صدمة اقتصادية.. قصة الضرائب وتأثيراتها على العراقيين

صدمة اقتصادية.. قصة الضرائب وتأثيراتها على العراقيين
2026-01-09T10:31:08+00:00

شفق نيوز- بغداد

أعادت قرارات الضرائب والرسوم الجمركية التي جرى تطبيقها مؤخراً في العراق فتح ملف الإصلاح المالي والاقتصادي على نطاق واسع، وسط جدل شعبي وتجاري متصاعد بين من يراها ضرورة لا مفر منها لسد العجز المالي، ومن يحذر من آثارها التضخمية وانعكاساتها المباشرة على معيشة المواطنين واستقرار السوق.

وبين النفي الحكومي لفرض "ضرائب جديدة" والتأكيد على أن ما يجري هو تنظيم للجباية عبر أنظمة إلكترونية حديثة، تتقاطع آراء الخبراء بين داعم متحفظ وناقد متشائم.

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه الاقتصاد العراقي من اختلالات هيكلية متراكمة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق التشغيلي وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب بيئة إقليمية ودولية مضطربة تشهد انكماشاً اقتصادياً وحروباً تجارية انعكست على سياسات الرسوم والضرائب في العديد من الدول.

دوافع القرار

وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي أسامة التميمي، أن الحكومة تلجأ إلى فرض الضرائب بوصفها أحد الحلول لمعالجة شحة الإيرادات العامة وعدم قدرة العوائد النفطية على تغطية الإنفاق العام، مشيراً إلى أن تعظيم الإيرادات غير النفطية بات خياراً مطروحاً بقوة في مقدمتها الضرائب.

ويبين التميمي في حديثه لوكالة شفق نيوز أن الضرائب الأخيرة شملت الذهب ومستوردات السيارات الكهربائية والسيارات التي تعمل بالبنزين، فيما أُثيرت "تسريبات" عن شمول الأدوية بنسب محدودة، إلا أن وزارة الصحة نفت ذلك.

ويؤكد أن الحكومة لا يمكن أن تتجه إلى فرض ضرائب على المواد الغذائية لأنها تمس قوت المواطن وحياته اليومية بشكل مباشر، لا سيما في ظل سعي الدولة إلى تأمين البطاقة التموينية لضمان حد أدنى من العيش لمختلف الطبقات الاجتماعية.

النفي الرسمي

من جانبه، يؤكد عضو مجلس النواب العراقي أحمد كريم الدلفي أنه "لا توجد ضرائب جديدة على السلع المستوردة في الوقت الحاضر"، موضحاً أن ما يجري هو "استيفاء أمانات ضريبية وتحويلها لاحقاً إلى ضرائب من خلال نظام الأسيكودا".

ويشدد الدلفي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز على رفضه القاطع فرض أي ضرائب على السلع والخدمات الأساسية للمواطنين بمختلف المجالات، في موقف ينسجم مع التصريحات الحكومية الأخيرة التي نفت فرض رسوم أو ضرائب جديدة، وأرجعت الجدل الدائر إلى تداول مقاطع قديمة أو سوء فهم لطبيعة الإجراءات الجديدة.

السياق الجمركي

أما الخبير الاقتصادي صفوان قصي، فيضع ما يجري في العراق ضمن سياق اقتصادي عالمي أوسع، مشيراً إلى أن العالم يشهد نوعاً من الانكماش، بالتزامن مع شروع الإدارة الأميركية منذ منتصف العام الماضي بفرض رسوم جمركية على الواردات الأجنبية، وما رافق ذلك من حروب تجارية متبادلة بين الولايات المتحدة والصين وكندا واليابان، فضلاً عن مراجعة دول الخليج وغيرها لسياسات الرسوم باعتبارها أسواقاً دولارية.

ويضيف قصي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز أن العراق، مع تطبيق منظومة الأسيكودا في جميع المنافذ الحدودية، لن يسمح بخروج الدولار إلا للأغراض الرسمية والتجارية المشروعة، مبيناً أن هذا النظام يسهم في الحد من التهرب الجمركي والتلاعب بقيم الفواتير وتسديد مستحقات غير شرعية لسلع كانت تدخل البلاد دون غطاء قانوني.

ويقر قصي بوجود تحدٍ حالي يتمثل بمحاولات بعض التجار غير النظاميين إشاعة مخاوف من ارتفاع الأسعار والإضرار بالمستهلك، مشيراً إلى أن ارتفاعاً محدوداً قد يحدث، لكنه يدعو التجار النظاميين إلى الاعتماد على الدولار الرسمي عبر المنصة الإلكترونية لتغطية الاستيراد، بما يخفف الضغط على السوق.

كما يؤكد قصي أن احتياطي البنك المركزي العراقي هو الأعلى في تاريخه وقادر على الدفاع عن سعر صرف الدينار ولا توجد مخاوف من انقطاع الإمدادات، شرط دعم التنظيم الاقتصادي للقطاع التجاري والحد من المضاربات.

صدمة الإصلاح

بدوره يرى الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه أن ارتفاع الأسعار والضرائب التي طُبقت مؤخراً تمثل إجراءً إصلاحياً كان يفترض اتخاذه قبل نحو عشر سنوات، واصفاً إياه بالإجراء "المتأخر".

ويشير عبد ربه خلال حديثه لوكالة شفق نيوز إلى أن تطبيق الإجراء كاملاً قد يحقق إيرادات تصل إلى نحو 7 تريليونات دينار لخزينة الدولة، إلا أن المشكلة تكمن في عدم تطبيقه بشكل شامل على جميع المنافذ الحدودية.

ويؤكد أن العراق بحاجة ماسة إلى المضي بإصلاحات اقتصادية، حتى وإن كانت غير مريحة للمواطنين، مذكّراً بأن الحكومات السابقة أثقلت الاقتصاد بأعباء مالية غير مفيدة وغير منتجة.

ويحذر من أن تجاهل الإصلاح قد يقود خلال السنوات المقبلة إلى عجز الحكومة عن توفير رواتب الموظفين، ما يجعل الإصلاح الاقتصادي "ضرورة لا خياراً".

ويلفت إلى أن تطبيق النظام الضريبي الجديد اعتباراً من 1 كانون الثاني/ يناير 2026، وشموله فرض ضرائب متباينة على نحو 6 آلاف سلعة مستوردة، أحدث صدمة في السوق، إذ أوقف بعض التجار بيع بضائعهم ترقباً لارتفاع الأسعار، فيما امتنع آخرون عن الاستيراد بانتظار اتضاح الصورة، ما أدى إلى اندفاع على العملة الصعبة ولجوء بعضهم إلى السوق الموازية وارتفاع الأسعار.

لكن عبد ربه يتوقع أن يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، خصوصاً بعد بيان البنك المركزي الأخير الذي أكد استقرار سعر صرف الدولار الموازي وعدم إمكانية التلاعب به.

تضخم وفوضى

في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان قراءة أكثر تشاؤماً، محذراً من أن هذه الضرائب تخلق تضخماً نقدياً يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، في حين سيكون من الصعب إعادة خفضها لاحقاً.

ويصف أنطوان خلال حديثه لوكالة شفق نيوز ما يجري بأنه "مضاربة مغلفة"، مشيراً إلى أن الارتفاع الحالي في الأسعار لا يستند إلى مبررات اقتصادية حقيقية، بل استغله المضاربون، وأن ارتفاع الدولار هو جزء من هذه العملية.

ويؤكد في النهاية أن القوة الشرائية للمواطنين منخفضة أصلاً، في وقت تعاني فيه الحكومة من ديون مثقلة، متوقعاً استمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار في المدى المنظور ما لم تُعالج الأسباب الهيكلية للأزمة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon