طوق حماية يواجه غزو الجفاف.. تحديات الحزام الأخضر بالعراق
حملة تشجير شعبية/ عدسة وكالة شفق نيوز
شفق نيوز- بغداد
يبرز مشروع الحزام الأخضر الذي انطلق عام 2015 في العراق، كحل بيئي واستراتيجي لمحاربة التصحر وتحسين المناخ المحلي في مدن البلاد، لكنه يواجه تحديات كبيرة مرتبطة بندرة المياه والإدارة المستدامة.
وكانت بغداد وبقية المدن الكبرى على مدى عقود، محاطة بأحزمة طبيعية من البساتين والحقول الزراعية، تشكلت عبر قرون من الزراعة التقليدية، لتعمل كدرع واق ضد العواصف الترابية والرياح القادمة من الصحاري الغربية والجنوبية.
ومع توسع العمران والتحويل غير المنظم للأراضي الزراعية إلى مجمعات سكنية، ونتيجة للإهمال وسوء الإدارة والفساد، فقدت العاصمة العراقية الكثير من غطائها الأخضر، وأصبح السكان عرضة مباشرة لموجات الغبار، ما انعكس على الصحة العامة وتراجع الإنتاج الزراعي وزاد من تفشي التصحر.
وبناءً على ذلك، تشير وزارة الزراعة وخبراء بيئيون إلى أن المشروع ليس مجرد تشجير، بل منظومة بيئية متكاملة يمكن أن تخفف آثار التغيرات المناخية، وتحسن صحة السكان وتدعم الاقتصاد المحلي وتؤمن بيئة زراعية مستدامة للأجيال القادمة.
تحرك حكومي
وفي هذا السياق، يؤكد وكيل وزارة الزراعة العراقية، مهدي الجبوري، أن الوزارة تعمل على عدة مشاريع استراتيجية تهدف لاستدامة الحزام الأخضر ومكافحة التصحر.
ويوضح الجبوري لوكالة شفق نيوز، أن "أحد هذه المشاريع يركز على تثبيت الكثبان الرملية وحماية الطريق الرابط بين محافظات المثنى وذي قار والديوانية، واستزراع المناطق المحيطة بها وتحويلها إلى أراض زراعية، حيث تم اختيار أشجار قادرة على التكيف مع الظروف المناخية والبيئية باستخدام طرق ري حديثة".
ويضيف أن هناك مشروعاً آخر يهدف إلى توسعة مساحات الواحات الصحراوية لتعزيز الغطاء النباتي، مشدداً على أن هذه الجهود تتطلب تنسيقاً بين وزارات الزراعة والبيئة والموارد المائية، بالإضافة إلى دعم المنظمات الدولية، مؤكداً أن نجاح المشاريع يعتمد على العمل المشترك والمستمر بين جميع الجهات المعنية.
رؤية فنية
وعلى المنوال نفسه، يبين الخبير الزراعي خطاب الضامن، أن الحزام الأخضر هو غطاء نباتي دائم حول المدن، يشمل الأشجار دائمة الخضرة التي تزرع بشكل كثيف ودائري، لتكون بمثابة مصد طبيعي للرياح والعواصف الترابية.
ويقول الضامن لوكالة شفق نيوز، إن "الغطاء النباتي يقلل درجات الحرارة بمقدار درجتين إلى خمس درجات مئوية، كما يحد من شدة الرياح، ويعمل على صد الأتربة والغبار، وبالتالي له فوائد بيئية كبيرة تخدم الصحة العامة وتساهم في مواجهة التغيرات المناخية".
ويشير إلى أن الحزام الأخضر يمكن أن يكون مزروعاً بأشجار مثمرة مثل النخيل والحمضيات، ما يوفر مردوداً اقتصادياً إضافياً، ويخلق فرص عمل للمزارعين والقائمين على الزراعة وإدامتها وجني الثمار وتسويقها.
وبحسب الخبير، فإن "هذه الأشجار دائمة الخضرة مقاومة للجفاف وتحتاج إلى كميات مياه أقل، وبالتالي يمكن أن تكون حلاً عملياً واقتصادياً في ظل ندرة الموارد المائية".
جذور تاريخية
يشار إلى أن الحزام الأخضر ليس فكرة جديدة، فقد طرحت في سبعينيات القرن الماضي بدعم من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، لكنه تأثر بالحروب المتعاقبة في العراق، بما فيها الحرب العراقية–الإيرانية وحرب الخليج الأولى.
وبعد ذلك تراجع المشروع خلال العقود الماضية بسبب التحولات العمرانية وتجريف البساتين وتحويل الأراضي الزراعية إلى مجمعات سكنية واستثمارات، وهو ما أفرغ بغداد والمدن الكبرى من غطائها النباتي الطبيعي.
وفي الوقت الحالي، يواجه الحزام الأخضر عدة عقبات رئيسية، منها نقص المياه والإدارة غير الفاعلة وغياب الاستمرارية في متابعة الأشجار بعد زراعتها.
وأثبتت تجارب سابقة، أن أي مشروع تشجير كبير في العراق يحتاج إلى مراقبة مستمرة وعناية دائمة بالأشجار، وإلا فإن الإهمال سيؤدي إلى موتها وفشل المشروع، كما حصل مع عدة مشاريع بيئية سابقة، وفقاً لمراقبين.
ويشير خبراء بيئيون، إلى أن الاعتماد على مياه الصرف الصحي المعالجة وحدها لن يكون كافياً في ظل الأزمة المائية الحادة التي يمر بها العراق، حيث انخفضت مناسيب الأنهار بشكل غير مسبوق، وفقدت البلاد نحو 30% من أراضيها الزراعية خلال الثلاثين عاماً الماضية.
أزمة مائية
وفي هذا الجانب، يحذر عضو مرصد "العراق الأخضر"، المتخصص بشؤون البيئة، عمر عبد اللطيف، من أن نقص المياه يشكل التحدي الأكبر أمام نجاح المشروع.
ويقول عبد اللطيف لوكالة شفق نيوز: "كان من الممكن تنفيذ المشروع قبل حوالي 15 عاماً، عندما كانت الموارد المائية متوفرة، لكن الآن حتى لو زرعت أشجار مقاومة للحرارة والجفاف، فإنها تحتاج من 7 إلى 10 سنوات لتصبح مصدات فعالة للرياح".
ويتابع: "يمكن الاعتماد على طرق ري حديثة مثل التنقيط، لكن الوقت الطويل لنمو الأشجار والموارد المحدودة يشكلان مشكلة كبيرة، لذلك يجب دراسة حلول إضافية، مثل الاستمطار الصناعي لتقليل العواصف الترابية".
ويلفت عبد اللطيف، إلى أن المناطق المستهدفة بالحزام الأخضر تتوزع في محافظات البصرة وذي قار والمثنى والديوانية وواسط والأنبار، باعتبارها بؤراً لانطلاق العواصف الترابية والغبارية.
ويرى أن "وجود الحزام الأخضر حول هذه المناطق يمكن أن يقلل شدة العواصف كلما اتجهت نحو الوسط والشمال، ويشكل حماية طبيعية للمدن والزراعة والبيئة".
يذكر أن العراق يعاني من نقص حاد في الموارد المائية، مع انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات، وجفاف امتد على مدى أربع سنوات، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وزيادة التصحر وفقدان جزء كبير من الأراضي الزراعية.
ودفعت هذه الظروف الحكومة العراقية إلى تقليص الخطة الزراعية إلى 4.5 ملايين دونم في الموسم الشتوي 2025–2026 مقارنة بـ4.8 ملايين في 2024–2025، مع اعتماد 78% على المياه الجوفية، ما يعكس حجم التحديات المائية وتأثيرها على الأمن الزراعي والغطاء النباتي في البلاد.