جدار وخندق وأمن سيبراني.. بغداد تعيد هندسة حدودها الغربية

جدار وخندق وأمن سيبراني.. بغداد تعيد هندسة حدودها الغربية قوات عراقية قرب الحدود مع سوريا
2026-01-22T11:03:54+00:00

شفق نيوز- بغداد/ الأنبار

في الأنبار غربي العراق، لا يتطلب فهم القلق الأمني سماع إطلاق نار، فالمسافات المفتوحة التي صنعتها الصحراء على مدى سنوات جعلت الحدود مسألة مراقبة دائمة أكثر من كونها خطاً ثابتاً.

وفي الأيام الأخيرة، ومع تصاعد الاشتباكات داخل سوريا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، عاد ملف الحدود الغربية إلى واجهة الاهتمام، في وقت تؤكد فيه بغداد أن الوضع تحت السيطرة وأن المعابر الرسمية هي وحدها المنافذ المفتوحة.

استعادة السيطرة على قاعدة عين الأسد من القوات الأميركية، وما تبعها من زيارات واستعراضات جاهزية، بدت في هذا السياق أكثر من خطوة إدارية، إذ تُقدَّم القاعدة اليوم كجزء من مقاربة أوسع لتثبيت الأمن غرباً، على شريط ظل لعقد كامل يتأثر مباشرة بما يجري داخل سوريا.

السيادة كعرض ميداني ورسالة سياسية

جولة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني داخل القاعدة، ومشهد إقلاع طائرات إف-16 في تمرين مجدول، حملت رسائل متعددة الاتجاهات، حيث للداخل بأن مرحلة الاعتماد على التحالف الدولي في هذا الموقع انتهت، وللخارج بأن العراق يريد أن يظهر شريكاً أمنياً مستقلاً لا ساحة فراغ.

مدير الإعلام والتوجيه المعنوي والمتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء تحسين الخفاجي يضع عين الأسد في قلب هذه الرسائل، لا بوصفها عنواناً رمزياً فحسب، بل كأداة حركة وإسناد. يقول لوكالة شفق نيوز، إن أهمية القاعدة تنبع من موقعها الاستراتيجي وقربها من الحدود العراقية مع سوريا والأردن والسعودية، وإنها "مشرفة" على قاطع عمليات الجزيرة والبادية وقاطع عمليات صلاح الدين.

ووفق الخفاجي، فإن هذه الميزة تتيح للقاعدة استيعاب أعداد كبيرة من القوات وتقديم الإسناد إلى تلك القواطع "بمدة زمنية لا تتجاوز الساعة"، بما في ذلك الدعم اللوجستي، وهو ما يصفه بأنه إنجاز عملي في إدارة المسافات القاسية للغرب العراقي.

في لغة البيانات الرسمية، لا تُقدَّم الحدود كخط على الخريطة، بل كمنظومة متعددة الطبقات. الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان يتحدث عن استخدام الطائرات المسيّرة لمراقبة الحدود، وعن "ثلاثة موانع رئيسية" لمنع تسلل العناصر الإرهابية، تبدأ من الجدار الكونكريتي، والخندق الذي يُشار إليه بالنفق الشقي، ومنظومات مراقبة تشمل كاميرات حرارية وأسلاكاً شائكة.

ثم تأتي رواية الأمن بلغة الأرقام. الفريق سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، يقول لشفق نيوز إن رسالة الأجهزة الأمنية "لكل أهلنا" هي رسالة طمأنة، مؤكداً أن القوات الأمنية العراقية "موجودة وقادرة على حماية الحدود من الداخل والخارج".

ومعن يضيف أن عدد الكاميرات الحرارية على عموم الحدود العراقية، وليس على الحدود السورية فقط، يبلغ 960 كاميرا حرارية، وأن الرصد والمراقبة مستمران، وأنه "لم يتم تسجيل أي تحرك يجلب الشك".

معن يتحدث أيضاً عن عمق دفاعي "أكثر من ثلاثة خطوط دفاعية"، إضافة إلى الجيش والحشد "وجميع التشكيلات"، ويقول إن هناك "قوة احتياط في كل مكان مستعدة"، لكنه يضيف أن "لا حاجة لإرسالها إلى الحدود لأن القوات الموجودة كافية".

اللواء الخفاجي يلتقط المعنى نفسه لكن بزاوية مختلفة، حيث "تحصين الحدود من أولويات عملنا"، يقول، وهو "جهد سنين".

ويضيف أن "الحدود اليوم أفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى للدولة العراقية".

ثم يعدد عناصر منظومة تبدو أقرب إلى شبكة متداخلة، كاميرات مراقبة، أمن سيبراني، طائرات مراقبة، طائرات للقوة الجوية وطيران الجيش، كمائن، وخطوط صد أكثر من واحد، الأول للداخلية، الثاني للدفاع، والثالث خط صد للمدن.

وفيما يخص الشريط الحدودي، يكرر عبارة حاسمة: "مؤمَّن بشكل كامل، كما تمتلك قواتنا تجهيزاً وتسليحاً عالياً للتصدي للإرهاب".

تهدئة رسمية أمام ظلّ سوريا

في الرمادي مركز المحافظة، يختار رئيس اللجنة الأمنية في مجلس الأنبار سعد غازي المحمدي أن يضع ما يجري داخل سوريا في إطار "شأن داخلي سوري"، مؤكداً أنه لا يشكل تهديداً على الوضع الأمني العراقي.

يقول إن الحدود "مؤمَّنة بالكامل ومغلقة باستثناء المعابر الرسمية، وإن قيادة قوات الحدود تمسك خط الصد الأول بينما يشكل الجيش وقيادة عمليات الأنبار خط الصد الثاني، ضمن خطة أمنية متكاملة".

ويضيف أن "لا توجد مخاوف لدى القوات الأمنية أو الحكومة المحلية، وأن التعزيزات ليست وليدة اليوم بل نُفذت منذ فترة طويلة، وأن نزولاً ميدانياً لمجلس المحافظة والمحافظ سيجري في الأيام المقبلة للاطلاع على الوضع مباشرة".

وتعد الأنبار ممراً تجارياً مهماً عبر منفذي القائم والوليد، ما يجعل الاستقرار الحدودي عاملاً مؤثراً في حركة الشحن والتنقل داخل المحافظة.

لكن العراق يعرف، بحكم التجربة، أن "الشأن الداخلي" على الجانب الآخر يمكن أن يتسرب عبر مسارات لا تعترف بالتوصيفات، فاشتداد الاشتباكات في سوريا، وتبدل خطوط السيطرة، وملفات المخيمات ومراكز الاحتجاز، كلها عوامل تجعل الحدود مرآة لتقلبات لا يمكن لبغداد التحكم بها بالكامل، حتى وهي تُحكم قبضتها على الجانب العراقي.

الحديث عن وجود الجيش والحشد ضمن منظومة التأمين يفتح سؤالاً قديماً في النقاش العراقي، يصل الى ما يعرف بوحدة القرار، حيث يحاول المسؤولون سدّ الباب أمام الشكوك.

وعن تحركات الحشد الشعبي لتعزيز تواجد قواته على الحدود السورية، يؤكد حسين علي الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة الصادقون الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، أن الوضع الأمني في العراق يخضع لسيطرة الدولة ومؤسساتها الرسمية.

"في الوقت الحاضر لا يشهد العراق وجود فصائل خارج إطار الدولة، وإنما هناك ألوية عسكرية منتظمة تابعة للحشد الشعبي، تعمل ضمن السياقات العسكرية والأمنية الرسمية، وجميع تحركاتها تتم وفق توجيهات القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية"، يقول الشيحاني.

ويضيف أن "جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، بما فيها ألوية الحشد الشعبي، في حالة جهوزية عالية واستعداد تام وكاف للتعامل مع أي خرق أمني قد تتعرض له البلاد".

بالنسبة لبغداد، تبدو الصورة المطلوبة واضحة، طمأنة من دون تهوين، واستعداد من دون استنفار علني. ومع أي اضطراب داخل سوريا أو قرب الحدود، تظل الأنبار في موقع الاختبار اليومي، حيث تُقاس فعالية التحصينات والمراقبة بما تمنعه من مفاجآت.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon