63 اتفاقاً في جولات الزيدي الخارجية.. ماذا جنى العراق فعلياً؟

63 اتفاقاً في جولات الزيدي الخارجية.. ماذا جنى العراق فعلياً؟
2026-09-15T15:00:13+00:00

شفق نيوز- بغداد

منذ توليها مهامها في 14 أيار/ مايو الماضي، أبرمت حكومة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي 63 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة خلال جولاتها الخارجية التي شملت ست دول، تركزت غالبيتها في قطاعات الاقتصاد والطاقة والنقل والدفاع والتكنولوجيا والاستثمار، في إطار مساعٍ لتعزيز التعاون والعلاقات مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

وبدأت الجولة بالولايات المتحدة، خلال الزيارة التي جرت بين 13 و17 تموز/ يوليو 2026، وشهدت توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة بين مؤسسات عراقية وأميركية، في قطاعات النفط والطاقة والكهرباء والصناعة والتكنولوجيا والاتصالات والمال والزراعة والتعليم والصحة، وبقيمة معلنة تتجاوز 60 مليار دولار.

 ثم زار الزيدي قطر في 19 تموز/ يوليو، حيث بحث مع أمير البلاد تميم بن حمد آل ثاني الشراكة الثنائية والتطورات الإقليمية، من دون أن تُسجل في تلك الزيارة توقيع وثائق جديدة.

وفي 23 تموز/ يوليو توجه إلى إيران، حيث وُقعت 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم في النقل والشحن والسكك الحديدية والتوأمة بين بغداد وطهران وتطوير الموارد البشرية.

وفي 28 تموز/ يوليو حط في تركيا، حيث ارتفعت الحصيلة إلى 5 مذكرات تفاهم شملت التعليم والتدريب الأكاديمي الشرطي، والشباب والرياضة، والملكية الصناعية، والنقل بالسكك والطرق، وتطوير البنية التحتية للنقل مقابل الموارد الطبيعية.

وبعد ذلك انتقلت الجولة إلى أوروبا، إذ زار فرنسا يومي 13 و14 أيلول/ سبتمبر الجاري، وشهدت باريس، أمس الاثنين، توقيع 6 مذكرات تفاهم وإعلانات نوايا وبروتوكولات تعاون في الدفاع الجوي والمعدات العسكرية والشباب والبحث والابتكار والتنمية والطاقة والطيران المدني، بينها بروتوكول لتجهيز وبيع الغاز بين وزارة الكهرباء وشركة توتال إنيرجيز.

أما ألمانيا، التي وصل إليها الزيدي اليوم الثلاثاء، فهي المحطة الأحدث في الجولة الأوروبية، وسط توقعات بصياغة مذكرات تفاهم مرتقبة مع شركة سيمنز لتطوير شبكات نقل الطاقة الكهربائية، إلى جانب تفاهمات تخص النقل السككي والمصانع الثقيلة.

تحدي الانتقال للتطبيق

وعن مدى فاعلية هذه الاتفاقيات وقدرتها على التحول إلى نتائج ملموسة على الأرض، يقول عضو لجنة العلاقات الخارجية النيابية، مختار الموسوي، إن العراق "لم يلمس أي شيء" من الزيارات الدولية السابقة لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي.

ويبين الموسوي، لوكالة شفق نيوز، أن الاتفاقيات المبرمة في قطاعات الطاقة والأسلحة والنفط وغيرها تصطدم بغياب الاستمرارية والمتابعة، ما حال دون تحقيق مكاسب ملموسة للمواطن العراقي.

وفي قراءة أكاديمية، الباحث في الشأن محلي، حيدر شلال متعب، أن كثرة الاتفاقيات تمثل مؤشراً على اتساع الحركة الدبلوماسية العراقية وانفتاح بغداد على محيطها الإقليمي والدولي، لكنه يشدد على أن القيمة الحقيقية لا تقاس بعدد الوثائق، وإنما بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة تخدم المصالح العراقية.

ويقول متعب لوكالة شفق نيوز، إن الدبلوماسية العراقية نجحت نسبياً في توسيع شبكة العلاقات وفتح قنوات سياسية واقتصادية وأمنية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من "مرحلة توقيع الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ والمتابعة والتقييم".

ويحذر من أن بعض الاتفاقيات قد تبقى في إطار المذكرات والبروتوكولات ما لم تقترن ببرامج تنفيذية وجداول زمنية وآليات واضحة للمساءلة، مبيناً أن تحقيق المكاسب الاقتصادية يتطلب ربط الاتفاقيات بحاجات العراق الفعلية، ولا سيما في الاستثمار والطاقة والنقل والتكنولوجيا وتنويع مصادر الدخل، بينما تحتاج الاتفاقيات السياسية والأمنية إلى قراءة دقيقة لموازين القوى حتى لا يتحول العراق إلى ساحة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

ويرى متعب، أن الإعلام نفسه يجب ألا يتوقف دوره عند إعلان مراسم التوقيع، بل يتعين عليه متابعة نسب الإنجاز وحجم المكاسب والخسائر وانعكاس الاتفاقيات على المواطن والاقتصاد، مؤكداً أن قوة الدبلوماسية العراقية في المرحلة المقبلة ستقاس بقدرتها على تحويل الوثائق السياسية إلى مشاريع قابلة للقياس، مع الحفاظ على استقلال القرار والسيادة والمصلحة الوطنية.

فجوة التنفيذ

من جانبه، يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الموصل، فراس إلياس، إن العراق نجح جزئياً في تحويل بعض اتفاقياته الدولية إلى مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية، لكنه لم ينجح حتى الآن في تحويل مجمل الاتفاقيات إلى نتائج مستدامة على الأرض.

ويشير إلياس خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن الشراكات الدولية أسهمت في توسيع شبكة علاقات العراق وتنويع شركائه، كما وفرت اتفاقيات الطاقة والنقل والربط الكهربائي وطريق التنمية والاستثمار فرصاً لإعادة إدماج العراق في الاقتصاد الإقليمي، فضلاً عن استفادة المؤسسات الأمنية من التعاون الدولي في مجالات مكافحة الإرهاب والاستخبارات وأمن الحدود.

لكن أستاذ العلاقات الدولية يضع إصبعه على الفجوة بين ما يسميه "دبلوماسية التوقيع" و"دبلوماسية التنفيذ"، عازياً تعثر عدد من الاتفاقيات إلى البيروقراطية وتغير الحكومات والأولويات وضعف البيئة الاستثمارية وتعدد مراكز القرار، فضلاً عن تأثير الأزمات الداخلية والتوترات الإقليمية.

ويتابع قائلاً إن الشركاء الدوليين لا ينظرون إلى توقيع الاتفاق مع الحكومة العراقية باعتباره ضمانة كافية، بل يبحثون عن استقرار سياسي وأمني وتشريعي يحمي استثماراتهم ويضمن استمرار المشاريع.

ولذلك، فإن استعادة الثقة الخارجية لا تتحقق بمجرد توقيع مذكرات التفاهم، وإنما بقدرة الدولة على تحويلها إلى سياسات ومشاريع قابلة للقياس، وفقاً للياس.

مذكرات غير ملزمة

أما الأكاديمي والباحث السياسي، خالد العرداوي، فيرى أن المشكلة تبدأ من طبيعة غالبية الوثائق نفسها، موضحاً أن "معظم ما يوقع هو مذكرات تفاهم"، وهي في جوهرها إعلان نوايا للتعاون ولا تتضمن بالضرورة التزامات تعاقدية ملزمة لا يمكن التخلص منها قانونياً.

وخلال حديثه لوكالة شفق نيوز، يلفت العرداوي، إلى أن ما وقع في فرنسا، أمس الاثنين، مثال واضح على ذلك، إذ إن غالبية الوثائق كانت مذكرات تفاهم وإعلانات نوايا في مجالات الشركات والدبلوماسية والدفاع، متسائلاً عما يضمن انتقال هذه المذكرات لاحقاً إلى اتفاقيات ملزمة بين الطرفين.

ويوضح أن تحويل هذه التفاهمات إلى التزامات فعلية يحتاج إلى إرادة سياسية واستعداد من جميع الأطراف، لكنه يعتقد أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في الدول الأخرى، بقدر ما ترتبط بالوضع السياسي العراقي، حيث يصف البيئة السياسية والأمنية بأنها تفتقر إلى وحدة القرار المطلوبة.

وبحسب العرداوي، فإن عدم الاستقرار والفساد والمحاصصة والصراعات السياسية تجعل بعض الدول مترددة في تحويل مذكرات التفاهم إلى اتفاقيات ملزمة، خشية الدخول في التزامات لا تستطيع بغداد تنفيذها لاحقاً.

كما يضيف أن بعض الدول قد تجد في الظروف الداخلية العراقية مبرراً لتأجيل تنفيذ الاتفاقيات أو تعليقها، الأمر الذي أبقى أطر تعاون عديدة "حبراً على ورق".

ووفقاً للعرداوي، فإن مذكرات التفاهم قد تتحول في بعض الأحيان إلى أدوات للمجاملة الدبلوماسية خلال زيارات المسؤولين، ما لم تتبعها إجراءات قانونية وتنفيذية واضحة، مشيراً في الختام إلى أن الصراع السياسي الداخلي والتجاذبات الإقليمية والدولية تلقي بظلالها على قدرة العراق على الوفاء بالتزاماته الخارجية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon