احترام الفاسد .. جريمة تسبق الفساد
جلال شيخ علي
الفساد ليس مجرد نص مكتوب في قانون العقوبات، ولا هو رقم في تقارير الشفافية الدولية. الفساد ثقافة تنمو في تربة القبول الاجتماعي، وتتغذى على صمت الناس وتقديرهم الخفي لمن يملك المال والنفوذ مهما كان مصدره.
لذلك فإن الرهان على مواد قانونية وحدها في محاربة الفساد يشبه من يحاول تجفيف مستنقع بملعقة، بينما تتدفق عليه ينابيع جديدة كل يوم.
القانون وحده أعزل أمام مجتمع يصفق للفاسد
القوانين ضرورية، وهي الإطار الذي يضبط العقوبة ويحدد الجريمة. لكن ماذا يحدث عندما يُطبق القانون على شخص، ثم يستقبله المجتمع بالأحضان بعد خروجه من السجن؟ يستقبل بالولائم، وتعقد له الصفقات، ويُنادى بـ "الحاج" تقديرا لثروته.
هنا يفقد القانون هيبته، ويتحول الفاسد من مجرم إلى "شاطر" عرف من أين تؤكل الكتف.
المشكلة الأعمق أن الفساد يصبح وسيلة للصعود الاجتماعي. الشاب يرى أن الموظف النزيه يعيش على راتبه الضئيل، بينما زميله المرتشي يشتري السيارات ويبني البيوت.
الحرب الحقيقية لا تبدأ بتوقيع رئيس على قانون جديد، بل تبدأ في جلسة عائلية عندما ترفض الأم أن تزوج ابنتها لموظف معروف بالرشوة رغم غناه.
تبدأ في المقهى عندما يصمت الجميع إذا دخل الفاسد، فلا يجد من يجامله أو يطلب منه خدمة.
تبدأ في الحي عندما يشار إلى بيت المسؤول بـ "هذا من مال الشعب" بدلاً من "هذا من تعبه وشطارته".
النبذ الاجتماعي هو العقوبة التي لا يمكن للفاسد أن يشتريها أو يتهرب منها.
السجن قد يكون أشهر أو سنوات ثم يخرج ليتنعم بالجزء الاكبر مما سرقه، لكن العزلة الأخلاقية تلاحقه في كل مكان: لا دعوة لعرس، لا احترام في مجلس، لا تزكية في مسجد.
عندما يصبح اسم الفاسد مقرونا بالعار بدل الفخر، يخسر رأسماله الحقيقي المتمثل بمكانته بين الناس.
العقاب المجتمعي للفاسد موجع أكثر من الغرامة.
صحيح ان القانون هو السيف، لكن المجتمع هو اليد التي تمسك به.
سيف بلا يد لا يقطع، ويد تصفق للفاسد ستغمد السيف في غمده. لذلك، لا يمكن القضاء على الفساد بالقانون وحده في مجتمع يحترم ويقدر الفاسد.
لكن في اللحظة التي يتحول فيها الفاسد إلى منبوذ اجتماعي، ينظر إليه باشمئزاز لا بإعجاب، ويعامل كعبء لا كفرصة، في تلك اللحظة فقط يمكن القول بثقة: إن محاربة الفساد قد بدأت فعلا.
وهذه البداية لا تصنعها الحكومات وحدها، بل يصنعها كل فرد قرر ألا يصفق، وألا يجامل، وألا ينسى وٲلا يلتقط صور السيلفي مع الفاسد.