تحت نيران الحرب.. مدن عراقية تترقب ما يسقط من السماء (صور)

تحت نيران الحرب.. مدن عراقية تترقب ما يسقط من السماء (صور)
2026-03-05T11:31:02+00:00

 شفق نيوز- تقرير خاص

في ليال كان يفترض أن تُقفل على تفاصيل الناس الصغيرة، صار صوت السماء هو الخبر الأول. من أطراف أربيل إلى جنوب غربي كركوك وصلاح الدين، مروراً بالوسط والجنوب العراقي، لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تبدو بعيدة، بل احتمالاً يمر فوق الرؤوس ثم يهبط فجأة في الحقول وعلى أسطح البيوت، على هيئة قطع معدنية مجهولة أو دوي يسبق دخاناً يعلو من أرض زراعية.

​​بينما تشتعل المدن الإيرانية تحت ضربات متبادلة وتتعقد خرائط الاستهداف يوماً بعد يوم، بات العراق، بحكم الجغرافيا ومسارات الصواريخ والطائرات، أقرب إلى ممر حرب منه إلى بلد يقف على الهامش. 

في بلدة عنكاوا شمال أربيل، التي اعتاد كثيرون وصفها بأنها "زاوية هادئة" في مدينة تعيش على إيقاع السياسة والأمن، جاء الليل الأخير مختلفاً. مساء الأربعاء 4 آذار 2026، أصابت طائرة مسيّرة مفخخة دير بنات مريم الكلدانيات ومجمعاً سكنياً يتبع لأبرشية أربيل الكلدانية، مخلفة أضراراً مادية من دون تسجيل إصابات بحسب روايات محلية وكنسية.

وفي إفادة من الأبرشية، قيل إن المبنى كان قد أُخلي إلى حد كبير قبل أيام بسبب قربه من مطار أربيل الدولي، وهو ما ساهم في تجنب سقوط ضحايا.

وقبل ذلك بساعات، سقطت مسيّرة أخرى في منطقة 23 بارك قرب شارع 100 في أربيل وأحدثت أضرارا مادية أيضاً.

لم يكن ذلك حدثاً منفصلاً في نظر السكان، بل حلقة جديدة في سلسلة بدأت تُعيد تعريف الإحساس اليومي بالأمان. في قضاء العلم بمحافظة صلاح الدين، أفاد مصدر أمني بالعثور على بقايا صاروخ في منطقة نائية من دون أضرار، لكن الواقعة وحدها كانت كافية لتغيير مزاج المكان، فوجود "بقايا" صار يعني أن مسار المعركة يمر من هنا.

 وفي كركوك، تحدثت مصادر محلية عن تساقط شظايا فوق بعض المناطق بالتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي، فيما تقول روايات محلية إن قطعاً صغيرة باتت تُرى فوق أسطح المنازل أو في أطراف القرى بعد كل ليلة تعلو فيها صفارات الإنذار في الإقليم أو تتسارع فيها أخبار الضربات عبر الشاشات.

ففي داقوق جنوب كركوك، يروي شعلان أحمد أن قطعاً معدنية صغيرة هبطت فوق سطح منزله وأحدثت ثقوباً في ألواح كانت تغطي جزءاً من السطح، كأنها "وخزات" تذكّر بأن المعركة ليست بعيدة كما تبدو على الخرائط. 

ويقول إن توقيتها جاء بعد ساعات من أخبار عن تبادل ضربات، ما جعل الناس يربطون بين ما يُعرض على الشاشات وما يُلتقط من فوق السقوف. 

روايات مشابهة ترد من قرى أخرى مثل البو سالم التابعة لناحية الرياض، حيث يؤكد أحد السكان سقوط قطعة معدنية كبيرة في أرض زراعية قريبة خلّفت حفرة واضحة في التربة، وسط ارتباك زاده غياب توضيح سريع يحدد طبيعة الجسم ومصدره، تاركاً الأهالي أسرى التخمين والخوف من تكرار السقوط في مكان أقرب

بعيداً في الجنوب، أخذ الخطر شكلاً أكثر قسوة. قيادة العمليات المشتركة أعلنت إصابة ثلاثة أشخاص بعد سقوط "حشوتي صاروخين" في محافظة البصرة، إحداهما قرب مستوصف في منطقة القبلة، والأخرى على منزل في حي المهندسين مع أضرار مادية بسيطة.

 وفي بغداد، افادت مصادر أمنية لوكالة شفق نيوز بسقوط بقايا صاروخ على طريق المطار، في مشهد يختصر كيف تتقاطع الطرق اليومية مع "الجبهة الجوية" حين تصبح الحدود في السماء لا على الخرائط.

ما الذي يجري في السماء

 تقول السلطات المحلية في إقليم كوردستان إن ما يسقط لا يأتي دائماً كضربة مباشرة، بل كثيراً ما يكون بقايا اعتراضات جوية. جهاز مكافحة الإرهاب في الإقليم دعا السكان إلى الاحتماء عند سماع صافرات الإنذار، محذراً من الاقتراب من الشظايا التي قد تتساقط أثناء عمليات التصدي، وأكد أن مخلفات صواريخ ومسيّرات تم اعتراضها سقطت في عدة مواقع.

 وترافقت تلك التحذيرات مع إجراءات يومية عكست درجة القلق، أبرزها تعليق الدوام في المؤسسات التعليمية لأربعة أيام من الأحد 1 آذار حتى الأربعاء 4 آذار 2026 وفق ما أعلنته وزارتا التربية والتعليم العالي في الإقليم.

في بغداد أيضاً، صدرت تحذيرات رسمية مشابهة. وزارة الداخلية دعت المواطنين إلى تجنب التجمعات والإبلاغ الفوري عن أي جسم غريب وعدم لمسه، في محاولة لتقليل الإصابات التي قد تنتج عن فضول طبيعي أمام قطع معدنية تسقط في الشوارع والحقول.

في الإقليم، لم يتوقف أثر التصعيد عند صفارات الإنذار. في بيان مشترك، أعلنت وزارتا الموارد الطبيعية والكهرباء تعليق تصدير الغاز من حقل خور مور كإجراء احترازي، محذرتين من تراجع في إنتاج الكهرباء قد يصل إلى 2500 إلى 3000 ميغاواط، وهو رقم يترجم فوراً إلى ساعات أقل في المنازل ومتاجر تُغلق باكراً وأحياء تتعامل مع العتمة كخبر يومي.

وفي عموم العراق، صار المجال الجوي نفسه جزءاً من القصة. سلطة الطيران المدني أعلنت تمديد إغلاق الأجواء العراقية أمام حركة الطيران لمدة 72 ساعة، يبدأ من ظهر الأربعاء ويستمر حتى ظهر السبت، مع ربط القرار بالتقييم الأمني والتطورات الإقليمية.

 ويأتي ذلك بينما تتحدث تقارير دولية عن اضطراب واسع في حركة الطيران في الشرق الأوسط وتعليق رحلات وإعادة توجيه مسارات، ما يجعل "الحرب في السماء" تمتد إلى المطارات والفنادق وممرات العبور.

منصات صواريخ على الأرض

 إذا كان الخطر يأتي من الأعلى، فإن الأرض ليست بعيدة عنه. في 3 آذار، افاد مصدر امني لوكالة شفق نيوز بضبط منصة تحتوي تسعة صواريخ معدّة للإطلاق في أبو غريب غرب بغداد بهدف استهداف مطار بغداد الدولي، وقالت السلطات الأمنية إنها فككت الصواريخ بعد إحباط المحاولة.

 وفي اليوم التالي، قالت مصادر أمنية إن القوات العراقية ضبطت منصة إطلاق صواريخ متنقلة تحمل صاروخين جاهزين للإطلاق في منطقة الزبير جنوب البصرة، بناء على معلومات استخباراتية قدمها جهاز الأمن الوطني.

 وبموازاة ذلك، أعلنت خلية الإعلام الأمني إسقاط تسع طائرات مسيّرة حاولت استهداف مواقع عسكرية في ذي قار والبصرة خلال أوقات مختلفة، من دون خسائر بشرية أو مادية وفق بيان رسمي.

على الهامش، تتسع الحرب، فهذه الوقائع المحلية تأتي مع دخول الصراع الأوسع أيامه الخمسة الأولى بوتيرة متصاعدة، مع تحذيرات وبيانات دولية بشأن اتساع رقعة المواجهة وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي.

لكن في القرى التي تلمس الشظايا على السطوح، لا تُقرأ الحرب كخرائط نفوذ أو توازنات ردع. تُقرأ كجملة بسيطة يكررها الناس بصيغ مختلفة، أن يمر الليل بلا دوي، وأن ينام الأطفال من دون أن يوقظهم صوت لا يعرفون مصدره.

في قضاء الحويجة، وتحديداً في قرية الحوائج، يروي حسين خلف أن جسماً معدنياً كبيراً سقط ليلاً في أرض زراعية لا تبعد سوى عشرات الأمتار عن منزله.

يقول إن اللحظة كانت "مرعبة". دوي واحد هزّ القرية قبل أن يرتفع دخان كثيف من بين الحقول، ومعه خرج الناس في العتمة يتفقدون المكان بارتباك. 

في العراق، لم تعد تداعيات الحرب تُقاس فقط بما يعبر السماء من صواريخ ومسيّرات، بل بما بدأ يتشكل على الأرض من قرار سياسي وعسكري لدى فصائل شيعية تصف نفسها باسم "المقاومة الإسلامية". 

فبعد إعلان مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، خرجت بيانات متلاحقة تربط صراحة بين الاغتيال وبين فتح جبهة داخلية ضد المصالح والقواعد الأميركية، وتتبنى "عشرات الهجمات" بطائرات مسيّرة أو صواريخ قصيرة المدى، وتقدمها بوصفها جزءاً من "الدخول في الحرب" لا مجرد رسائل ضغط عابرة. هذا التحول، نقل الصراع في السرد المحلي من حرب تمر فوق العراق إلى حرب تُدار أيضاً من داخله.

وفي مقابل خطاب الفصائل، بدأت ترتيبات ميدانية وأمنية أشد ظهوراً، من رفع درجات الإنذار حول المنشآت الحساسة والمطارات إلى توسيع نطاق المراقبة الجوية، مع تحركات استباقية لفك منصات إطلاق أو إحباط هجمات قبل وقوعها، وبيانات رسمية تشدد على السيادة وتحذر من جرّ البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة. 

وبين هذين المسارين، يصبح اتساع الحرب في الداخل العراقي ليس فقط بتزايد عدد الضربات، بل بتزايد احتمالاتها، وبانتقال القرار من السماء إلى الأرض، ومن الخوف من الشظايا إلى الخوف من جبهة جديدة تتشكل داخل الحدود.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon