بين التجاوز والتعطيل.. "دستور العراق" يواجه التعديل

بين التجاوز والتعطيل.. "دستور العراق" يواجه التعديل
2026-10-22T18:44:53+00:00

شفق نيوز- بغداد

يتفق خبراء قانونيون ومحللون وسياسيون على أن معضلة جمود نصوص الدستور العراقي الصادر عام 2005 وشروطه الإجرائية المعقدة تقف عائقاً أمام حسم التعديلات الدستورية وتجاوز الانسداد السياسي المتكرر، وسط انقسام محتدم حول أولوية تعديل النصوص المأزومة أو التزام القوى النافذة بتطبيق الأحكام النافذة والمعطلة.

وتجددت أزمة التعديلات الدستورية عقب دعوة صريحة وجهها رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، الخميس الماضي، طالب فيها بمراجعة الأحكام الدستورية وتحديث التشريعات لمعالجة الإشكالات المتكررة التي عطلت الاستحقاقات الوطنية، وفي مقدمتها آليات تشكيل الحكومات وتحديد "الكتلة النيابية الأكثر عدداً".

عقبة الجمود الدستوري

وتكمن العقبة الأولى أمام تغيير قواعد اللعبة السياسية في البنية الفقهية للدستور ذاته؛ إذ يوضح الباحث القانوني علي التميمي أن الدستور العراقي يُصنّف ضمن الدساتير الجامدة التي لا تخضع للتعديل بالأغلبية البسيطة، بل عبر مسار إجرائي محدد بالمادتين (126) و(142).

ويؤكد التميمي لوكالة شفق نيوز، أن قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (54/اتحادية/2017) جعل المادة (142) المدخل الإلزامي لأي تعديل.

ويوضح أن "المسار التشريعي أمام طريق واحد يبدأ بإعادة إحياء تقرير لجنة التعديلات البرلمانية لعام 2009 — الذي تضمن تعديل 50 مادة وجُمّد بقرار سياسي — وتمريره بالأغلبية المطلقة للنواب، قبل رفعه للاستفتاء الشعبي شريطة عدم رفضه من ثلثي المصوتين في 3 محافظات".

ويُشدد التميمي على أن هذا الاشتراط الأخير (فيتو المحافظات) يجعل التعديل العراقي من أصعب التعديلات الدستورية عالمياً.

من جانبه، ينبه الباحث والأكاديمي علاء نجاح إلى أن "المادتين 126 و142 تجعلان أي محاولة لتغيير النصوص أقرب إلى صراع مصالح بين الكيانات السياسية، لا سيما عند الخوض في صلاحيات الأقاليم، والموارد الطبيعية والنفطية، وحسم هوية المناطق المتنازع عليها وفي مقدمتها كركوك".

ويضيف نجاح لوكالة شفق نيوز، أن الإصلاح يقتضي اعتماد مسارات تدريجية قابلة للرقابة، تضمن الشفافية وتستجيب للتزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان وتضمن استقلالية القضاء.

جدلية النظام والكتلة

وعلى صعيد مفاصل الحكم، أثار تفسير المحكمة الاتحادية الصادر عام 2010 للمادة (76) جدلاً استمر لسنوات، وفي هذا الصدد، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن "التفسير القضائي لعام 2010 حرف مفهوم (الكتلة الأكبر) من القائمة الفائزة بالانتخابات إلى الكتلة التي تتشكل بعدها داخل البرلمان، مما كرس هيمنة المكون الواحد وجعل العملية السياسية تدور في دوامة مفرغة".

ويضيف الفيلي لوكالة شفق نيوز، أن النظام السياسي بحاجة إلى تعديل يتيح انقسام القوى النيابية إلى أغلبية حاكمة ومعارضة كما طرح زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، معالجة لشرط تصويت ثلثي البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية الذي أوجد ما يشبه "الثلث المعطل" في لبنان.

ويرى أن الطموح لتغيير شكل النظام يصطدم بغياب الثقة ورغبة بعض الأطراف في إقحام فقرات لحظية أثرت على مسار التوافق.

وفي سياق البحث عن بدائل لتجاوز المحاصصة، يشير علي التميمي إلى أن التجربة أثبتت عجز النظام البرلماني بصيغته الحالية.

ويدعو إلى تبني النظام المختلط (على النموذج الفرنسي) كخيار أكثر واقعية؛ حيث يُنتخب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب بصلاحيات واسعة (تعديلاً للمادة 73)، بينما يتولى رئيس الوزراء المكلف من البرلمان إدارة الحكومة، إلى جانب ضرورة معالجة المادة (140) المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها والتي انتهت مهلتها عام 2007.

وفي الاتجاه ذاته، يرى المحلل السياسي صباح العكيلي أن الظروف الاستثنائية التي رافقت صياغة الدستور عام 2005 تحت مظلة الاحتلال الأميركي تركت ثغرات وفراغات كثيرة.

ويشير العكيلي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "اللجنة البرلمانية التي شُكلت تحت ضغط حراك تشرين عام 2019 طرحت مقترحات للتحول نحو نظام شبه رئاسي".

لكن العكيلي يربط نجاح أي خطوة بتوفر الإرادة التوافقية الشاملة، مؤكداً أن "التعديل متطلب حتمي لمواكبة المتغيرات والتجارب الدولية، بيد أنه يصطدم دائماً بشرط الإجماع البرلماني والشعبي".

التطبيق قبل التعديل

على الضفة الأخرى، يبرز موقف مباين ينظر بشكوك حيال جدوى هذه الدعوات في الوقت الراهن، حيث يرى المحلل السياسي في أربيل محمد زنكنة أن المشكلة لا تكمن في صياغة النص الدستوري بل في امتناع بغداد والقوى النافذة عن تطبيقه والتعامل معه بانتقائية.

ويكشف زنكنة لوكالة شفق نيوز، عن وجود "أكثر من 55 مادة دستورية معطلة أو متجاوز عليها، وفي مقدمتها المادة 140 والقوانين الاتحادية المنظمة للبنية الفيدرالية وفي مقدمتها قانون النفط والغاز وقانون مجلس الاتحاد (المادة 65)".

ويعتبر في الختام أن إثارة هذا الملف بين الحين والآخر مجرد "فقاعة سياسية" لإشغال الشارع، مشدداً على أن التعددية المكوناتية وغياب التوافق يمنعان الاتفاق على آلية موحدة للتعديل، وأن المطلوب أولاً هو قرار من المحكمة الاتحادية يحدد حجم البنود المطبقة فعلياً مع توفر إرادة سياسية حقيقية للتنفيذ قبل الشروع في أي مسار لتعديل النص الدستوري.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon