شفق نيوز تقطع الصحراء العراقية.. كيف يدار الأمن فيها؟

شفق نيوز تقطع الصحراء العراقية.. كيف يدار الأمن فيها؟
2026-08-21T19:59:17+00:00

شفق نيوز- بغداد/ النجف/ المثنى/ الأنبار

حين تغادر المدينة وتتجه نحو البادية، تتجرد تدريجياً من كل ما اعتدت عليه من وسائل التواصل، فلا شبكة إنترنت، ولا اتصالات هاتفية، ولا خدمات ترافقك في الطريق، لكن هناك شيئاً لا يمكن الاستغناء عنه في البادية، حيث عيون الصحراء، وهم الأدلاء الذين يعرفون دروبها ومسالكها، ويقودونك بأمان بين الوديان والهضاب والطرق التي قد تبدو للغريب متشابهة ولا نهاية لها.

ومن هنا بدأت وكالة شفق نيوز رحلتها في أعماق البادية العراقية، إذ جابت مساحات واسعة تمتد من بادية قضاء الرطبة ومنطقة النخيب في محافظة الأنبار، وصولاً إلى قضاء نقرة السلمان في محافظة المثنى، مروراً ببادية النجف ومنطقة الشبكة، للوقوف على طبيعة الحياة فيها وكيفية إدارة الملف الأمني في هذه المساحات الصحراوية الشاسعة.

وتفرض هذه الجغرافيا المفتوحة نمطاً أمنياً مختلفاً عن المدن، إذ تعتمد القوات على الانتشار في عمق الصحراء، والسواتر والخنادق، ونقاط المرابطة والتدقيق، إلى جانب الدوريات والعمليات الاستباقية والاستطلاع الجوي، في محاولة لمراقبة مساحات شاسعة تتباعد فيها النقاط الأمنية والطرق المعبدة.

بادية النجف

في بادية النجف، تمتد المسؤولية الأمنية على محور صحراوي يبدأ من الحد الفاصل مع محافظة كربلاء وصولاً إلى الحد الفاصل مع محافظة الديوانية، فيما يتوغل عمق الانتشار باتجاه منطقة الشبكة وسط البادية.

وقال مدير أركان فرقة الإمام علي القتالية التابعة للحشد الشعبي، هادي الخفاجي، لوكالة شفق نيوز، إن قوات الحشد تمسك محور الصحراء وبادية النجف بطول نحو 155 كيلومتراً، وبعمق يصل إلى منطقة الشبكة وسط البادية.

وأوضح أن مساحة حوض البادية تبلغ نحو 38 ألف كيلومتر مربع، مبيناً أن الجانب الشرقي ممسوك من قبل الحشد الشعبي، فيما يمسك الجانب الغربي المحاذي للحدود السعودية اللواء 12 في حرس الحدود، بينما تمتد صحراء الأنبار من جهة الشمال.

ولا تقتصر عملية التأمين على انتشار القطعات، إذ أشار الخفاجي إلى وجود خندق وساتر أمني بطول 155 كيلومتراً، تنتشر على امتداده نقاط مرابطة، وتتولى فرقة الإمام علي (ع) القتالية مسؤولية مسك الخندق.

وأكد أن الموقف الأمني في المنطقة "جيد"، مشيراً إلى تنفيذ عمليات استباقية أسبوعية ضمن برنامج أمني معد بالتنسيق بين فرقة الإمام علي القتالية وقيادة شرطة محافظة النجف.

ويخضع حوض البادية إلى جولات أمنية منظمة أربع مرات شهرياً لتفتيش المحور ومراقبة المناطق الصحراوية.

9 معابر

وعلى أطراف بادية النجف، توجد تسعة معابر تربط الصحراء بمدينة النجف، وتتحول هذه المنافذ إلى نقاط أساسية لتدقيق حركة الداخلين والخارجين.

وقال الخفاجي إن القوات تتولى عبر هذه المعابر تدقيق وتفتيش جميع المارين، بمن فيهم رعاة الأغنام والمزارعون والسياح.

وأضاف أن أي شخص يرتاد محور البادية لأغراض الزراعة أو الرعي أو السياحة يتم فتح ملف خاص له يتضمن معلومات عن محل سكنه وإجراءات التدقيق الأمني الخاصة به.

من بادية النجف، تتصل الصحراء باتجاه المثنى، حيث تتخذ الإجراءات الأمنية شكلاً آخر مع تشكيل قيادة عمليات البادية بقيادة اللواء الركن عماد المالكي.

وبحسب مصدر أمني تحدث لوكالة شفق نيوز، تضم القيادة ثلاثة ألوية، وتتولى مسؤولية تأمين بادية قضاء السلمان وناحية بصية في المثنى، فضلاً عن بادية الشبكة التابعة لمحافظة النجف.

وتشمل مهام القيادة تأمين المناطق الصحراوية ونشر القطعات على الطرق والمسالك، ومن بينها الطريق المؤدي إلى منفذ جميمة الحدودي مع السعودية، الذي ما يزال قيد الإنشاء، إلى جانب الاستعانة بالطيران المسلح وطيران الاستطلاع لمراقبة البادية، ويتمركز مقر قيادة عمليات البادية في القرية العصرية التابعة لقضاء السلمان.

الرطبة

وتُعد بادية نقرة السلمان واحدة من أكبر المساحات الصحراوية في محافظة المثنى، وتمتد على رقعة واسعة تزخر بإمكانات وموارد يمكن أن تشكل مقومات مهمة للتنمية والاستثمار، ولا سيما في القطاعات الزراعية والصناعية والنفطية

وكلما اتجهت الرحلة غرباً، تبدو معادلة البادية أكثر اتساعاً وتعقيداً، فبادية قضاء الرطبة في غرب الأنبار تمتد، وفق الإدارة المحلية، على مساحة تقدر بنحو 90 ألف كيلومتر مربع، بالقرب من الحدود السورية والسعودية، وتشهد طرقاً ومحاور استراتيجية تربط العراق بدول الجوار.

ورغم المساحة الشاسعة، يؤكد قائممقام الرطبة عماد الدليمي أن الوضع الأمني في حدود القضاء وغرب الأنبار "مستقر منذ سنوات"، مع استمرار القوات الأمنية بتنفيذ عمليات مداهمة وتمشيط وملاحقة للخلايا الإرهابية ومراقبة الحدود.

ويقول الدليمي إن المؤشرات الحالية لا تدل على وجود نشاط إرهابي واسع، مشيراً إلى أن ما قد يوجد من مفارز محدودة لا يتجاوز في بعض الحالات ثلاثة أو أربعة أشخاص، فيما وصف الحدود بأنها «محكمة» بفعل انتشار قوات حرس الحدود والتنسيق بين مختلف التشكيلات الأمنية.

وفي الرطبة، لا تتوقف منظومة المراقبة عند القطعات العسكرية، إذ يشكل سكان البادية ومربو الثروة الحيوانية جزءاً من شبكة الرصد.

ويقول الدليمي إن المواطنين والرعاة يمثلون "عيوناً للأجهزة الأمنية"، نتيجة تعاونهم مع القوات الأمنية والإدارة المحلية، فيما توجد منافذ محددة لدخول الرعاة وخروجهم، مع تسجيل أسمائهم وإخضاعهم للتدقيق الأمني.

وتشترك هذه الصورة مع بادية النجف والسلمان، حيث تشكل حركة الرعاة والمزارعين والسياح جزءاً من الحركة اليومية في الصحراء، ما يجعل تنظيم الدخول والخروج والتدقيق من الأدوات الأساسية لمراقبة المنطقة.

وفي الوقت نفسه، يمثل الطريق الدولي الرابط بين بغداد ومنافذ طريبيل والوليد تحدياً خدمياً وأمنياً آخر، بسبب امتداده لمسافات طويلة داخل الصحراء وارتفاع الحاجة إلى الاستجابة السريعة للحوادث.

ويرى قائممقام الرطبة أن القضاء بحاجة إلى مركز إسعاف فوري مجهز بطائرة إسعاف، إلى جانب عجلات للإنقاذ والدفاع المدني، لتقليل زمن الوصول إلى الحوادث.

حرس الحدود

وفي المناطق الحدودية، سبق وأن أكد قائد المنطقة الخامسة لحرس الحدود، اللواء رحيم يونس رحيم، أن تأمين الحدود العراقية مع المملكة العربية السعودية يمثل إحدى أبرز المهام الملقاة على عاتق قوات حرس الحدود، مشيراً إلى عدم تسجيل أي خروقات أمنية على الحدود خلال العام الثاني على التوالي.

وأوضح أن طبيعة المنطقة الحدودية تفرض جهداً أمنياً مستمراً، نظراً لاتساع المساحات الصحراوية وصعوبة تضاريسها، الأمر الذي يتطلب انتشاراً ومراقبة متواصلين، إلى جانب عمليات التفتيش والتمشيط ومتابعة أي تحركات مشبوهة.

وتمتد المنطقة التي تتولى مسؤوليتها المنطقة الخامسة لحرس الحدود عبر مساحات واسعة من البادية العراقية، حيث تبدو الصحراء للوهلة الأولى مساحة مفتوحة بلا معالم، لكنها بالنسبة للقوات الأمنية منطقة تتقاطع فيها طرق ومسارات قديمة، وممرات يستخدمها الرعاة وأهالي المناطق الحدودية.

وفي هذه المساحات، تعمل القطعات الأمنية على مدار الساعة لمراقبة الحدود وتأمينها، مستفيدة من نقاط المراقبة والدوريات وعمليات التمشيط، في محاولة لإبقاء الصحراء تحت السيطرة ومنع استغلالها لأي نشاط غير قانوني.

لا يوجد أمن مطلق

ومع اتساع هذه المساحات وتعدد المحاور والحدود، يرى المحلل الأمني خلدون حازم أن تشكيل قيادة عمليات البادية يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لبناء منظومة أمنية قادرة على توفير المعلومات الاستباقية وملاحقة أي نشاط غير قانوني.

وقال حازم لوكالة شفق نيوز إن "نظام الأمن والاستخبارات لا يوجد فيه أمن مطلق، وبالتأكيد تكون هناك ثغرات، وهذه الثغرات تستغلها الحركات الإرهابية أو المهربون، الذين يحاولون دائماً إيجاد ثغرات في الحدود أو المناطق الصحراوية لتنفيذ عمليات غير قانونية".

وأضاف أن "تشكيل قيادة عمليات البادية مهم جداً"، خصوصاً أن المنطقة تقع في العمق الصحراوي بين العراق والسعودية من جهة، والمنطقة الغربية من جهة أخرى، معتبراً أن القيادة الجديدة تمثل "إكمالاً لقيادات العمليات الموجودة في الجزيرة والأنبار وكربلاء".

وأشار إلى أن هذه المنطقة "في كثير من الأحيان لم تكن ممسوكة أمنياً بالشكل المطلوب، وحدثت فيها اختراقات كبيرة"، لافتاً إلى تداول معلومات بشأن استخدامها في أوقات سابقة لإطلاق طائرات مسيّرة باتجاه دول الجوار، فضلاً عن الحديث عن إمكانية استخدامها كنقطة عمليات متقدمة.

وأوضح حازم أن طبيعة المنطقة الصحراوية وتضاريسها، بما فيها الأودية، تشكل تحدياً للعمل الأمني، لكنها في الوقت نفسه توفر بعض المزايا للعمل الأمني والاستخباري من خلال معرفة طبيعة الأرض ومسارات الحركة فيها.

التحدي الأكبر

ويرى حازم أن تشكيل قيادة عمليات البادية "غير كافٍ وحده للحصول على المعلومات الأمنية الاستباقية وملاحقة العصابات"، ما لم تتوافر منظومة استخبارية ومراقبة مستمرة في المنطقة.

وبشأن تنظيم داعش، قال إن التنظيم "لا يتواجد في هذه المنطقة بشكل رئيسي"، مبيناً أن وجوده يتركز بصورة أكبر في وادي حوران باتجاه الثرثار، وهي مناطق وصفها بأنها "رخوة" وتحتاج إلى دعم أمني واستخباري، إلى جانب تعزيز الشريط الحدودي والمناطق الصحراوية.

ويؤكد المحلل الأمني أن المناطق الصحراوية تحتاج إلى دعم بطائرات مسيّرة، معتبراً أنها قد تكون أكثر فاعلية في بعض المهام من إبقاء أعداد كبيرة من القطعات العسكرية في مناطق نائية لفترات طويلة.

وقال إن الطائرات المسيّرة "تفي بالغرض عن قطع عسكرية تمسك الأرض، لأنها ستكون أكثر ملاحقة ودقة ومتابعة، وتعمل على إرباك العدو من خلال وجودها"، مبيناً أن استمرار المراقبة الجوية يضيّق المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها الجماعات أو المهربون.

ودعا إلى أن تكون هناك أسراب من الطائرات المسيّرة ترفد بها قيادة طيران الجيش العراقي وتدخل ضمن العمل الفعلي، مشيراً إلى أن استخدامها لا ينبغي أن يقتصر على المهام العسكرية، بل يمكن أن يشمل مراقبة الحدود، وملاحقة المهربين، ومراقبة خطوط نقل النفط، فضلاً عن مهام أمنية أخرى.

ويعتقد حازم أن القيادة الجديدة تسعى إلى "حصر أي عمليات قد تكون في هذه البادية"، متوقعاً أن تتوزع القطعات على شكل مجاميع تمسك الأرض، لكنه شدد على صعوبة بقاء القوات البرية لفترات طويلة في بعض مناطق الصحراء.

وبين أن الحل لا يكمن في زيادة القطعات فقط، بل في إيجاد منظومة متكاملة تعتمد على المعلومة الاستخبارية والمراقبة الجوية والطائرات المسيّرة والانتشار الأرضي.

صحراء واحدة.. خرائط متعددة

من الرطبة في أقصى غرب الأنبار، مروراً ببادية النجف والشبكة، وصولاً إلى السلمان وبصية في المثنى، تمتد البادية العراقية كمساحة واحدة تتعدد فيها المسؤوليات والخرائط والتشكيلات الأمنية.

لكن القاسم المشترك بينها هو اتساع الأرض، وقلة الكثافة السكانية، وتداخل مسارات الرعي والزراعة والسفر مع الطرق الحدودية والدولية.

وفي هذه الجغرافيا، لا تكفي نقطة أمنية ثابتة لمراقبة عشرات أو مئات الكيلومترات، لذلك تتكامل السواتر والخنادق مع الدوريات والعمليات الاستباقية والمعابر ونقاط التدقيق والطيران والاستطلاع.

وبين 90 ألف كيلومتر مربع في بادية الرطبة، و38 ألف كيلومتر مربع في حوض بادية النجف، وساتر يمتد 155 كيلومتراً، وقيادة عمليات جديدة في السلمان، تكشف البادية العراقية عن واحدة من أكبر المهام الأمنية والجغرافية في البلاد.

إنها صحراء لا تتوقف حدودها عند محافظة، ولا تُختصر بمسار واحد؛ أرض واسعة تحتاج إلى قوة تمسك الأرض، وعين تراقب من الجو، ومعلومة تصل في الوقت المناسب، واستجابة لا تقيس المسافة قبل أن تتحرك والسفر مع الطرق الحدودية والدولية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon