موازنة البرامج وحدها لن تنقذ العراق: ماذا يقول الجوار العربي؟

موازنة البرامج وحدها لن تنقذ العراق: ماذا يقول الجوار العربي؟

د. خالد حسن الجاسمي

2026-08-20T11:46:56+00:00

تتجه الحكومة العراقية إلى تبني موازنة البرامج والأداء كأداة رئيسية لمكافحة الفساد المالي، على أمل أن يكبح ربط كل دينار بهدف قابل للقياس الفساد الذي يتفشى في موازنة البنود التقليدية. لكن هذا الرهان يعالج عرَضًا تقنيًا بينما يتجاهل المرض السياسي الفعلي: توزيع السلطة والموارد عبر منظومة المحاصصة الحزبية. وتجارب دول الجوار التي سبقت العراق إلى هذا التحول تقدّم درسًا حاسمًا: لا قيمة لتغيير تصنيف الموازنة دون بنية رقمية متكاملة وإرادة سياسية تسندها.

لماذا يظن صانع القرار العراقي أن موازنة البنود هي المشكلة؟

موازنة البنود (Line-item Budgeting) ترصد الإنفاق حسب نوعه (رواتب، سلع، خدمات) دون ربطه بهدف أو نتيجة محددة، وهذا يجعل من السهل نظريًا إخفاء إعادة تخصيص أموال غير مصرح بها بين البنود، إذ يكتفي النظام الرقابي عادة بالتحقق من أن الصرف تم ضمن حدود البند المعتمد دون التحقق من تحقق الغرض المعلن فعلًا. كما يغيب في هذا النموذج مؤشر واضح لقياس ما إذا كان الإنفاق قد حقق شيئًا فعلًا، ويصعب تحديد المسؤولية لأن لا جهة ‘تملك’ نتيجة برنامج بعينه يمكن محاسبتها عليها بوضوح.

موازنة البرامج والأداء تربط كل مبلغ ببرنامج له أهداف ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وهذا نظريًا يُفترض أن يُسهّل الرقابة والمساءلة، وهو ما يجعلها مطلبًا يدفع به صندوق النقد الدولي والبنك الدولي غالبًا كجزء من إصلاحات الإدارة المالية العامة. غير أن هذا التشخيص يخلط، كما سنرى، بين عرَض تقني وسبب سياسي أعمق.

أين يذهب المال فعلًا؟

الفساد في العراق لا يحدث غالبًا داخل تصنيف الموازنة، بل خارجه: في التوظيف الوهمي المعروف محليًا بـ‘الفضائيين’، وفي تضخيم قيمة العقود الحكومية، وفي عمليات شبه مالية داخل قطاعي النفط والكهرباء. لن يُغيّر الانتقال من ‘بند’ إلى ‘برنامج’ شيئًا في هذه القنوات ما لم يرافقه نظام رقمي يجعل تتبع كل دينار، من لحظة رصده حتى صرفه الفعلي، أمرًا آليًا لا يعتمد على نزاهة موظف بعينه.

كما أن موازنة البرامج تفترض وجود جهة تقيّم بنزاهة هل تحقق الهدف المعلن أم لا. لكن إذا ظلت هذه المهمة بيد الجهات التنفيذية نفسها المستفيدة من غياب المحاسبة، فلن يكون تلفيق مؤشر الأداء أصعب من تمرير مناقلة مالية غير مصرح بها بين بندين، بل ربما أسهل، لأن ‘الإنجاز’ مفهوم أكثر مرونة من رقم مالي محدد؛ تمامًا كما يحدث حاليًا مع تقارير الإنجاز الوهمية.

ماذا تقول تجربة الأردن؟

نفّذت الأردن منذ منتصف العقد الماضي نظام إدارة المعلومات المالية الحكومية (GFMIS)، وهو منظومة إلكترونية متكاملة تشبه في وظيفتها أنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP) من طراز SAP، تربط وزارة المالية بجميع الوزارات والدوائر ومراكزها المالية إلكترونيًا، بدعم فني من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ضمن برنامج الإصلاح المالي الثاني. وُصف المشروع رسميًا بأنه أكبر عملية حوسبة للعمليات المالية في الأردن والمنطقة، إذ غطّى نحو ثلاثين وزارة ودائرة حكومية وخمسة عشر مركزًا ماليًا في مراحله الأولى قبل تعميمه على الباقي.

النتيجة لم تكن معجزة، لكنها كانت قابلة للقياس: احتلت الأردن المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مؤشر الموازنة المفتوحة (Open Budget Survey) لعام 2019 بواقع 61 نقطة من أصل 100، ضمن 117 دولة مشاركة، وواصلت تقدمها في نسخة عام 2025. المفتاح هنا أن الأردن لم يكتفِ بإعادة تسمية بنود الموازنة، بل بنى بنية تحتية رقمية تجعل أي مناقلة أو صرف غير مصرح به مرئيًا ومسجلًا لحظيًا، وربط ذلك بنشر دوري لبيانات الموازنة بصيغة مفتوحة للجمهور.

ماذا تقول تجربة مصر؟

تسير مصر في مسار مواز: تعميم نظام GFMIS على الهيئات الاقتصادية ربطًا بموازنة كل عام مالي جديد، بالتوازي مع تطبيق موازنة البرامج والأداء تحت إشراف مشترك بين وزارتي التخطيط والمالية. تؤكد دراسات ميدانية مصرية أن نظام GFMIS يسهم في إحكام الرقابة على المال العام تحديدًا من خلال دوره في تفعيل موازنة البرامج والأداء فعليًا لا شكليًا، أي أن الأداة الرقمية هي الشرط الذي يمنح التصنيف المحاسبي الجديد معناه العملي، لا العكس.

ماذا تقول تجربة السعودية؟

أنشأت السعودية ضمن برنامج التوازن المالي 2020 مكتبًا مستقلًا لترشيد الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي تابعًا لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بهدف تحديد فرص تحسين الكفاءة في الإنفاق الحكومي بما ينسجم مع أولويات رؤية 2030. وتوسّع السوق السعودي في تبني أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP)، ومنها حلول SAP المخصصة للقطاع العام والتي تغطي الشؤون المالية والمشتريات والموارد البشرية ضمن منصة موحدة، إلى جانب مبادرات الحكومة الرقمية التي تدمج هذه الأنظمة بمنصات وطنية مركزية.

الدرس المشترك: النظام الرقمي قبل التصنيف

القاسم المشترك بين هذه التجارب الثلاث أن أيًا منها لم يراهن على تغيير تصنيف الموازنة بمفرده. فالأردن ربط برنامجه بنظام GFMIS شامل ودعم فني دولي ممتد لسنوات. ومصر جعلت النظام الرقمي شرطًا مسبقًا لتفعيل موازنة البرامج لا نتيجة لاحقة عليها. والسعودية أنشأت جهازًا مؤسسيًا مستقلًا لمتابعة الكفاءة، إلى جانب تبني أنظمة ERP حديثة، بدل الاكتفاء بتعديل الجدول المحاسبي.

هذا لا يعني أن هذه التجارب قضت على الفساد؛ فالأردن ومصر ما زالا يواجهان تحديات حوكمة معروفة، وتقييمات الشفافية الدولية لا تضعهما في مصاف الدول الأكثر نظافة ماليًا. لكن الفارق الجوهري أن الأداة الرقمية جعلت أي انحراف مكلفًا وقابلًا للرصد لحظيًا، بينما يظل العراق، بحسب تقييمات الإدارة المالية العامة الدولية (PEFA)، يعمل عند مستوى ‘مقبول بالحد الأدنى فقط’ منذ ما يقارب عقدين، رغم تعاقب برامج الدعم الفني منذ عام 2007. وحتى مشروع العراق الخاص بنظام الإدارة المالية المتكامل (IFMIS)، وهو أداة رقمية شبيهة بما طبقته الأردن، ظل حبيس مرحلة التجريب لسنوات طويلة رغم دعم دولي متواصل من البنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بحسب تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في أيلول 2025، الذي يعزو هذا التعثر إلى استخدام الأحزاب والفصائل النافذة لمناصب إدارية عليا تُعرف بـ‘الدرجات الخاصة’ كقنوات لتحويل موارد الدولة وترسيخ شبكات المحسوبية.

ما الذي يحتاجه العراق فعليًا؟

الدرس الإقليمي واضح: العراق لا يحتاج أولًا إلى جدول محاسبي جديد، بل إلى:

أولًا، تعميم فعلي لا تجريبي لنظام الإدارة المالية المتكامل (IFMIS)، بمواصفات مشابهة لأنظمة GFMIS الأردنية والمصرية أو حلول ERP من طراز SAP، بحيث تصبح كل عملية صرف مرئية ومرتبطة برقم تعريفي لا يمكن التلاعب به لاحقًا.

ثانيًا، جهاز مستقل لترشيد الإنفاق على غرار المكتب السعودي، يتابع كفاءة الصرف بمعزل عن الضغوط الحزبية للوزارات المنفذة.

ثالثًا، نشر دوري لبيانات الموازنة والعقود بصيغة مفتوحة، أسوة بما تنشره دائرة الموازنة العامة الأردنية، لتفعيل رقابة مجتمعية موازية.

رابعًا، استقلالية فعلية لديوان الرقابة المالية الاتحادي، بصلاحية إحالة مباشرة إلى القضاء دون موافقات سياسية مسبقة، كما توصي تقارير البنك الدولي المتعاقبة حول الرقابة المالية في العراق.

تشير الأدبيات حول إصلاح الإدارة المالية في الدول ما بعد النزاع، ومنها تقارير PEFA ومنظمة الشفافية الدولية، باستمرار إلى أن الإصلاحات التقنية البحتة نادرًا ما تقلّل الفساد إذا لم تترافق مع إرادة سياسية واستقلالية قضائية ورقابية وكسر حقيقي لمنظومة المحاصصة ذاتها. موازنة البرامج والأداء تستحق أن تكون جزءًا من هذا المسار، لكن كخطوة تُبنى فوق بنية رقمية ورقابية صلبة، لا كبديل عنها؛ فبمفردها هي أقرب إلى علاج الأعراض منها إلى علاج السبب: منظومة فساد ممنهجة ومتجذرة. والتجربة الإقليمية تقول بوضوح: الجدول المحاسبي الجديد بلا نظام يراقبه هو مجرد واجهة أخرى لمنظومة الفساد ذاتها.

_______________

مصادر ومراجع مختارة:

- The Washington Institute for Near East Policy, ‘Facing Fiscal Pressures: Iraq's Struggle for Reform Ahead of the 2025 Election’, 2025.

- PEFA, ‘Iraq 2017 PFM Performance Report’, pefa.org.

- World Bank, ‘Strengthening Public Financial Management Oversight and Accountability Institutions in Iraq’, 2021.

- IMF, ‘Iraq: Concluding Statement of the 2025 Article IV Mission’, imf.org, 2025.

- صحيفة الرأي الأردنية، ‘د. أبو حمور: مشروع GFMIS أكبر مشروع لحوسبة العمليات المالية في الأردن والمنطقة’.

- دائرة الموازنة العامة الأردنية، ‘نشأة الدائرة وتطورها’، gbd.gov.jo (بيانات مؤشر الموازنة المفتوحة).

- ppregypt.com، ‘تطبيق نظام إدارة المعلومات المالية الحكومية GFMIS بالهيئات الاقتصادية’، وزارة المالية المصرية.

- masf.journals.ekb.eg، ‘دور نظام GFMIS في تحسين الرقابة على المال العام’، دراسة ميدانية، مصر.

- وزارة المالية السعودية، ‘برنامج تحقيق التوازن المالي 2020’، mof.gov.sa.

- SAP MENA، ‘حلول SAP للقطاع الحكومي’، sap.com.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon