أزمة ثقة واقتصاد كاش.. نحو 97 تريليون دينار عراقي خارج الجهاز المصرفي

أزمة ثقة واقتصاد كاش.. نحو 97 تريليون دينار عراقي خارج الجهاز المصرفي
2026-08-21T10:40:17+00:00

شفق نيوز- بغداد 

تُشكّل الأموال النقدية الموجودة خارج الجهاز المصرفي أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، في ظل استمرار اعتماد شريحة واسعة من المواطنين والتجار على التعامل النقدي والاحتفاظ بجزء من أموالهم خارج المصارف.

وبينما لا تعني الأموال خارج الجهاز المصرفي بالضرورة أنها مكتنزة بالكامل، فإن ضخامة حجمها تثير تساؤلات بشأن ضعف التعامل المصرفي، ومدى قدرة المصارف على جذب المدخرات وتحويلها إلى قروض وتمويل للمشاريع والاستثمارات.

ويعيد هذا الواقع فتح ملف العلاقة بين المواطن والمصارف، وأسباب استمرار تفضيل النقد، وانعكاسات الاقتصاد النقدي على حركة الأموال والنشاط الاقتصادي، خصوصاً مع وجود عشرات المصارف العاملة في البلاد.

أموال خارج المصارف

يقول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "بقاء جزء من الأموال النقدية خارج الجهاز المصرفي يمثل أحد التحديات أمام الاقتصاد العراقي، في ظل محدودية استفادة القطاع المصرفي من هذه الأموال في عمليات الإيداع والائتمان وتمويل المشاريع والاستثمارات".

ويوضح صالح أن "الأموال المكتنزة نقداً، سواء لدى الأسر أو الشركات، تبقى خارج نطاق الوساطة المالية، ما يحد من قدرة المصارف على توظيف المدخرات في تمويل النشاط الاقتصادي، ويزيد الاعتماد على النقد والاقتصاد غير الرسمي، فضلاً عن ارتفاع كلفة التعاملات النقدية وضعف الشفافية المالية".

ويؤكد أن "المشكلة لا تكمن في استخدام النقد بحد ذاته، وإنما في تحوله إلى وسيلة لاكتناز المدخرات بدلاً من توجيهها عبر القنوات المالية نحو الاستثمار والإنتاج".

ويشير إلى أن "إعادة هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية تتطلب بناء الثقة بالمصارف وتوفير حوافز حقيقية للادخار، من خلال تطوير المنتجات الادخارية ومنح عوائد تنافسية على الودائع، وتعزيز حماية المودعين وتحسين الخدمات المصرفية، إلى جانب تقليل كلفة وإجراءات فتح الحسابات والتحويلات والتوسع في الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية ونقاط البيع".

ويخلص صالح إلى أن "العملية لا ينبغي أن تتوقف عند انتقال الأموال من المنازل إلى المصارف، بل يجب أن تنتقل من الودائع إلى الائتمان، ومن الائتمان إلى الاستثمار، وصولاً إلى الإنتاج وخلق فرص العمل".

حجم الأموال خارج المصارف 

في المقابل، يقدم الخبير المالي والمدير العام السابق في البنك المركزي، محمود داغر، قراءة مختلفة لطبيعة الأموال الموجودة خارج المصارف، مؤكداً أنها لا تمثل بمجملها أموالاً مكتنزة.

ويقول داغر في حديث لوكالة شفق نيوز إن "الإصدار النقدي يبلغ نحو 105 تريليونات دينار، منها نحو 8 تريليونات دينار داخل الجهاز المصرفي، بينما يوجد نحو 97 تريليون دينار خارجه".

ويوضح أن "نحو ثلثي الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي تُستخدم في تسوية المدفوعات النقدية بين التجار، وعمليات بيع وشراء العقارات، ودفع الرواتب والأجور، فيما قد يمثل الاكتناز نحو ربع الأموال الموجودة خارج المصارف".

ويربط داغر استمرار الاعتماد على النقد بـ"عدم الثقة الكافية بالمصارف، إلى جانب العادات السائدة في المجتمع العراقي وبطء التحول إلى الدفع الإلكتروني"، مشيراً إلى أن "الانتقال إلى نظام دفع إلكتروني واسع يحتاج إلى فترة طويلة مع استمرار تطوير المصارف وأدوات الدفع".

وتبرز أرقام الإصدار النقدي أهمية النقاش بشأن حجم الأموال المتداولة خارج المصارف، إلا أن الإصدار النقدي لا يعني بالضرورة أن كامل المبلغ يمثل أموالاً مكتنزة لدى المواطنين، كما أن ارتفاعه لا يعني تلقائياً طباعة أموال جديدة.

والجزء الأكبر من الأموال خارج المصارف، وفق قراءة داغر، يدخل في حركة السوق وتسوية المدفوعات النقدية، وهو ما يجعل التمييز بين النقد المتداول والأموال المكتنزة ضرورياً عند تقييم حجم المشكلة.

حضور "الكاش" 

ورغم وجود عدد كبير من المصارف، لا يزال التعامل النقدي يحتل مساحة واسعة من النشاط الاقتصادي في العراق.

وبلغ عدد المصارف العاملة 72 مصرفاً، بواقع 7 مصارف حكومية و65 مصرفاً خاصاً، إلا أن كثرة عدد المصارف لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى التعامل المصرفي، إذ يبقى التحدي الأساسي في مدى استخدام المواطنين والشركات للمصارف في الادخار والدفع والتمويل.

ويعمل البنك المركزي على تعزيز الشمول المالي وتوسيع قاعدة المتعاملين مع النظام المصرفي، إلى جانب التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني ونشر الثقافة المالية.

التفضيل الأول للعراقيين

ويقول الخبير الاقتصادي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة ذي قار، نجم عبد طارش، لوكالة شفق نيوز، إن "استمرار الاقتصاد النقدي يرتبط بمجموعة عوامل متداخلة، من بينها ضعف الثقة بالمصارف، والعادات المتجذرة في التعامل النقدي، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، فضلاً عن محدودية استخدام الدفع الإلكتروني في بعض الأنشطة".

ويضيف أن "المشكلة لا تكمن في وجود النقد داخل الاقتصاد، فهو جزء طبيعي من أي نظام مالي، وإنما في أن يصبح النقد الوسيلة الأساسية لتسوية المعاملات والاحتفاظ بالمدخرات، بما يقلل الأموال التي تمر عبر المصارف ويحد من قدرتها على خلق الائتمان وتمويل النشاط الاقتصادي".

وتشير البيانات المتاحة إلى أن عدد بطاقات الدفع في العراق تجاوز 20 مليون بطاقة، إلا أن الاستخدام الفعلي لها لا يزال أقل من حجم انتشارها، فيما يستخدم عدد من حاملي البطاقات الحسابات بصورة أساسية لسحب الرواتب بدلاً من استخدامها في عمليات الشراء والدفع اليومية.

الحلول الممكنة

ولا تتوقف معالجة المشكلة عند إعادة الأموال إلى المصارف، إذ إن الهدف النهائي يتمثل في إدخالها في الدورة الاقتصادية بصورة أكثر كفاءة.

فالأموال عندما تتحول إلى ودائع يمكن أن تمنح المصارف قدرة أكبر على توفير الائتمان، وعندما يتحول الائتمان إلى استثمار ومشاريع إنتاجية، يمكن أن ينعكس ذلك على النمو وخلق فرص العمل وزيادة النشاط الاقتصادي.

وبالتالي، فإن التحدي أمام العراق لا يتمثل فقط في حجم الأموال الموجودة خارج المصارف، وإنما في بناء منظومة مصرفية تجعل المواطن والتاجر يجدان في المصرف وسيلة أكثر أماناً وفائدة وسهولة من الاحتفاظ بالأموال والتعامل بها نقداً.

وفي المحصلة، تكشف ضخامة النقد خارج الجهاز المصرفي عن استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على التعاملات النقدية، في وقت يسعى فيه القطاع المصرفي إلى زيادة دوره في الادخار والائتمان وتمويل الاقتصاد.

وبينما يرى مظهر محمد صالح أن إعادة الأموال إلى الجهاز المصرفي تتطلب استعادة الثقة وتحفيز الادخار، يلفت محمود داغر إلى أن الجزء الأكبر من الأموال خارج المصارف يتحرك فعلياً في السوق ولا يمثل اكتنازاً كاملاً، فيما يربط نجم عبد طارش استمرار الاقتصاد النقدي بضعف الثقة والعادات السائدة ومحدودية استخدام الدفع الإلكتروني.

ويبقى الانتقال من اقتصاد يعتمد على الكاش إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المصارف والدفع الإلكتروني مرتبطاً بقدرة القطاع المصرفي على استعادة الثقة، وتوفير خدمات أكثر كفاءة، وتحويل الأموال من مجرد تداول نقدي إلى ودائع وائتمان واستثمار وإنتاج.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon