(مقال) الشيخ الزاهد مراد زنگنة.. صوت كربلاء بالكوردية الكلهورية في خانقين
الشيخ مراد زنگنة في ذكراه.. منارة الزهد والعرفان وصوت كربلاء بالكوردية الكلهورية في خانقين
ماجد سوره ميري/ تمرّ علينا اليوم، الثاني عشر من تموز، ذكرى رحيل العالِم الديني والشاعِر العرفاني الكوردي البارز، الشيخ مراد زنگنة (شێخ موراد زەنگەنە)، الذي غيّبه الموت في مثل هذا اليوم من عام 1975م. وتأتي هذه المناسبة لتسليط الضوء على مسيرة حافلة بالعطاء، والتضحية، والزهد، نجح خلالها الراحل في مواجهة التحديات السياسية بصلابة الإيمان، ومداواة جراح مجتمعه ببلسم التسامح والانفتاح الإنساني بعيدا عن التعصب الطائفي والقومي الضيق.
رحلة العلم والجهاد الشخصي
وُلد الشيخ مراد (مراد بن ويس بن مراد زنگنة) في مدينة خانقين عام 1870م لأبوين كورديين. انطلق في مسيرته العلمية من مساجد ومدارس مدينته العريقة على ضفاف نهر الوند، وتتلمذ على أيدي كبار علمائها، ومنهم الشيخ فتاح. ولعمق رغبته في التبحر في العلوم الإسلامية، انتقل إلى الحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف، حيث درس على يد المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد أبي الحسن الموسوي الأصفهاني، وتعمّق في دراسة الفقه، والشريعة، والمنطق، والفلسفة، والعرفان (التصوف الإسلامي).
ورغم مكانته العلمية، تميز الشيخ بزهد شديد ونبل تُرجم في سلوكه اليومي؛ إذ أبى أن يعتمد على المعونات المخصصة لطلبة العلوم الدينية، واختار كسب عيشه من كدّ يده ممتهنا مهنة بسيطة كـ "إسكافي" (تصليح الأحذية). وكان يقسم دخله المحدود مناصفة، فيُقيت نفسه بنصفه، ويوزع النصف الآخر على الفقراء والمحتاجين من أبناء مدينته.
"حسينية المزرعة": منبر للتآخي والوعظ الكوردي
بعد عودته إلى خانقين، أصبح للشيخ ثقل ديني واجتماعي كبير، وكان له الدور الأساسي في تأسيس وإدارة "حسينية المزرعة"، التي تحولت تحت إشرافه إلى مركز للتآخي يجمع شتى الأطياف. وتميز الشيخ بإلقاء المواعظ والخطب الدينية باللغة الكوردية لتفهيم أهل المنطقة، بينما كان يعاونه علماء آخرون يخطبون بالعربية وغيرها، مستندا إلى فكر متسامح يركز على القيم الإنسانية المشتركة.
ولم يكن الشيخ معزولا عن قضايا وطنه؛ إذ دفع ضريبة مواقفه السياسية والوطنية في العهد الملكي بالاعتقال والسجن لمدة عام كامل في مدينة الرمادي، ثم النفي إلى مدينة كركوك بأمر من رئيس الوزراء آنذاك نوري السعيد. وبعد ثورة 14 تموز 1958، واصل نضاله السلمي وانتمى لـ "حركة أنصار السلام" مدافعا عن العدالة الاجتماعية وقيم السلم الأهلي.
النتاج المطبوع: "گوڵزاری کەربەلای عشق"
لطالما ساد الاعتقاد لدى بعض المؤرخين والباحثين بأن إرث الشيخ مراد ظل حبيس الذاكرة الشفاهية؛ إلا أن الوثائق التاريخية الحية تنصف الكبار دائما. إذ يتجلى عمق الشيخ الأدبي والعرفاني في أثره النفيس المطبوع والموثق رسميا: ديوان "گوڵزاری کەربەلای عشق" (گلزار كربلاء العشق) - بجزأين.(تتوفر عندنا نسخة من الجزء الثاني نرفق لها صورة).
ويُعد هذا الكتاب، المرتبط رسميا باسم "حسينية المزرعة في خانقين"، وثيقة تاريخية ولغوية استثنائية تتميز بالآتي:
• تجسيد ملحمة الطف: يضم الكتاب قصائد ومراث بليغة للإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه الذين استشهدوا في معركة الطف، صيغت بروح متصوفة تفيض حزنا وولاء لقيم التضحية والعدالة.
• أصالة اللهجة الكلهورية الخانقينية: كتب الشيخ هذه المراثي والملاحم باللهجة الكوردية الكلهورية (الخانقينية)، ليطوع هذه اللهجة الجنوبية العريقة في تدوين الأدب الديني الالتزامي، رابطا الوجدان الشعبي لأهل المنطقة بقضية كربلاء بلغتهم اليومية المحكية.
• التوثيق التاريخي الرسمي: خرج الكتاب للنور عام 1392 هـ - 1972 م، حيث طُبع في "مطبعة الجمهورية" بمدينة كركوك، وحمل رقم الإيداع الرسمي (755 لسنة 1972) في المكتبة الوطنية ببغداد، تزامنا مع الشعار العالمي لليونسكو آنذاك "سنة الكتاب الدولية".
الكنوز المخفية: مؤلفاته المخطوطة (غير المطبوعة)
إلى جانب أثره المطبوع السالف ذكره، كشفت مصادر توثيقية مؤكدة عن امتلاك الشيخ مراد زنگنة لثروة علمية وأدبية ما زالت محتفظة بشكلها الخطي (كمخطوطات)، وتكشف عن تنوع نتاجه اللغوي بين الكوردية والعربية، وعمق اهتماماته الفقهية والفلسفية، وهي:
* لالەزارى عەشق .. گوڵزارى حيكمەت (مروج العشق ورياض الحكمة): مخطوط شعري وفلسفي يمثل قمة نتاجه العرفاني باللغة الكوردية.
* روضة الايمان وحديقة العرفان: مخطوط مصنف باللغة العربية، يتعمق فيه الشيخ في مسائل السلوك، الإيمان، والتصوف الإسلامي الشامل.
* رسالة الأحكام: كتاب خطّي مصنف باللغة العربية أيضا، ويعد رسالة فقهية وعلمية تبين تبحره في الأحكام الشرعية والفقه الحوزوي.
* أقمار الهداية: أثر خطي قيم يضاف إلى سلسلة نتاجه المعرفي والتوجيهي لأبناء الأمة.
دعوة للحفاظ على التراث
إن سيرة الشيخ مراد زنگنة، المتمثلة في مواقفه الإنسانية الشجاعة، وفي ديوانه النادر "گوڵزاری کەربەلای عشق"، ومخطوطاته الأربعة الثمينة التي لم ترَ النور بعد، تستصرخ اليوم المؤسسات الثقافية، والجامعات، والباحثين في اللسانيات والتراث. إنها دعوة مفتوحة لإعادة تحقيق هذه المجلدات المطبوعة والمخطوطة وتدوينها رقميا ثم طباعتها، ليبقى هذا المنار المعرفي الخانقيني حيا في ذاكرة الأجيال القادمة كرمز للتعايش، والزهد، والأدب الملتزم.