من روسيا مع الحب .. من حرك رواية باتيل في لعبة الظلال بين موسكو وواشنطن؟
دعاء هزاع الجابري
في عالم " الاستخبارات " لا تكون الحقيقة دائما هي ما يظهر أمام الكاميرات ، كما أن ما يبدو خطأً في العلن لا يكشف بالضرورة كل ما يجري في الغرف المغلقة ، حيث هناك مساحات رمادية تعيش بين المعلومة ونقيضها وبين ما تقوله المؤسسات وما تختار الصمت عنه ، فقد تتحول عبارة قصيرة إلى نافذة واسعة على أسئلة لا تملك الصحافة مفاتيح الإجابة عنها
و " من روسيا مع الحب " .. عبارة بدت في ظاهرها تعليقا ساخرا على رواية إعلامية وضعت " كاش باتيل " مدير مكتب " التحقيقات الفيدرالي الأمريكي " في موسكو ، قبل أن يتبين أنه كان في ولاية فرجينيا وفق ما أكده المكتب وأظهرته تسجيلات مصورة ، وقد صحح الصحفي الذي نشر الخبر تقريره لاحقا معترفا بالخطأ ، الا أن القصة بعدما سقطت رواية الوصول إلى روسيا تركت وراءها سؤالا أكبر من الخطأ نفسه ، وهو : لماذا أصبحت روسيا في هذا التوقيت تحديدا مسرحا لكل هذه التأويلات؟
نعم ليس في الوقائع المنشورة ما يثبت أن التغريدة كانت غطاء لعملية " استخباراتية " أو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي أسقط " جاسوسا روسيا " أو نجح في إخراج أشخاص أو معلومات سرية من الأراضي الروسية ، الا أن قراءة المشهد من زاوية استخباراتية تفتح بابا مشروعا للتساؤل عن طبيعة العمليات التي لا تظهر نتائجها في البيانات الرسمية ، وعن الحدود الفاصلة بين التعاون الأمني والمواجهة الصامتة ، في : هل يمكن أن تكون هناك عملية أخرى خلف المشهد؟
وهنا لنتأمل الاحتمال بعمق ، كسؤال يختبره العقل أمام عالم لا تتطابق فيه دائما الصورة المعلنة مع كامل المشهد ، ففي الصراع الاستخباراتي لا تقتصر المعارك على انتزاع المعلومات من الخصم بل تمتد إلى حماية المصادر البشرية ، وكشف الاختراقات ، وتفكيك الشبكات ، وتأمين انتقال الأشخاص الذين يمتلكون معلومات حساسة ، وقد تتداخل هذه المسارات جميعها مع مفاوضات رسمية أو اتصالات أمنية معلنة من دون أن يعني ذلك أن كل لقاء يحمل عملية سرية أو أن كل غموض يخفي نجاحا استخباراتيا
ومن ذلك يظهر السؤال الأخطر في المشهد ، وهو : هل كان هنالك ملف روسي تحرك في الخلفية ، بينما انشغلت وسائل الإعلام بسؤال مكان وجود مدير ال FBI ؟ ، وهل كانت هناك معلومات أو مصادر بشرية يجري التعامل معها عبر قنوات لا يعرفها الجمهور؟ أم أن القصة لا تتجاوز تقريرا غير صحيح وعبارة ساخرة استثمرت لحظة الارتباك الإعلامي؟ ، نعم نحن لا نملك دليلا يتيح اختيار أي من هذه الفرضيات بوصفها التفسير الحقيقي ، لكن قيمة السؤال تكمن في أنه يعيد النظر إلى طبيعة الصراع بين " واشنطن وموسكو " حيث تتجاور المصالح الأمنية المحدودة مع الريبة المتبادلة ، ويمكن أن يستمر التعاون في ملف جنائي بينما يبقى التجسس والمواجهة قائمين في ملفات أخرى
لذلك أن كان هنالك جهازا استخباراتيا نجح بالفعل في كشف مصدر مخترق أو تأمين خروج شخص يمتلك معلومات بالغة الحساسية من دولة خصم ، فإن في مثل هذه الحالة الافتراضية لن يكون الإعلان الفوري عن العملية بالضرورة في مصلحة الجهة المنفذة ، حيث قد يؤدي الكشف إلى حرق مصادر أخرى ، أو تنبيه الشبكات المقابلة ، أو إفساد عمليات ما تزال مستمرة ، لكن هذه القاعدة العامة لا تسمح لنا بالقفز إلى استنتاج أن ما حدث في قصة " باتيل " كان عملية من هذا النوع ، فالصمت ليس دليلا والعبارة الغامضة ليست اعترافا وتزامن حدثين لا يثبت وجود علاقة بينهما ، لهذا فإن أخطر ما في الحروب الاستخباراتية ليس فقط ما تخفيه الأجهزة بل قدرة الخيال على ملء الفراغات قبل وصول الأدلة ، فقد تتحول الفرضية بتكرارها إلى حقيقة متداولة ثم تصبح الرواية المتداولة نفسها أداة للتضليل حتى لو لم يكن وراءها أي مخطط سري
وبالنظر إلى إبعاد الموضوع يطرأ لنا تساؤل اخر أكثر عمقا ، وهو : من الذي استفاد من وضع مدير ال FBI في قلب رواية عن زيارة إلى روسيا ، ثم من انهيار الرواية نفسها هل كان الضرر مقتصرا على مصداقية التقرير الإعلامي ؟ أم أن الواقعة أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن طبيعة العلاقة الأمنية بين البلدين ومخاطر التعاون مع أجهزة دولة تعد منافسا استخباراتيا للولايات المتحدة؟ ، فقد سبق أن أثيرت تساؤلات أمريكية بشأن تعاون مكتب التحقيقات الفيدرالي مع روسيا في ملفات أمنية محددة ، وبشأن الزيارة التي كان يتداول التخطيط لها في أكتوبر ، وهذا السياق يجعل الجدل مفهوما لكنه لا يحول الخطأ الإعلامي إلى دليل على عملية سرية ولا يبرأه في الوقت ذاته ، ففي السياسة قد ينتصر طرف من دون أن يطلق رصاصة وقد يخسر طرف جولة كاملة بسبب معلومة غير دقيقة ، أما في الاستخبارات فإن قيمة المعلومة لا تقاس بمدى إثارتها بل بقدرتها على الصمود أمام التحقق
لذلك ربما لم تكن " من روسيا مع الحب " أكثر من سخرية من تقرير سقط تحت اختبار الوقائع ، وربما سيكشف المستقبل عن تفاصيل أخرى تتصل بالتعاون الأمني الأمريكي الروسي أو بالملفات التي تحيط به ، وربما ستظهر لنا الأيام أدلة موثوقة تثبت أن العبارة كانت ستارا لعملية لإسقاط جاسوس أو تهريب أشخاص أو معلومات إلى الولايات المتحدة ، ففي عالم " الظلال " ليست كل نافذة مفتوحة دليلا على وجود غرفة سرية خلفها ، وليس كل تصريح بريء لا يحمل رسالة مشفرة ، فأحيانا تكون الحكاية مجرد خطأ وأحيانًا يكون الخطأ بداية لسؤال أعمق ، أما الفصل بينهما فلا تصنعه البلاغة ولا قوة الخيال بل الأدلة وحدها ، فهل كانت " التغريدة " مجرد عبارة ساخرة في معركة إعلامية ، أم أن خلف المشهد ملفات أخرى لم تكشف بعد؟ ، وحتى تظهر قرائن قابلة للتحقق سيظل السؤال مفتوحا وستظل روسيا في هذه الحكاية عنوانا للريبة ، كسؤال مفتوح عن عملية استخباراتية مجهولة الشأن .