهم الممرات الحيوية في العالم. وفي حال طال أمد التوتر، فإن عامل الوقت قد يتحول إلى عنصر ضاغط إضافي، مع تأخر الشحنات وارتفاع تكاليف النقل، بحسب شعبو.

ومن جانبه يقول إبراهيم: "اتساع نطاق الصراع جغرافيًا قد يضع موانئ إضافية ضمن دائرة المخاطر، ما يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها مرة أخرى."

ففي ثمانينيات القرن الماضي، وخلال ما عُرف بـ"حرب الناقلات" إبان الحرب العراقية الإيرانية، استُهدفت أكثر من 500 سفينة تجارية في الخليج. ولم تنتهِ تلك الأزمة إلا بعد تدخل عسكري دولي لحماية الناقلات.

وفي عام 2019، أدت هجمات وعمليات احتجاز لناقلات قرب المضيق، عقب تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، إلى تراجع مؤقت في حركة الشحن وارتفاع أسعار النفط بنسب تراوحت بين 10 و15% في بعض الفترات، كما قفزت تكاليف التأمين عدة أضعاف، واضطرت بعض السفن إلى تغيير مساراتها أو الانتظار لفترات أطول.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon