نحو رؤية جديدة للسيادة الاقتصادية
جلال باقر
في ظل التحولات الدولية المتسارعة يجد العراق نفسه أمام لحظة فارقة تتطلب إعادة تقييم أدواته الاقتصادية ولا سيما تلك المرتبطة بقطاع النفط الذي يشكل العمود الفقري لاقتصاده الوطني ومع تزايد الضغوط الخارجية وتنامي الحاجة إلى حماية القرار الوطني من التأثيرات غير المباشرة يبرز سؤال جوهري ، كيف يمكن للعراق أن يعزز استقلاله الاقتصادي دون الدخول في صدامات دولية؟
هذا السؤال لم يعد نظرياً بل أصبح جزءاً من النقاش العام داخل الأوساط السياسية والاقتصادية خصوصاً بعد سلسلة من الأحداث التي أعادت إلى الواجهة ملف السيادة المالية وضرورة تنويع أدوات الدولة في إدارة مواردها.
يعتمد العراق منذ عقود على نمط مالي واحد في إدارة صادراته النفطية وهو نمط أثبت فعاليته في مراحل معينة لكنه بات اليوم يضع الاقتصاد الوطني في دائرة التأثر المباشر بالقرارات الدولية سواء كانت عقوبات أو قيوداً مالية أو تغييرات في السياسات النقدية العالمية.
إن التحولات الجيوسياسية الحالية وصعود قوى اقتصادية جديدة وتوسع التكتلات الدولية كلها عوامل تدفع الدول المنتجة للنفط إلى إعادة النظر في آليات تعاملها المالي بما يضمن حماية مواردها من التقلبات الخارجية.
من الواضح أن العراق لا يسعى إلى مواجهة أي دولة أو محور بل إلى بناء قدرة ذاتية تتيح له اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة وهذا يتطلب رؤية تدريجية تبدأ بإجراءات رمزية ذات دلالة سياسية ثم تتطور إلى خطوات عملية محسوبة تنفذ مع شركاء موثوقين وتقيم بشكل دوري لضمان عدم حدوث أي اضطراب اقتصادي.
إن تبني مقاربة تدريجية يتيح للعراق اختبار أدوات جديدة وتوسيع خياراته المالية دون أن يعرض اقتصاده لهزات غير محسوبة.
لا يمكن لأي دولة أن تعزز استقلالها الاقتصادي دون تطوير بنيتها المالية والمصرفية وهذا يشمل ، تنويع الاحتياطي النقدي وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتطوير أنظمة الدفع وتقوية القطاع المصرفي .
هذه الخطوات ليست مجرد إجراءات تقنية بل هي جزء من مشروع سيادي طويل الأمد يهدف إلى جعل الاقتصاد العراقي أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية. فالعراق يمتلك موقعاً استراتيجياً يجعله لاعباً محورياً في المنطقة وهو قادر على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية دون انحياز أو تبعية ، إن تبني سياسة اقتصادية أكثر استقلالاً لا يعني الانسحاب من النظام المالي العالمي بل يعني إعادة صياغة العلاقة معه بما يضمن مصالح العراق أولاً ، هذه الرؤية تتطلب خطاباً سياسياً هادئاً ورسائل دبلوماسية واضحة تؤكد أن العراق يسعى إلى حماية اقتصاده لا إلى تحدي أحد .
إن تعزيز السيادة الاقتصادية ليس شعاراً بل مشروع دولة ، مشروع يبدأ بخطوات صغيرة لكنه ينتهي ببناء قدرة وطنية حقيقية تتيح للعراق أن يكون نداً محترماً في علاقاته الدولية لا تابعاً لأي قوة . وفي ظل الظروف الحالية يبدو أن الوقت قد حان لفتح هذا النقاش على مستوى الدولة والبحث عن آليات جديدة تضمن للعراق استقلال قراره الاقتصادي وتحمي مصالح شعبه في عالم يتغير بسرعة .