اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية

اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية

رزكار عقراوي

2026-05-24T08:33:13+00:00

تشترك معظم بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها تشتت وضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وهذه ليست إشكالية عراقية خالصة، وإنما ظاهرة متكررة في سياقات متشابهة، تجد في التجربة العراقية تعبيرها الأحد وأكثرها وضوحاً.

من الضرورة التاريخية إلى أسئلة التجديد

أفرزت الأنظمة الاستبدادية ظروفاً ضاغطة دفعت قوى اليسار إلى تبني أشكال تنظيمية مركزية محكمة تحت وطأة القمع والملاحقة، بما أنتج نهجاً يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية سرية وأحياناً شبه علنية مرتبطة بالتنظيمات السياسية ارتباطاً وثيقاً، على حساب استقلاليتها وقدرتها على احتضان قطاعات اجتماعية أوسع.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذا النهج لم يكن خاطئاً في مطلق الأحوال، إذ أدى في مراحل تاريخية بعينها دوراً محورياً لا يمكن إنكاره، حين كانت المركزية التنظيمية ضرورة فرضها الواقع القمعي وحاجة النضال إلى تماسك صفوفه وحماية كوادره. غير أن الزمن تغير تغيراً جوهرياً، وتغيرت معه آليات التفكير والعمل الجماهيري في ظل الثورة الرقمية. فالجماهير اليوم، وخاصة الأجيال الجديدة التي نشأت على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات والتنظيم الأفقي والشفافية والمشاركة المباشرة في صنع القرار، لم تعد تقبل بأن تكون مادة للتعبئة في خدمة أجندة حزبية محددة مهما كانت صدق نواياها. لذلك تسعى هذه الورقة إلى إثارة نقاش جاد حول مراجعة نموذج "النقابة التابعة والمنظمة الجماهيرية الموالية"، والبحث في نموذج مغاير.

من الارتباط العضوي إلى الاستقلالية

بعد عام 2003 حرصت معظم التنظيمات اليسارية على إدامة وإنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة. وقد أفضى ذلك في أحيان كثيرة إلى تعدد المنظمات والنقابات في القطاع الواحد، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى ازدواجية المنظمات داخل الحزب الواحد نفسه، مما أفرز مشهداً جماهيرياً يتسم بتشتت الطاقات وتعدد التسميات وتضاؤل الفاعلية الفعلية على أرض الواقع.

فالنقابة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنظيم بعينه تجد صعوبة حقيقية في احتضان شغيلات وشغيلة اليد والفكر بكل تنوعهم الفكري والقومي والديني، فتضيق دائرة تأثيرها وتنحصر في شريحة محددة. والمنظمة النسوية المرتبطة بحزب معين تجد صعوبة في استقطاب النساء من خلفيات سياسية مختلفة. والاتحاد الطلابي يتحول تدريجياً إلى ساحة للتجاذبات الحزبية، يخسر فيها الطلاب والطالبات مساحتهم المستقلة.

وتكشف تجربة شخصية عشتها في صيف عام 1992 عمق هذه الإشكالية. حين اجتمعنا مع رفيقات ورفاق اليسار والعاطلين عن العمل لبناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان، كان الخلاف الأول حول البيان التأسيسي ذاته. اقترح بعض الرفاق بياناً مشبعاً بالعبارات الأيديولوجية اليسارية كالإمبريالية والاشتراكية، فاختلفت معهم، ورأيت أن ما نسعى إليه هو بناء اتحاد للعاطلين جميعاً من كافة الأفكار والتوجهات، لا اتحاداً لعاطلي اليسار وحدهم. ذلك السؤال الجوهري الذي طرح في صيف 1992 لا يزال في صميم الإشكالية التي نناقشها اليوم.

ضعف التنسيق وانعكاساته

وثمة مفارقة مؤلمة جديرة بالتأمل، إذ يرفع اليسار شعار وحدة الجماهير الكادحة، في حين أن هذا النهج التنظيمي أفضى من غير قصد إلى تشتت الجهود وإضعاف الحركة النقابية والجماهيرية على أرض الواقع. فالتشتت الجماهيري الذي نراه في المشهد النقابي يعكس في جانب منه تشتتاً سياسياً سابقاً، تجلى في تعدد التنظيمات اليسارية وتباين مواقفها، وهو تباين طبيعي ومشروع في حد ذاته، إذ إن الوضع العراقي والإقليمي والعالمي المعقد يتقبل اجتهادات يسارية مختلفة، غير أن هذا التباين حين يتحول إلى صراع واحتقان يضعف العمل المشترك فإنه يلقي بظلاله الثقيلة على الفضاء الجماهيري برمته.

كذلك أفرز غياب التنسيق نمطاً يقوم على التنافس داخل الدائرة الجماهيرية ذاتها عوضاً عن التوسع نحو قطاعات اجتماعية جديدة، وظلت الخريطة الجماهيرية محدودة المساحة رغم تعدد التنظيمات، لأن هذا التعدد لم يفضِ دائماً إلى توزيع العمل ومخاطبة شرائح مختلفة، وإنما أفضى إلى التداخل والتكرار في الرقعة ذاتها.

دروس من تجارب نقابية فاعلة

تكشف التجارب التاريخية والمعاصرة أن النقابات التقدمية المستقلة الفاعلة كانت في أحيان كثيرة عاملاً محورياً في التغيير الاجتماعي والسياسي، وأن قوتها لم تنبع من ارتباطها بهذا الحزب أو ذاك، وإنما من تجذرها الحقيقي في قواعدها العمالية والجماهيرية.

ففي تونس، أدى الاتحاد العام التونسي للشغل دوراً محورياً في إسقاط الدكتاتورية عام 2011، وكان ثقله الجماهيري المتجذر في قطاعات واسعة من العمال هو ما منحه تلك القدرة التفاوضية التي عجزت عنها الأحزاب السياسية مجتمعةً. وفي جنوب أفريقيا، أثبت الكونغرس الجنوب أفريقي لنقابات العمال أن النقابة المستقلة القوية تستطيع أن تكون في آنٍ واحد جبهةً للدفاع عن الحقوق العمالية ومنصةً للنضال من أجل الكرامة الإنسانية دون أن تذوب في أي حزب سياسي. وفي البرازيل، تطورت حركة نقابية مستقلة لتفرز لاحقاً حزب العمال الذي وصل إلى السلطة، في نموذج نادر على بناء قوة سياسية حقيقية انطلاقاً من العمل النقابي الميداني. أما في الدنمارك، فتعمل الأحزاب اليسارية داخل النقابات المستقلة القائمة وتعزز توجهاتها التقدمية من الداخل، مكتسبةً نفوذاً اجتماعياً أعمق مما كانت ستكتسبه لو اكتفت بقيادة نقابات صغيرة موالية لأحزابها.

التحديات الهيكلية

تضاف إلى ما سبق تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، إذ يشكل النفط نحو 90% من إيرادات الموازنة العامة، مما يجعل غالبية شغيلات وشغيلة اليد والفكر موظفين حكوميين تربطهم بالدولة علاقة تبعية مباشرة تقيد هامش تنظيمهم المستقل. وقد تجلى ذلك بوضوح في احتجاجات تشرين 2019، حين عجزت النقابات عن تحويل زخم الشارع إلى إضرابات منظمة، لأن العمال وجدوا أنفسهم أمام معادلة مؤلمة بين الاحتجاج وتحمل تبعاته الوظيفية أو الصمت والإبقاء على مصدر رزقهم.

وتضاف إلى ذلك إشكالية دور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتهمش النقابات والاتحادات ذات التوجه التقدمي والطبقي الواضح، فضلاً عن تعزيز ظاهرة الشخصنة التي تجعل استمرارية المنظمة رهينة بأفراد بعينهم لا ببنيتها المؤسسية.

نحو يسار جماهيري متجدد

غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بصورة تتجاوز ما هو مرئي على السطح. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة في تاريخ الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية، وجد اليسار نفسه في فراغ تنظيمي مؤلم: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات إلى إضرابات منظمة ترغم السلطات الحاكمة في بغداد وأربيل على الاستجابة، ولا حركة طلابية موحدة تمتلك قوة مؤسسية حقيقية، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ قادرة على ترجمة الغضب الشعبي إلى مطالب مستدامة. في مكان كل ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة بتنسيق محدود وصراعات تنظيمية متكررة.

وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات جوهرية في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها لا يمكن لأي قوة سياسية جادة تجاهلها. فالثورة الرقمية أعادت رسم خريطة القوة والتأثير، وأتاحت للشبكات الأفقية والمبادرات المستقلة تحقيق حضور ميداني واسع في وقت قياسي. وقد كشفت حركات الاحتجاج، من ساحات العراق واقليم كردستان إلى حركات العدالة الاجتماعية في أنحاء العالم، أن التنظيم الأفقي المرن قادر على توليد طاقة تعبوية هائلة تعجز عنها الهياكل ذات المركزية المفرطة.

الوحدة الحقيقية على أرض الواقع

الطريق إلى الوحدة الحقيقية على أرض الواقع يمر عبر مسارين متكاملين لا يقوم أحدهما دون الآخر:

المسار الأول - النقابي والجماهيري: المشاركة الجماعية في بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة وقوية، تجمع الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية والحزبية، حول مصالحهم المشتركة ومطالبهم الحيوية. وفي هذه المنظمات المستقلة يستطيع اليساريون واليساريات أن يسهموا بأفضل ما لديهم: قيم العدالة الاجتماعية والتضامن والنضال من أجل الكرامة الإنسانية والمساواة.

المسار الثاني - السياسي والتنظيمي: التنسيق والعمل المشترك على الصعيد الحزبي والسياسي عبر أطر تحالفية متنوعة، على مستوى البلد أو المحافظات أو حول مطالب بعينها، كخطوات تدريجية نحو بناء إطار يساري تقدمي واسع وموحد متعدد المنابر، يضم كافة القوى اليسارية والتقدمية إلى جانب النقابات والمنظمات العمالية والجماهيرية وفق نقاط الالتقاء الآنية. فتغيير الوضع في العراق وإقليم كردستان يتطلب تحشيد كل تلك الطاقات في مشروع واحد متماسك.

ذلك هو معنى العمل الجماهيري الحقيقي في عصرنا: أن يخدم شغيلات وشغيلة اليد والفكر ويبني قوتهم ويوحدها ويشارك في تغيير حياتهم نحو الأفضل، وأن يجسد قيم اليسار في الممارسة اليومية لا في الخطاب السياسي وحده. فالقوة الحقيقية لليسار لا تكمن فقط في أطروحاته الفكرية ومواقفه السياسية، وإنما في قدرته على بناء مؤسسات تقدمية مستقلة وواسعة التأثير، متجذرة في حياة الناس اليومية وقادرة على الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم وتحويل طاقاتهم الاجتماعية إلى قوة تغيير حقيقية تفتح الطريق نحو البديل الاشتراكي الديمقراطي.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon