من بغداد إلى باريس: من يملك حق الاحتجاج، ومن يُحاكم شعباً كاملاً؟

من بغداد إلى باريس: من يملك حق الاحتجاج، ومن يُحاكم شعباً كاملاً؟

أسامة عبد الأمير البدران

2026-10-19T08:49:09+00:00

في كل مرة تُعرض فيها صور النهب والتخريب في العراق، تُستحضر لقطة السارق دليلاً على "ثقافة مجتمع"، ويُدفع العراقيون إلى قفص الاتهام جماعةً. أما حين تشتعل الشوارع في عواصم أوروبية، وتُنهب المتاجر، وتُحرق المباني العامة والخاصة، فسرعان ما تظهر مفردات أكثر لطفاً: غضب اجتماعي، توتر سياسي، مجموعات متطرفة، أو انفلات على هامش احتجاج مشروع.

هنا يبدأ السؤال عن ازدواجية المعيار: لماذا يتحول فعل فرد أو مجموعة إلى حكم على شعب حين يكون عراقياً، بينما يُعزل الفعل عن المجتمع حين يقع في أوروبا؟

الأخبار الراهنة لا تترك مجالاً لإنكار ما حدث في فرنسا وإيطاليا. ففي احتجاجات فرنسا يوم 17 أكتوبر، وثقت وسائل إعلام حرائق ونهباً واعتداءات على ممتلكات عامة وخاصة، وأُحرق مبنى بلدية ليموج التاريخي، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر. وأفادت أسوشيتد برس باعتقال ما لا يقل عن 1,800 شخص في أنحاء البلاد. وفي ميلانو، وثقت الوكالة نهب متاجر وإحراق ممتلكات خلال احتجاجات السبت.

ومع ذلك، لا يحق لأحد أن يستنتج من هذه المشاهد أن الفرنسيين أو الإيطاليين شعوب لا تحترم القانون، أو أنهم عاجزون عن إدارة دولهم. فلماذا يُستسهل هذا الاستنتاج حين تكون الصور من بغداد؟

حين يُدان العراقي على فعل فردي، ويُعذر غيره باسم الاحتجاج

الثقافة العراقية ليست مشهد نهب، ولا تصرف شخص مجهول وسط انهيار الأمن. إنها تاريخ طويل من المعرفة والكتابة والعمران، ومن مؤسسات اجتماعية وعلمية وثقافية، ومن أناس حافظوا على المدارس والمكتبات والمواقع الأثرية، وحاولوا حماية ما استطاعوا حمايته حين غابت الدولة عن أداء أبسط وظائفها.

إن الدفاع عن الثقافة العراقية لا يعني تبرئة كل من نهب أو خرّب. السرقة فعل مدان أينما وقعت، وإحراق الممتلكات ليس احتجاجاً مشروعاً. لكنه يعني رفض القفزة المتعمدة من "ارتكب أفراد جريمة" إلى "هذا شعب لا يملك وعياً حضارياً". لا تُقاس ثقافة مجتمع كامل بلقطات منتقاة من أسوأ لحظاته، ولا يُستدل على وعي أمة من تصرفات أفراد استغلوا فراغاً أمنياً استثنائياً.

عراق 2003: انهيار دولة تحت الاحتلال

النهب الذي رافق سقوط النظام عام 2003 لم يقع في دولة مستقرة كانت مؤسساتها تعمل والشرطة تسيطر على الشوارع. وقع بعد غزو، وانهيار أجهزة السلطة، وتفكك الأمن، وفي ظل احتلال عسكري. أي إن العراقيين واجهوا وضعاً تعذر فيه إيقاف كل الاعتداءات، لا لأن المجتمع أقرّها، بل لأن سلطة الدولة سقطت، والسلطة القائمة بحكم الاحتلال لم تحمِ مؤسسات كثيرة ومواقع عامة بالقدر اللازم.

وهذا ليس تبريراً للنهب؛ إنه وصف للسياق الذي يجب أن يُفهم فيه. وقد انتقدت لجنة الدفاع في مجلس العموم البريطاني عدم الاستعداد الكافي لحماية مبانٍ ومواقع عراقية مهمة، وخلصت إلى أن التخطيط كان ينبغي أن يولي هذه المواقع حماية أكبر. كما أقر مجلس الأمن، في القرار 1483، بمسؤوليات والتزامات الدول القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي.

لذلك، فإن المساءلة لا يجوز أن تتوقف عند المواطن الذي ظهر في صورة يحمل غرضاً مسروقاً. عليها أن تشمل أيضاً السؤال الأثقل: من كان يملك القوة والقدرة القانونية والعسكرية على حماية المؤسسات، ولماذا تُركت مواقع كثيرة عرضة للنهب؟ الأدلة المتاحة تسند نقد الإخفاق في الحماية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الاحتلال دبّر عمليات النهب عمداً. والتمييز بين هذين الحكمين ضرورة للإنصاف والدقة، لا تنازل عن حق العراقيين في مساءلة الاحتلال.

احتجاج مشروع، وعنف يُدان، وقمع يُحاسب

في أوروبا، تُدان أعمال النهب والحرق وتُلاحق قانونياً، وهذا حق للدولة في مواجهة الجرائم. لكن وجود الشغب لا يمنح الشرطة تفويضاً مفتوحاً لقمع كل متظاهر أو استخدام قوة غير متناسبة. والتغطية الصحفية نفسها أشارت إلى انتقادات لأساليب الشرطة الفرنسية وإصابات المتظاهرين.

المعيار الذي ينبغي تطبيقه واضح: يُحاسب مرتكب العنف على فعله، وتُحاسب السلطة على القوة المفرطة، ويُحمى حق المحتجين السلميين. ويُطبق هذا المعيار في باريس وبغداد على السواء. أما تحويل احتجاج أوروبي إلى "أزمة اجتماعية"، وتحويل احتجاج في الشرق الأوسط إلى قرينة على أن الدولة لا تستحق سيادتها، فليس دفاعاً عن حقوق الإنسان؛ إنه انتقاء سياسي لمفردات الحقوق بحسب هوية الدولة وموقعها من مصالح القوى الكبرى.

ولا تثبت التقارير الصحفية أن "جميع الدول تقمع المتظاهرين" أو أن "أغلب المحتجين في أوروبا يخربون الممتلكات"؛ فهذه تعميمات تحتاج إلى بيانات شاملة. لكنها تثبت أن حكومات أوروبية تنشر قوات مكافحة الشغب وتعتقل أعداداً كبيرة عند وقوع العنف، وأن التخريب والنهب يحدثان داخل مجتمعاتها أيضاً. وهذا وحده يكفي لدحض الادعاء بأن الاضطراب أو الجريمة في الشارع دليل خاص على "تخلّف" مجتمع بعينه.

تشرين: صوت المجتمع لا صورة خصومه

وتقدم احتجاجات تشرين مثالاً عراقياً معاصراً على وجوب الفصل بين المجتمع وأفعال أفراده، وبين المطالب الشعبية والانتهاكات التي رافقت التعامل معها. فقد وثقت الأمم المتحدة استخداماً مفرطاً للقوة، وقتلاً وإصابات واعتقالات في سياق المظاهرات. لا يجوز اختزال مئات الآلاف من أصحاب المطالب في حادثة تخريب، كما لا يجوز تجاهل الانتهاكات بحقهم لمجرد أن بعض الوقائع شهدت عنفاً أو صداماً.

الخلاصة

ليس الدفاع عن العراقيين طلباً لاستثناء العراق من النقد، بل رفضٌ لأن يُعامل العراقي بمكيال أشد من غيره. يُدان النهب في بغداد كما يُدان في باريس وميلانو. وتُحاسب الشرطة العراقية كما تُحاسب الشرطة الفرنسية إذا تجاوزت القانون. وتُسأل سلطة الاحتلال عن المؤسسات التي كان عليها حمايتها، كما تُسأل أي حكومة عن واجباتها تجاه مواطنيها.

أما أن يُحمّل شعب كامل مسؤولية أفعال فردية وقعت في لحظة غزو وإسقاط للسلطة وانهيار للأمن، ثم يُعفى شعب آخر من الوصم حين يقع التخريب في شوارعه، فذلك ليس حكماً ثقافياً منصفاً. إنه انتقائية سياسية تتخفى بلغة التحضر.

العراقيون ليسوا صورة النهب التي تركها انهيار الدولة، كما أن الفرنسيين ليسوا صورة المبنى المحترق في ليموج. المجتمعات تُقاس بتاريخها وتنوعها ومؤسساتها ومواقف أبنائها، لا بأفعال أفراد استغلوا الفوضى.

المصادر

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon