"راتب كامل بلا دوام".. تعديل نيابي يشعل جدلاً بشأن إجازات الموظفين
شفق نيوزـ بغداد
أثار اتفاق اللجنة القانونية النيابية على رفع الراتب الاسمي للموظف خلال الإجازة طويلة الأمد من 50% إلى 100%، جدلاً واسعاً بشأن الآثار المالية والإدارية للمقترح، في وقت يرى مؤيدوه أنه يمنح الموظف مرونة أكبر.
بينما يطرح مختصون تساؤلات بشأن كلفة دفع راتب لموظف لا يؤدي خدمة فعلية، ومصير الدرجة الوظيفية واحتساب مدة الإجازة لأغراض الخدمة والتقاعد.
وقال عضو اللجنة القانونية النيابية محمد جاسم الخفاجي، لوكالة شفق نيوز، إن "اللجنة القانونية اتفقت على تعديل نسبة الراتب الاسمي ضمن مقترح قانون الإجازات طويلة الأمد من 50% إلى 100%، ليكون الراتب الاسمي تاماً".
وأوضح أن "المقترح لا ينبغي اختزاله بموضوع الراتب فقط، إذ توجد تفاصيل تتعلق بمدة الإجازة، والعمل خارج الوظيفة الحكومية، والحقوق الوظيفية والتقاعدية، فضلاً عن الآثار المترتبة على الملاك الحكومي".
وأضاف الخفاجي، أن "الهدف من المقترح هو منح الموظف فرصة للاستفادة من خبرته وقدراته خلال فترة الإجازة، مع الحفاظ على مركزه الوظيفي وفق الضوابط التي سيحددها القانون".
وأشار إلى أن المقترح سيخضع للمناقشة خلال المراحل التشريعية المقبلة، مبيناً أن التفاصيل النهائية ستكون مرتبطة بالنص الذي سيقره مجلس النواب بعد استكمال مراحله القانونية.
رؤية قانونية
من جانبه، قال الخبير القانوني حيدر أنيس الربيعي، لوكالة شفق نيوز، إن "رفع الراتب الاسمي من 50% إلى 100% يغيّر بصورة واضحة المعادلة المالية للمقترح، لأن الدولة ستكون أمام التزام مالي كامل تجاه الموظف خلال مدة لا يؤدي فيها خدمة فعلية".
ووفقاً للربيعي، فإن "حق الموظف في الإجازة يمكن تنظيمه تشريعياً، لكن هذا الحق لا يكون مطلقاً، بل يجب أن ينسجم مع المصلحة العامة واستمرار عمل المرافق الحكومية وحماية المال العام".
وبيّن أن "المشرع مطالب بإجراء دراسة مالية دقيقة قبل إقرار القانون، لمعرفة عدد الموظفين المتوقع استفادتهم من الإجازة، ومدد الإجازات، وحجم الأموال التي ستتحملها الخزينة، فضلاً عن الآثار المستقبلية على نظام التقاعد".
ولفت الربيعي، إلى أن "المشكلة لا تتعلق بالراتب وحده، وإنما أيضاً بالدرجة الوظيفية، فإذا بقيت الدرجة محجوزة لسنوات طويلة فإن ذلك قد يحد من قدرة الدولة على استثمارها في رفد المؤسسات التي تعاني نقصاً في الملاكات".
وتابع قائلاً إن "الوظيفة العامة ليست مجرد مركز مالي، وإنما مسؤولية ترتبط بتقديم خدمة للمواطنين، ولذلك ينبغي أن يحقق أي تشريع توازناً بين حق الموظف والمصلحة العامة".
فرصة للتغيير ولكن بشروط
في المقابل، ينظر عدد من الموظفين إلى المقترح باعتباره فرصة للاستفادة من سنوات الإجازة في ظروف شخصية أو مهنية مختلفة.
وقال الموظف الحكومي علي حامد، لوكالة شفق نيوز، إن "منح الموظف راتباً اسمياً كاملاً خلال الإجازة يمكن أن يكون خطوة جيدة لمن لديهم ظروف خاصة أو يرغبون بخوض تجربة مهنية خارج القطاع الحكومي".
وبحسب حديث الموظف، فإن الأهم من نسبة الراتب هو وضوح القانون، خصوصاً ما يتعلق بحق العودة إلى الوظيفة، والدرجة الوظيفية، والترفيع، واحتساب مدة الإجازة.
وأوضح حامد، أن "الموظفين بحاجة إلى معرفة ما إذا كانت الإجازة ستكون متاحة لجميع الموظفين بالشروط نفسها، أم ستخضع لموافقات وإجراءات خاصة بحسب حاجة الدائرة والملاك الوظيفي".
من جانبها، قالت الموظفة سندس جليل، لوكالة شفق نيوز، إن "رفع الراتب الاسمي إلى 100% سيجعل المقترح أكثر جذباً للموظفين، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى ضوابط دقيقة حتى لا تتحول الإجازة إلى حالة مفتوحة من دون تحديد واضح للحقوق والواجبات".
وأشارت إلى أن "الموظف يريد ضمانات بشأن مستقبله الوظيفي، خصوصاً إذا استمرت الإجازة لسنوات، وكذلك معرفة آلية العودة إلى الوظيفة وما إذا كانت الدرجة والترفيع والحقوق التقاعدية ستبقى محفوظة".
التضخم وتكافؤ الفرص
ويأتي المقترح في ظل نقاش مستمر حول حجم الجهاز الحكومي، إذ يرى مؤيدون أن منح الموظفين فرصة للعمل في القطاع الخاص يمكن أن يخفف الضغط عن بعض المؤسسات التي تعاني فائضاً في أعداد الموظفين، ويتيح للقطاع الخاص الاستفادة من خبراتهم.
لكن في المقابل، يرى مختصون أن نجاح الفكرة يتوقف على كيفية إدارة الدرجات الوظيفية أثناء الإجازة، خصوصاً إذا كانت مدة الإجازة طويلة ولا توجد حاجة فعلية إلى عودة الموظف إلى دائرته خلال تلك الفترة.
ورأى الخبير القانوني، أن "حماية المركز الوظيفي للموظف لا ينبغي أن تكون سبباً في تعطيل فرص الآخرين، ولذلك يجب أن تكون هناك ضوابط واضحة بشأن الدرجة الوظيفية خلال فترة الإجازة".
ويعتقد الربيعي أن الإجازة طويلة الأمد يمكن أن تكون جزءاً من إصلاح إداري أوسع، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن إعادة هيكلة الجهاز الحكومي.
وختم حديثه بالإشارة إلى أن "التشريع الجيد هو الذي يحدد الحالات التي يجوز فيها منح الإجازة، ومدتها، وآثارها المالية والتقاعدية، وآلية العودة إلى الوظيفة، فضلاً عن منع تضارب المصالح واستغلال المركز الوظيفي".
الراتب الكامل.. نقطة التحول
ويبدو أن تعديل نسبة الراتب من 50% إلى 100% سيكون من أبرز نقاط الجدل خلال مناقشة القانون، بعدما كان المقترح في صيغته السابقة يمنح الموظف نصف راتبه الاسمي.
فمن جهة، يمكن أن يمنح الراتب الكامل الموظف أماناً مالياً أكبر خلال فترة الإجازة، ومن جهة أخرى يرفع الالتزام المالي على الدولة، ما يجعل عدد المستفيدين ومدد الإجازات وآلية احتساب الخدمة عوامل حاسمة في تحديد الكلفة النهائية.
كما أن استمرار صرف الراتب، في حال إقرار النص بهذه الصيغة، يفرض على الجهات المختصة تحديد مصادر التمويل وعدم تحميل الموازنة العامة التزامات مالية غير محسوبة.
وبينما يرى مؤيدو المقترح أنه يمنح الموظف خياراً جديداً ويتيح له خوض تجربة مهنية خارج الوظيفة الحكومية، يحذر منتقدوه من أن يتحول إلى وسيلة لتجميد الدرجات الوظيفية واستمرار الإنفاق العام من دون خدمة فعلية.
وفي المحصلة، سيكون التحدي أمام المشرع هو الوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين حق الموظف، وحاجة الدولة إلى إصلاح ملاكها، وتكافؤ الفرص، واستمرار المرافق العامة، وحماية المال العام.
فالراتب الاسمي الكامل قد يجعل الإجازة أكثر جاذبية للموظفين، لكنه في الوقت نفسه يجعل مسؤولية المشرع أكبر في وضع ضوابط دقيقة تمنع تحول الإجازة طويلة الأمد إلى وظيفة مجمدة وراتب مستمر، وتضمن أن يكون التشريع أداة للإصلاح الإداري لا عبئاً جديداً على الخزينة العامة.