"الفجوة تتسع".. لماذا يفضل العراقيون الصيرفة على المصارف؟
شفق نيوز- بغداد
تشهد مكاتب الصيرفة وتحويل الأموال في العراق توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار اعتماد شريحة واسعة من المواطنين والتجار عليها لتنفيذ معاملاتهم المالية اليومية، مقابل تراجع نسبي في الاعتماد على المصارف الحكومية في عدد من الخدمات المالية.
ويعكس هذا التوسع، بحسب مختصين، فجوة مستمرة بين المواطن والمنظومة المصرفية الرسمية، ترتبط بسرعة إنجاز المعاملات وسهولة الوصول إلى الخدمات، مقارنة بالإجراءات المصرفية التقليدية التي ما تزال تتسم بالبيروقراطية والازدحام وطول مدة الإنجاز في بعض الحالات.
الاعتماد على النقد مستمر
وفي هذا السياق، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن "نحو 87% من الكتلة النقدية العراقية، بما يعادل قرابة 95 تريليون دينار من أصل 109 تريليونات دينار، ما تزال خارج النظام المصرفي، الأمر الذي يحد من قدرة القطاع المصرفي على توظيف الأموال في الائتمان والاستثمار، ويعكس استمرار ظاهرة الاكتناز النقدي وضعف اندماج الأموال في الدورة المصرفية الرسمية".
ورغم تحسن مؤشرات الشمول المالي في العراق، ما تزال شريحة واسعة من المواطنين خارج النظام المصرفي أو لا تعتمد عليه بصورة منتظمة في معاملاتها اليومية.
وكان البنك المركزي العراقي قد أعلن ارتفاع نسبة الشمول المالي إلى أكثر من 40% خلال عام 2025، بعد أن كانت بحدود 20% في سنوات سابقة، وهو مؤشر يضم الحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية وأدوات الدفع الرقمية، وليس الحسابات البنكية التقليدية فقط.
ومع ذلك، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن نسبة كبيرة من البالغين لا تمتلك حسابات مصرفية نشطة أو لا تستخدمها بصورة منتظمة، ما يعكس استمرار الاعتماد الواسع على النقد في السوق المحلية.
كما تعتمد الدولة بشكل كبير على الاستيراد لتوفير احتياجات السوق من السلع، في وقت تدفع فيه التعقيدات المرتبطة بإجراءات التخليص الجمركي، فضلاً عن عدم قدرة بعض التجار على الحصول على الدولار عبر نافذة البنك المركزي، إلى الاعتماد على مكاتب الصيرفة لتأمين العملة الأجنبية وإجراء التحويلات الخارجية.
سوق الصرف.. بين الحاجة والمضاربة
ويُسهم هذا الواقع، بحسب مختصين، في زيادة الطلب على الدولار داخل السوق المحلية، ولا سيما من قبل التجار الصغار والمتوسطين الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى القنوات الرسمية للتحويلات المالية.
في حين، تذهب تقديرات رقابية نحو وجود آلاف مكاتب وشركات الصيرفة في عموم البلاد، مقابل نحو 900 فرع مصرفي للمصارف الحكومية والأهلية، ما يعكس اتساع الشبكة غير المصرفية مقارنة بالبنية المصرفية الرسمية.
ويؤدي قطاع الصيرفة دوراً مهماً في تسهيل حركة السيولة داخل السوق، إلا أن الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق الموازية، والتي تتراوح بين 15% و20% خلال فترات الأزمات، أسهمت في تنشيط التعاملات خارج القنوات المصرفية وزيادة نشاط المضاربة على العملة.
كما يُقدَّر أن هذا القطاع يوفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات التحويلات وإدارة السيولة.
رؤية اقتصادية
من جهته، قال الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، لوكالة شفق نيوز، إن "بعض شركات الصيرفة بدأت تمارس أنشطة تشبه عمل المصارف من خلال منح قروض وتسليف بضمان الرواتب، في ممارسات وصفها بأنها خارج الإطار القانوني للصلاحيات الممنوحة لها".
وأشار إلى أن "هذا النشاط ارتبط بمحدودية دور بعض المصارف في توفير الائتمان للقطاعات الاقتصادية"، مبيناً أن "هذه العمليات تُعد عالية المخاطر في ظل ارتفاع معدلات الفائدة وغياب الرقابة التنظيمية على آليات منح القروض واستيفاء الأقساط، ما قد ينعكس على زيادة الأعباء المالية على المقترضين".
وتابع علي، حديثه قائلاً إن "نشاط الإقراض لا يدخل ضمن طبيعة عمل شركات الصيرفة أو الرخص الممنوحة لها، والتي تقتصر على أعمال الصيرفة والتحويل الخارجي، ما يجعل هذه الممارسات خارج نطاق النشاط المرخص قانوناً".
بدوره، رأى الخبير المالي هلال الطعان، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "شريحة واسعة من المواطنين في العراق تفضل التعامل مع مكاتب الصيرفة بسبب سرعة إنجاز المعاملات وسهولة الإجراءات مقارنة بالمصارف الحكومية، إضافة إلى مرونة ساعات العمل التي تمتد في بعض الحالات إلى أوقات متأخرة وأيام العطل".
وأوضح أن "ضعف الثقة بالقطاع المصرفي، إلى جانب الاعتماد الواسع على النقد في الاقتصاد العراقي، أسهما في تعزيز هذا التوجه"، مشيراً إلى أن "مكاتب الصيرفة تسهم في تسهيل التحويلات الداخلية والخارجية وتوفير الدولار للتجارة والاستيراد".
وفي ما يتعلق بسوق الصرف، لفت الطعان، إلى أن "مكاتب الصيرفة تؤثر بشكل غير مباشر في سعر الدولار عبر آليات العرض والطلب، إذ يسهم ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية، إلى جانب المضاربة والفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق، في تقلبات سعر الصرف، فضلاً عن عوامل نفسية تدفع بعض المواطنين إلى شراء الدولار عند توقع ارتفاع أسعاره".
وعلى الصعيد الداخلي، يحد هذا الوضع من فاعلية أدوات السياسة النقدية للبنك المركزي في ضبط السوق واستقرار سعر الصرف، وهو ما ينعكس بصورة غير مباشرة على مستويات الأسعار والأنشطة الاستثمارية، ولا سيما في ظل التقلبات الاقتصادية وعدم استقرار السوق.
ولا يمثل التوسع العددي لمكاتب الصيرفة بالضرورة مؤشراً على عافية اقتصادية، بقدر ما يعكس استمرار الفجوة بين المواطن والمؤسسة المصرفية، بحسب المختصين.
ويرى المختصون أن الحل لا يكمن فقط في الإجراءات الأمنية أو الرقابية التي قد تزيد من ارتباك السوق، بل في إعادة بناء الثقة بين المواطن والبنك عبر تبسيط الإجراءات، وتطوير الخدمات الرقمية، وتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، فضلاً عن تنظيم عمل مكاتب الصيرفة ودمجها تدريجياً ضمن منظومة مالية أكثر استقراراً وشفافية، بما يحمي مدخرات المواطنين ويعزز استقرار السوق المالية.