الكونفيدرالية في طرح الكاظمي .. إعادة بناء لا تفكيك

الكونفيدرالية في طرح الكاظمي .. إعادة بناء لا تفكيك

جلال شيخ علي

2026-02-23T22:29:54+00:00

في لحظات الانسداد السياسي العميق لا تأتي المبادرات الكبرى بوصفها ترفا فكريا بل كضرورة وجودية لإنقاذ الدولة من دوامة الأزمات المتراكمة.

من هذا المنطلق برز مؤخرا طرح رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي بشأن الانتقال إلى صيغة كونفيدرالية كأحد أكثر المقترحات جرأة وواقعية لمعالجة المعضلة التاريخية بين بغداد وإقليم كوردستان إذ لا يتعامل الطرح مع المشكلة بوصفها خلافا عابرا على الصلاحيات أو الموارد بل كقضية بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها وحدود قدرتها على استيعاب التعدد القومي والسياسي ضمن إطار مركزي متوتر.

فالكونفدرالية، وفق هذا التصور، لا تعني تقسيم العراق ولا تفكيكه بل إعادة صياغة العلاقة بين مكوناته على أساس الشراكة الطوعية الواضحة، بما يضمن لكل طرف إدارة شؤونه الداخلية مع الحفاظ على كيان دولي واحد وسيادة مشتركة في الملفات الاستراتيجية، وهو ما قد يضع حدا لدورات الصراع المتكررة حول النفط والميزانية والسلطات الأمنية والمناطق المتنازع عليها.

سياسيا، يمكن لهذا النموذج أن يخفف الاحتقان المزمن بين أربيل وبغداد عبر تحويل العلاقة من صراع صلاحيات إلى تعاون تعاقدي واضح، ما يعزز الاستقرار الداخلي ويمنع استخدام الورقة الكوردية في الصراعات الحزبية.

اقتصاديا، يمنح الوضوح القانوني للاستثمارات والطاقة والتجارة دفعة قوية للاقتصاد العراقي ككل، إذ إن الاستقرار المؤسسي هو الشرط الأول لجذب رؤوس الأموال وبناء مشاريع طويلة الأمد، بينما تسمح اللامركزية الواسعة لكل إقليم بتطوير موارده وفق أولوياته دون تعطيل بيروقراطي أو صراعات مالية.

أما اجتماعيا، فقد يسهم الاعتراف المتبادل بالخصوصيات القومية والإدارية في تهدئة مشاعر الإقصاء والتهميش، ويعيد بناء الثقة بين المكونات على أساس الاحترام لا الغلبة، وهو ما تحتاجه المجتمعات الخارجة من عقود من الحروب والديكتاتورية والانقسامات.

ومع ذلك، فإن طرحا بهذا الحجم لن يمر من دون مقاومة، خصوصا من قبل بعض السياسيين الذين بنوا حضورهم على خطاب قومي متشدد ترى في أي توسيع لصلاحيات الأقليم تهديدا لوحدة الدولة.

وهنا يبرز السؤال الحساس: هل سيتحول الطرح الكونفيدرالي إلى مادة للتحريض الشعبوي واتهامات “التفكيك” و”الانفصال”، أم إلى فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر واقعية؟

كما يطرح تساؤلا آخر يتعلق بمستقبل الكاظمي السياسي نفسه، إذ جرت العادة في العراق أن الخطاب المتشدد تجاه القضية الكوردية يحقق مكاسب شعبية سريعة في بعض الأوساط، بينما تواجَه الدعوات التوافقية باتهامات التفريط أو الضعف.

فهل سيدفع ثمن طرحه من رصيده السياسي، أم أن الإرهاق العام من الأزمات قد يجعل الشارع أكثر استعدادا لقبول حلول غير تقليدية؟

في المحصلة، تبدو الكونفيدرالية مهما كانت مثيرة للجدل محاولة جادة للخروج من معادلة غالب ومغلوب إلى معادلة شراكة متوازنة وقد تكون بالفعل الخيار الأمثل إذا توفرت الإرادة السياسية والضمانات الدستورية.

غير أن نجاحها لا يتوقف على النصوص وحدها بل على استعداد النخب للتخلي عن منطق المكاسب الضيقة لصالح بقاء الدولة نفسها فالعراق لم يعد يحتمل حلولا مؤجلة أو أنصاف معالجات بل يحتاج إلى تسوية تاريخية تعترف بالواقع كما هو لا كما يراد له أن يكون.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon