الذهبُ، فهمُ أصالتهِ في سوقٍ فَوضَويَّةٍ
د. شوان زنكَنة
الذهب، هو المعدن الأصيل الذي شكّلَ الثمنَ منذ أيام مملكة ليديا، غرب تركيا، قبل حوالي 2500 سنة، وجرتِ المبادلاتُ من خلاله، وأصبح مستودعا للقيمة لِخِلْقَتِهِ الذاتيّةِ القَيِّمَةِ، ولجأَ إليه البشر، عبر التأريخ، حتى صار ملاذا آمنا، واطئَ المخاطر في عالمنا المعاصر.
هذا الذهب، أصبح اسمُه، اليوم، مقرونا باحتياطيات الدول، وسعر الفائدة الأمريكية، ومعدّل التضخم في أمريكا، ومؤشّرِ الدولار، إضافة إلى تأثُّرِه الشديد بالعوامل الثلاثة الأساسية، وهي: الأحداث الجيوسياسية والطلب الحكومي والخاص، وسعر الفائدة في أمريكا.
ولإلقاء الضوء على المسيرة الاقتصادية للذهب، لا بُدَّ من تحليلِ أثر التضخم في أمريكا على أسعار الذهب، وتَوجُّهاتِ الطلبِ عليه، والأحداثِ الجيوسياسية العالمية.
فقد سجّلَ مكتبُ الإحصاء الأمريكي ارتفاعا في معدل التضخم السنوي قدره 4.2% خلال شهر أيار، والذي جاء مطابقا لتوقّعات الأسواق، في حين كانت القراءة السابقة في نيسان الماضي قد بلغت 3.8%، وهذا يعني أن ضغوط التضخم لا تزال مستمرة وإنْ لم تكن كبيرة. أما على أساس شهري فقد ارتفعَ مؤشّرُ أسعارِ المُستهلِكِ ( (CPIبمقدار 0.5% في شهر أيار، متوافقا مع التوقّعات، وأقلّ مما تمَّ تسجيلُه في شهر نيسان الماضي والبالغ 0.6%، وهذا يعني تباطؤًا في الزيادة الشهرية للأسعار.
وكذلك سجّلَ مكتبُ الإحصاء الأمريكي ارتفاعا في معدّل التضخّم الأساسيِّ (كافة السلع باستثناء الطاقة والغذاء)، مؤشّر أسعار المستهلك الأساسي (CORE CPI)، بمقدار 2.9% على أساس سنوي، وحسب ما توقَّعتْه الأسواقُ، في حين كانت القراءة السابقة في شهر نيسان 2.8%، وسجّلَ معدلُ التضخّمِ الأساسي على أساس شهري قراءةً مقدارها 0.2% في شهر أيار، وهي ما جاءتْ أقلّ من التوقّعات التي أشارت إلى 0.3%، وأقلّ، كذلك، من القراء السابقة في شهر نيسان والبالغة 0.4%، وهذا يشيرُ إلى تخفيف حدّة وتيرة ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية من غير الطاقة والغذاء.
وجاءَ مُؤشِّرُ أسعارِ نَفقاتِ الاستهلاكِ الشخصيِّ في أمريكا PCE"" مُرتفِعًا ليبلغَ 3.8% على أساسٍ سنويٍّ خلال شهر أبريل قياسًا بما تمَّ تسجيلُه في شهر مارس والبالغُ 3.5%، ومتطابِقًا مع التوقّعات. (لم تظهر بيانات هذا المؤشر لشهر أيار لحد الآن).
ويُعتبَرُ هذانِ المؤشّرانِ مُهمَّينِ في اتخاذ القرارات من قِبل المجلس الاحتياطي الأمريكي بخصوص سياسته النقدية، إلا أنّ أرقامَهما المجرَّدَةَ الدالّةَ على الارتفاع أو الانخفاض ليست، في العادة، هي المقياسَ الذي يعتمدُه الفيدرالي لاتخاذ قراراته، بل الأهمّ من ذلك هو قراءتُه لهذه الأرقام، من جهةٍ، وخلقُ صورةٍ مُستقبَليةٍ لدى الأسواق حول مسار التضخّمِ وطبيعتِه الاقتصادية الواقعية من جهةٍ أخرى.
ولمزيدٍ من الإيضاح، يمكنُ طرحُ السؤال الآتي: هل الرقم الذي يجبُ أنْ يعتمدَه البنكُ الفيدرالي لقياس التضخّم يعكسُ الواقعَ فِعلًا أم يعكسُ حالةَ الفوضى والتّذَبذُبِ المُحيطةَ به؟
فلا شكَّ أنّ الأسواقَ تُعاني من الضَّوضاءِ والقلق والترَقُّبِ والتّذبذبِ، مما يجعلُ الأسعارَ غيرَ قادرةٍ على رسم مِعيارٍ حقيقيٍّ للتضخّم، لذلك، فقد يلجأُ الفيدراليُّ إلى نمطٍ جديد لمؤشّرٍ، يبدو واقعيًّا، إذ لا يستبعدُ عناصرَ ثابتةٍ مُسبقًا، كالطاقة والغذاء، بل يحذفُ أعلى الزيادات السعرية المُتطرِّفَةِ وأكبر الانخفاضات السعرية المُتطرِّفَةِ، ثم يحسبُ مُتوسّطَ ما تبقّى من الأسعار؛ وذلك بهدف محاولة قراءة الاتجاه الأساسي الحقيقي بعيدًا عن الصدمات المؤقّتة التي يعيشُها العالمُ اليوم، كالرسوم الجمركية الأمريكية، والصراعات الساخنة، وأزمات الطاقة، والخلَل في سلاسل الإمدادات، والانفاق الضخم في الذكاء الاصطناعي والدفاع والبيئة، وهو مؤشّرٌ أطلقَ عليه الفيدراليُّ الأمريكيُّ اسمَ "مُؤشِّرُ مَتوسّطِ أسعارِ نَفقاتِ الاستهلاكِ الشخصيِّ المُقَلَّصِ"، ."Trimmed Mean PCE"
وتكمنُ أهميةُ هذا المؤشّر في أثرِه على خفضِ سعر الفائدة؛ فإذا كان مُؤشِّرُ أسعارِ نَفقاتِ الاستهلاكِ الشخصيِّ الأساسي على أساس سنوي "Core PCE" يوحي بأنّ التضخّمَ يتراوحُ بين 3% و3.5%، فإنّ مُتوسّطَ التضخّم المُقلَّصِ " "Trimmed Mean PCEسيكونُ حوالي 2.5%، وهو ما سيدفعُ الفيدراليَّ إلى التفكير الجديِّ في خفضِ سعر الفائدة، طالما كان التضخّمُ الأساسي أقربَ، من الناحية الواقعية، من هدفه البالغ 2%.
ولو أضفنا إلى ذلك، أنّ الأسواقَ تَتوقَّعُ تضخّمًا سنويًّا بمتوسطٍ يقاربُ 2.25% خلال العقود الثلاثة القادمة، وهو "معدّل التعادل للتضخّم" الناتجُ عن طرح عوائد السندات المَحميّةِ (2.72%) من عوائد السندات العادية (4.97%)، فإننا قد لا نستغربُ قرارًا من البنك الفيدرالي يُخفِّضُ سعرَ الفائدة، استنادًا إلى القراءة أعلاه لأرقام التضخّم، وإنْ كنتُ استبعدُ ذلك خلال الأشهر القادمة، أو على الأقل لحينِ انتهاءِ الأزمة الإيرانية.
ويتأثّرُ سعرُ الذهب بسعر الفائدة.. وسعرُ الفائدةِ مَحكومٌ بقِراءَةِ البنكِ الفيدرالي لأرقام التضخّم، وبمقياسِ اختيارِه أو قناعتِه بأيِّ مؤشّرٍ من تلك المؤشّراتِ المذكورة أعلاه.
كما أنّ مؤشّرَ الدولار يتحكّمُ في سعر الذهب أيضا، فإذا ارتفعَ سعرُ الفائدةِ زادَ الطلبُ على الدولار، لِجَنْيِ عوائد الفائدة، فينخفضُ سعرُ الذهب، ناهيك عن أنّ ارتفاعَ سعرِ الدولار في الدول الأخرى يُخفِّضُ الطلبَ على الذهب بالعملات المحلية لتلك الدول.
وتلعبُ الصراعاتُ الجيوسياسية دورًا بارزًا في رسم صورة تسعير الذهب عالميا، وفي العادة، ترفعُ هذه الصراعاتُ أسعارَ الذهب، إلّا أنّ الأحداثَ الأخيرةَ في الخليج، رغم خطورتِها، تسبّبتْ بخفضِ أسعار الذهب، والسببُ يعودُ إلى غلقِ مضيق هرمز، وارتفاعِ أسعارِ النفط، الذي شكّلَ ضُغوطاتٍ تضخميةً عالميةً، وبالأخصِّ في أمريكا، وهو ما دفعَ الفيدراليَّ الأمريكيَّ إلى تأجيلِ برنامجه في خفضِ أسعارِ الفائدة حتى نهاية هذا العام، فيما يبدو.
وقد تذبذبتْ أسعارُ الذهبِ خلال الأزمة الخليجية، بين هُدناتٍ وحُروبٍ وتفاهُماتٍ وصِراعاتٍ، مما خلقَ ضوضاءً سعريةً وفوضىً عارمةً، ليس في أسعار الذهب فحسب، وإنما في أسعار كافّة السّلع والخدمات، فضاعَ، على أثرِها، معيارُ التضخّم، وأصبحتْ مهمّةُ البنكِ الفيدرالي صعبةً جدًّا، خاصّةً وأنّ الاقتصادَ الأمريكيَّ يُعاني، إبتداءً، من ركودٍ تَضخّميٍّ مُزمنٍ.
وتسببَ تَريُّثُ البنكِ الفيدرالي في خفضِه لسعر الفائدة بخسائرَ جمّةٍ في الأسواق والبورصات، فانخفضتْ مؤشّراتُها، وتعرّضَتِ المؤسساتُ الكبرى لضغوطٍ ماليةٍ، سواء بسبب خسائر في الأسهم، أو بسبب طلَبات تَخارُجٍ من صناديق الائتمان، أو لالتزاماتِ تمويلٍ عاجِلةٍ، فأصبحتْ أولوياتُها توفيرَ السيولةِ، وفي هذه الحالة لا تستطيعُ هذه المؤسساتُ بيعَ الأصولِ الضعيفة أو القروض غير السائلة بسهولةٍ، أو بيعَ الأسهمِ شديدةِ الارتفاع، لأنّها عمومًا لا تجدُ مشتريًا أو لا تجدُ سعرًا مناسبًا، لذلك فهي تتّجِهُ، بطبيعةِ الحال، إلى بيعِ الذهبِ، لأنّه أصلٌ عالميٌّ، سائلٌ، ومطلوبٌ، ويمكنُ بيعُه بسرعةٍ أشدّ من كثير من الأصول الأخرى، وهذا البيعُ للذهب دفعَ بأسعارِه إلى الانخفاضِ، ورفعَ الطلبَ على الدولار، فارتفعَ مؤشّرُه، وشكَّلَ ضغطًا آخرَ على سعرِ الذهبِ باتّجاهِ النزولِ.
وعلى صعيدٍ آخر، فإنّ الذي يمنعُ سعرَ الذهب من الهبوط هو طلبُ البنوك المركزية العالمية، وبالأخصّ الطلبُ الصينيُّ النشيطُ على الذهب، رغمَ مَبيعاتِ البعضِ منها، وسيبقى هذا الطلبُ مستمرًّا، سواء على المستوى الحكومي أو الأهلي، باعتباره الملاذَ الآمنَ الدائمَ والمضمونَ.
مما سبقَ، يتبيّنُ أنّ الأسواقَ العالمية تُعاني من الضّغوط على سلاسل الإمدادات وبالأخصِّ إمدادات الطاقة والغذاء نتيجةَ الصراعات الجيوسياسية، ومن أزمةِ سيولةٍ دفعتِ المؤسسات إلى بيع أصولِها من الذهب باعتباره الأصلَ الأسرعَ تَسْييلًا، ومن هُلامِيّةِ موقفِ رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي بخصوص معالجة السيولة والتضخم في آنٍ واحدٍ، وهو الموقفُ الصعبُ جدًّا الذي يعيشُه البنكُ الفيدراليُّ.
فقد يقرأُ الرئيسُ الجديدُ "كيفن وارش" أرقامَ التضخّمِ الكلاسيكيةِ المرتَفِعَةِ ويقتنعُ بها، ورغم ذلك يقومُ بخفضِ سعر الفائدة، وبالتالي عليه تَقبُّلُ ما سيلقاهُ من ارتفاعاتٍ جديدةٍ في مُعدّلاتِ التضخّم، وهو بذلك يدفعُ الأسواقَ إلى النشاط، ويرفعُ سعرَ الذهبِ، أو يَتريَّثُ، كما تَريَّثَ الفيدراليُّ في عهد رئيسه السابق، أيضًا، فيستمرُّ الكسادُ ويستمرُّ سعرُ الذهب على وتيرتِه الحاليةِ، من دون أنْ يكونَ هناك علاجٌ ناجعٌ للتضخّم.. وقد يغيّرُ الرئيسُ الجديد للفيدرالي طريقةَ قراءةِ التضخّم فيقرأُه وفقَ "مُؤشِّرُ مَتوسّطِ أسعارِ نَفقاتِ الاستهلاكِ الشخصيِّ المُقَلَّصِ"، فيعتبرُ التضخّمَ قريبًا من الهدفِ المُعلَنِ للفيدرالي، ويشرعُ بخفضِ سعرِ الفائدةِ في المدى القريب، دون تريّثٍ.
هذا هو وضعُ الذهب في الوقت الراهن، ضغوطٌ جيوسياسيةٌ مؤقَّتةٌ، ووجودُ من يَلجأُ لبيعِ الذهب بهدفِ حلِّ مشاكل سيولةٍ طارئةٍ، وإشكالاتُ السيولةِ وسعرُ الفائدة لدى البنك المركزي الفيدرالي، وهو وضعٌ مؤقَّتٌ، سيَتغيَّرُ مع نهاية هذا العام، على اقصى تقدير، وفي المقابل، يُعاني الاقتصادُ الأمريكي من ديونٍ متراكِمَةٍ، وضَعفِ الثقةِ به، وسيعودُ مؤشّرُ الدولار إلى الهبوطِ مع زوالِ أسبابِ ارتفاعِه المؤقّتِ، وستزولُ، بذلك، الضغوطُ المؤقَّتةُ على الذهب، وسيعاودُ الارتفاعَ خلال أشهرٍ، وسيلامسُ سعرُه 5500 دولار للأنصة مع نهاية هذا العام.
ولو قرأْنَا وضعَ الذهب من زاوية أخرى، وهي زاويةُ المَعروضِ النقدي العالمي وإجماليِّ موجوداتِ الذهبِ العالميةِ، وأردْنَا أنْ نتصوّرَ سعرَ الذهبِ على المدى البعيدِ، فإننا نجدُ أنّ المعروضَ النقدي العالمي M2))، حاليًا، هو حوالي 102 تريليون دولار، بينما إجماليَّ الذهبِ الموجودِ عالميا، في الوقت الراهن، هو بحدود (220) ألف طنًّا، وهذا يعني أنّ تسعيرَ كلِّ الذهبِ الموجودِ مقابلَ كاملِ السيولةِ العالمية يُقَيَّمُ نظريًّا بما يُقارب 14000 دولار للأونصة، ولو اعتبرنا أنّ التغطيةَ النقديةَ هي بحدود 50%، فإنّ السعرَ الواقعيَّ للذهبِ، في خلال السنتَين القادمتَين سيكونُ بحدود 7000 دولار للأنصة، خاصّةً إذا بدأَ مؤشّرُ الدولار بالانخفاض، واستمرّتِ البنوك المركزية بالطلب على الذهب، وهذا أمرٌ ممكنٌ جدَّا، بل وحقيقةٌ واقعةٌ، ولو أضفنا إلى ذلك، أنّ النقودَ الورقيةَ تَتِمُّ طباعتُها، وهي في حال زيادةٍ مستمرّةٍ، وانكماشٍ في قُدرتها الشرائية، بينما إنتاجُ الذهبِ يسيرُ بوتيرةٍ مَحدودةٍ جدًّا، وبالتالي يرتفعُ سعرُه بشكلٍ مستمرٍّ ومُطَّرِدٍ.
وخلاصةُ القولِ: أنّ الضغوطَ على الذهب مؤقّتةٌ، وانخفاضَ سعرِه مؤقّتٌ، وأنّ موجاتِ البيعِ من قِبل المؤسساتِ العالمية لأجْلِ توفيرِ السيولةِ السريعةِ ستتوقّفُ، في مقابل ارتفاعِ حجمِ الشراءِ في ظلِّ هذه الأسعارِ المُنخفِضَةِ، وأنّ الطلبَ العالمي على الذهب نشيطٌ، وسيستمرُّ في نشاطه، وأنّ التضخّمَ في أمريكا سيبقَى مُستقِرًّا وغيرَ مُقلِقٍ، وإنْ كانَ بعيدًا عن هدف الفيدرالي، وأنّ مضيقَ هرمز سيعودُ لحالِه الطبيعيِّ، وسينجو الاقتصادُ العالميُّ من حالة التناقُضِ المُصاحِبَةِ للأزمةِ الخيليجية، التي اتَّصَفَتْ بكونِها أزمةً، كانَ من المفروض أنْ ترفعَ سعرَ الذهب، واتَّصفَتْ، في نفس الوقتِ، بكونِها مانعةً لتصدير النفط، والتي رفعتْ سعرَه، وبالتالي تسبَّبتْ برفع معدّلاتِ التضخّم، فضغطتْ على سعر الذهب من خلال ضغطِها على سعرِ الفائدة.
الذهبُ معدنٌ أصيلٌ، وسيَبقى مَلاذًا آمِنًا، رغمَ الأزمات المؤقّتة، لذلك يجبُ أنْ نفهمَه كما هو، ومن خلال البيانات الحقيقية، ومسيرتِه المستقبليةِ، في ظلِّ اقتصادٍ نقديٍّ فَوضويٍّ مَليءٍ بالتناقضات التي غيّرتْ مفاهيمَ بعضِ المبادئِ الاقتصاديةِ الكلاسيكيةِ، بسببِ التداخُلاتِ والتشابُكاتِ الاقتصادية، والجيوسياسية، والاقتصادِ السلوكي عند العامِلين في الأسواق.