رجل المسافات الصعبة.. نيجيرفان بارزاني يتحرك بين قوى العراق لرسم حكومة الزيدي

رجل المسافات الصعبة.. نيجيرفان بارزاني يتحرك بين قوى العراق لرسم حكومة الزيدي
2026-05-04T20:28:31+00:00

شفق نيوز- بغداد/ أربيل

في بغداد، حيث لا تولد الحكومات من صناديق الاقتراع وحدها، بل من شبكة طويلة من التفاهمات والضمانات والمخاوف المتبادلة، وصل رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة العراقية حاملاً معه ما هو أبعد من مطالب أربيل التقليدية.

كانت الزيارة، التي تستمر يومين، تبدو في ظاهرها جزءاً من بروتوكول سياسي يرافق كل دورة حكومية جديدة. لكنها، في توقيتها وحجم لقاءاتها، بدت أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب مركز الثقل داخل العملية السياسية، في لحظة تتقاطع فيها أزمة تشكيل الحكومة مع ضغوط المنطقة، وتداعيات الحرب، وحسابات واشنطن وطهران، وملفات بغداد وأربيل التي لم تغادر طاولة التفاوض منذ سنوات.

فالرجل الذي يصفه سياسيون عراقيون بأنه "رجل التوازنات"، لا يدخل بغداد عادة بوصفه ممثلاً لكوردستان وحدها، بل وسيطاً مقبولاً لدى أطراف متخاصمة، وقادراً على مخاطبة الشيعة والسنة والكورد بلغة واحدة، هي لغة المصالح الممكنة لا الشعارات القصوى.

وخلال ساعات الزيارة الأولى، اجتمع نيجيرفان بارزاني مع قادة الإطار التنسيقي، ثم مع رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي، ورئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، وقادة المجلس السياسي الوطني، في جولة اتسعت عناوينها من تشكيل الحكومة إلى ملفات النفط والرواتب والموازنة والمادة 140، وصولاً إلى ضرورة إبعاد العراق عن ارتدادات الصراع الإقليمي.

وبحسب بيانات رسمية، أكد بارزاني وقادة الإطار التنسيقي ضرورة تشكيل حكومة "بمستوى تحديات المرحلة"، قادرة على تلبية مطالب مكونات العراق، مع حل الملفات العالقة بين أربيل وبغداد على أساس الدستور، وحماية الأمن والاستقرار وسيادة البلاد. كما جدد رئيس الإقليم دعم كوردستان للعملية السياسية واستعدادها للمساعدة في إنجاح خطوات تشكيل الحكومة الجديدة.

وفي لقاء آخر مع قادة المجلس السياسي الوطني، حضر عنوان الشراكة الحقيقية والتوازن بين المكونات بوصفه شرطاً للحكومة المقبلة، لا مجرد عبارة إنشائية في بيانات ما بعد الاجتماعات. لكن الصورة التي خرجت من الاجتماع قالت ما هو أبعد من البيان.

ففي واجهة المشهد، توسط نيجيرفان بارزاني اللقاء، محاطاً بقيادات سنية بارزة بينها خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي، في لقطة بدت كأنها تلخص وظيفة الزيارة كلها. لم يكن رئيس الإقليم حاضراً بصفته ممثلاً لأربيل فقط، بل بدا كمن يتحرك في مساحة رمادية بين الخصوم، محاولاً تثبيت معادلة تقوم على أن الحكومة المقبلة لا يمكن أن تولد من تفاهم شيعي داخلي وحده، ولا من صفقة مناصب معزولة، بل من توازن أوسع يضم الكورد والسنة والشيعة داخل هندسة سياسية واحدة.

واتفق الجانبان على أن الحكومة الجديدة يجب أن تضع الخدمات والإعمار في مقدمة أولوياتها، وأن تعتمد الحوار والتفاهم بين القوى السياسية مدخلاً لحل الأزمات.

حوار ما قبل الحكومة

وفي هذا السياق، يقول السياسي الكوردي عبد السلام برواري إن زيارة نيجيرفان بارزاني "تمثل تطوراً إيجابياً جديداً لكسر التشنجات التي رافقت مرحلة ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية".

ويضيف برواري لوكالة شفق نيوز أن الزيارة "جولة جديدة تتسم بالطابع الحواري والمصارحة"، معتبراً أن شخصية نيجيرفان بارزاني ومقبوليته "قادرة على جمع أطراف يصعب جمعها عادة".

ويرى أن هذه اللقاءات تأتي قبل إعلان البرنامج الحكومي، ما يجعلها أقرب إلى اجتماعات تمهيدية لاختبار المواقف وتبادل الرؤى قبل الدخول في لحظة الحسم، مشيراً إلى أن زيارة الزيدي الأخيرة إلى أربيل ولقاءه الزعيم الكوردي مسعود بارزاني "تعكس اهتماماً واضحاً بموقف الإقليم ضمن ترتيبات الحكومة المقبلة".

ولم يأت هذا الحراك من فراغ. فالزيدي، الذي كلف بتشكيل الحكومة في مرحلة سياسية حساسة، زار أربيل قبل أيام والتقى مسعود بارزاني ونيجيرفان بارزاني ومسرور بارزاني، في خطوة قرأتها أوساط سياسية باعتبارها محاولة مبكرة لتفادي تكرار أزمات الحكومات السابقة مع الإقليم.

من جانبها، تقول الباحثة في الشؤون السياسية سهاد الشمري إن تشكيل الحكومة الحالية يأتي في سياقات مختلفة عن الدورات السابقة.

وتوضح لوكالة شفق نيوز أن العراق أمام عملية سياسية يقودها رئيس وزراء مكلف يحاول التحرك بين مسارات متشابكة، من إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، إلى احتواء الانقسام داخل المكونات، مروراً بترتيب العلاقة مع إقليم كوردستان.

وتضيف أن زيارة نيجيرفان بارزاني إلى بغداد "تعطي انطباعاً إيجابياً حول استعداد إقليم كوردستان لدعم الحكومة العراقية الجديدة"، مرجحة أن تسهم هذه التحركات في "تقريب وجهات النظر بين مختلف الفرقاء السياسيين".

لكن أهمية الزيارة لا تنحصر في معادلة الكورد داخل الحكومة. فالعراق يقف أمام مرحلة إقليمية مضطربة، مع استمرار تأثيرات الحرب في المنطقة على الاقتصاد والطاقة وحركة الأسواق، وهو ما جعل ملف الاستقرار الداخلي جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي.

وفي هذا الإطار، برز لقاء بارزاني مع الحكيم، حيث شدد الأخير على أهمية "تذويب الخلافات" وتمتين العلاقات، ودعم رئيس الوزراء المكلف في تشكيل كابينة "خدمة وإصلاحات اقتصادية"، إلى جانب الدعوة إلى إنهاء الصراع في المنطقة واستعادة الاستقرار وانفتاح العراق على محيطه الإقليمي والدولي.

ملفات عالقة لا تغادر الطاولة

وعلى الصعيد ذاته، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر إن "الموضوع لا يتعلق بالشخصيات السياسية بقدر ما يتعلق بالثقافة السياسية السائدة في البلاد".

ويضيف البيدر لوكالة شفق نيوز أن الحكومة المقبلة ستكون امتداداً لتوازنات الإطار التنسيقي، لكنها قد تشهد اختلافاً في إدارة العلاقة بين بغداد وأربيل، بفعل رغبة رئيس الوزراء المكلف في بناء علاقة أكثر هدوءاً مع الإقليم، ولا يميل إلى التصعيد أو اتخاذ قرارات تعسفية تجاه إقليم كوردستان، مرجحاً أن يمنح مساحة أوسع لمعالجة الملفات العالقة ضمن الاستحقاقات الدستورية.

وهذا ما يذهب إليه رئيس مركز الهدف للدراسات حسين الكناني الى أن اللقاءات بين نيجيرفان بارزاني والمكلف بتشكيل الحكومة علي الزيدي تأتي ضمن مسار تشكيل تحالف لإدارة الدولة، مشيراً إلى أن مثل هذه الاجتماعات تتكرر مع كل دورة حكومية جديدة.

ويضيف الكناني لوكالة شفق نيوز أن هناك ملفات عالقة بين أربيل وبغداد يجري بحثها بشكل مباشر، أبرزها الموازنة، وتصدير النفط، والواردات النفطية وغير النفطية، فضلاً عن مدى التزام الإقليم والسلطات الاتحادية بالاتفاقات السابقة.

وتبدو هذه الملفات أكثر إلحاحاً اليوم من أي وقت مضى. فالرواتب التي تحولت إلى أزمة معيشية متكررة في الإقليم، والنفط الذي تحول إلى عنوان دائم للخلاف الدستوري والمالي، والموازنة التي تكشف كل عام هشاشة التفاهمات المؤقتة، كلها ملفات تجعل من زيارة بارزاني اختباراً مبكراً لمدى قدرة الحكومة المقبلة على الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة إغلاقها.

في المقابل، يتحرك الزيدي تحت ضغط الوقت. فالمكلف بتشكيل الحكومة مطالب بتقديم كابينته ضمن المهلة الدستورية، لكنه يدرك أن تمرير الحكومة لن يتحقق عبر الأغلبية العددية وحدها، بل عبر تفاهمات تضمن مشاركة الكورد والسنة والشيعة ضمن معادلة لا تشعر أي طرف بأنه خارج القرار.

ولهذا تبدو زيارة نيجيرفان بارزاني أشبه بمحاولة لإنتاج ضمانة سياسية مزدوجة، ضمانة لأربيل بأن بغداد المقبلة لن تعود إلى لغة العقوبات والضغط المالي، وضمانة لبغداد بأن الإقليم سيكون جزءاً من استقرار الحكومة لا مصدر قلق لها.

مرحلة عراقية مفتوحة على الخارج

ولا ينفصل هذا الحراك عن الاهتمام الخارجي بتشكيل الحكومة العراقية. فقد تلقى الزيدي اتصالاً من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد تكليفه، تضمن تهنئة ودعوة إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل حكومته، مع حديث عن علاقة عراقية أميركية "قوية ومنتجة" ودعم الاستقرار الإقليمي.

وهنا تتسع أهمية زيارة بارزاني. فهو أحد أكثر السياسيين العراقيين قدرة على الحركة بين العواصم والكتل، وبين الملفات الداخلية والخارجية، من دون أن يظهر بوصفه طرفاً صدامياً. وفي لحظة تحاول فيها بغداد إنتاج حكومة لا تصطدم مبكراً بواشنطن أو طهران أو أربيل أو القوى السنية، يصبح وجود شخصية من هذا النوع جزءاً من هندسة التوازن لا مجرد حضور بروتوكولي.

ويرى مراقبون أن رئيس إقليم كوردستان يحاول، من خلال هذه الجولة، تثبيت ثلاث قواعد قبل ولادة الحكومة الجديدة، شراكة حقيقية في القرار، وحلول دستورية لا مرحلية للملفات العالقة، وإبعاد العراق عن رياح التصعيد الإقليمي.

وبينما لا تزال تفاصيل الحقائب الوزارية وتوزيع المناصب خاضعة للمساومات، تكشف زيارة نيجيرفان بارزاني أن معركة الحكومة المقبلة لن تكون فقط حول من يدخل الكابينة، بل حول شكل الدولة التي ستديرها هذه الكابينة، وحدود العلاقة بين المركز والإقليم، وقدرة العراق على الصمود في منطقة تتغير بسرعة أكبر من قدرة طبقته السياسية على اللحاق بها.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon