آلاء حسين.. حين يصبح الفنان هدفاً لمدافع الكراهية
جلال باقر
في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام أكثر من الحقائق وتعلو فيه أصوات الانفعال على صوت العقل لم تعد المشكلة في أن يختلف الناس مع فنان أو كاتب أو مثقف بل في تحول الاختلاف إلى محكمة شعبية مفتوحة لا تعرف الإنصاف ولا تعترف بحق الإنسان في أن يكون له رأيه وخياراته ومن بين النماذج التي كشفت هذه الظاهرة بوضوح ما تعرضت له الفنانة العراقية آلاء حسين من هجوم شرس تجاوز حدود النقد ووصل في كثير من الأحيان إلى الإساءة الشخصية والتشهير .
لقد عرف الجمهور العراقي آلاء حسين فنانة قبل أي شيء آخر ، ارتبط اسمها بعقود من العمل الدرامي والمسرحي وأسهمت في أعمال تركت حضورها في ذاكرة المشاهد العراقي سواء اتفق المتلقي معها أم اختلف وكان من المفترض أن تكون مسيرتها الفنية هي المعيار الذي تقاس به لكن ما حدث أن بعض الجهات اختارت اختزال تاريخ كامل في موقف أو مناسبة أو تأويل سياسي وكأن الإنسان يمحى بمجرد أن يختلف معه الآخرون .
المشكلة ليست في وجود النقد فالنقد حق مشروع ولا يمكن لأي شخصية عامة أن تكون بمنأى عنه بل إن الفنان الحقيقي يتقبل النقد بوصفه جزءاً من حياته المهنية لكن ما يثير القلق هو ذلك التحول الخطير من نقد الفكرة إلى استهداف الشخص ومن مناقشة الموقف إلى التحريض والتشهير والتخوين ، هنا لا يعود الأمر دفاعاً عن رأي بل يصبح ممارسة للعنف المعنوي الذي يهدد الحياة الثقافية بأكملها .
إن الهجوم الهمجي على الفنانين والمبدعين لا يكشف ضعف الفنان بقدر ما يكشف أزمة المجتمع في إدارة الاختلاف ، فالمجتمعات الواثقة من نفسها تناقش وتجادل وتنتقد لكنها لا تسعى إلى إلغاء الآخر ، أما حين يصبح الرأي المختلف سبباً للاتهام والتشويه فإن الخسارة لا تقع على الفنان وحده وإنما على المجال الثقافي برمته .
ولعل المفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن يرفعون شعارات حرية التعبير هم أنفسهم أول من يصادر هذه الحرية عندما تصدر عن شخص لا ينسجم مع قناعاتهم وهكذا تتحول الحرية من مبدأ عام إلى امتياز يمنح للبعض ويسحب من البعض الآخر وهذه ازدواجية لا يمكن أن تبني مجتمعاً ديمقراطياً أو بيئة ثقافية سليمة .
إن آلاء حسين ليست فوق النقد كما أن أي فنان أو مثقف ليس فوق المساءلة المجتمعية لكن هناك فرقاً شاسعاً بين النقد المسؤول وبين حملات التشهير المنفلتة ، فالأول يثري النقاش العام ويعزز الوعي أما الثاني فلا ينتج إلا مزيداً من الانقسام والضغائن والكراهية .
لقد عانى العراق خلال عقود طويلة من الحروب والصراعات والأزمات وكان الفن واحداً من المساحات القليلة التي حافظت على قدرة الناس على الحلم والتعبير والتواصل ومن المؤسف أن تتحول بعض المنصات اليوم إلى ساحات لإعدام الرموز الفنية معنوياً بدل الاحتكام إلى الحوار والعقل .
في النهاية قد يختلف الناس مع آلاء حسين وقد يعارضون بعض مواقفها أو آرائها وهذا حقهم الطبيعي لكن من حقها أيضاً أن تعامل بوصفها مواطنة وفنانة لا بوصفها هدفاً لموجات الكراهية ، فالأمم التي تحترم نفسها لا تقيس مبدعيها بميزان الانفعال الآني بل بميزان ما قدموه من عطاء وما تركوه من أثر في الوجدان الجمعي .
ويبقى السؤال الأهم ، إذا كنا لا نستطيع حماية حق المختلف معنا في التعبير فكيف يمكننا الادعاء بأننا ندافع عن حرية التعبير أصلاً؟ فالقضية في نهاية المطاف ليست قضية آلاء حسين وحدها بل قضية مجتمع يختبر كل يوم قدرته على التعايش مع الاختلاف دون أن يفقد إنسانيته .