الحمل تهمة في القطاع الخاص.. نساء عراقيات يواجهن شروطا مجحفة للعمل
شفق نيوز- بغداد
لم تكتمل فرحة العاملة ضحى خالد بحملها، إذ بمجرد أن علم صاحب الشركة التي تعمل بها بحملها، حتى سارع إلى فصلها من العمل متذرعاً بأعذار واهية، منها أنها ستتعرض لوعكات صحية كثيرة طيلة فترة الحمل تجعلها تطالب بإجازات متكررة.
ويبدو أن هذا الأمر ليس جديداً، إذ تتعرض العديد من النساء العاملات في القطاع الخاص للفصل والإبعاد عن العمل بمجرد معرفة أرباب العمل بحملهن، وهو ما يشكل انتهاكاً فاضحاً لحقوق المرأة العاملة في القطاع الخاص.
تقول ضحى في حديثها لوكالة شفق نيوز، إنها أُصيبت بالدهشة من قرار فصلها في الوقت الذي كانت تتلقى التهاني من زميلات العمل بمناسبة حملها الأول.
وتضيف: "في نفس اليوم وقبل نهاية الدوام أبلغوني بالاستغناء عن خدماتي"، مشيرة إلى أن رب العمل يرفض تشغيل النساء الحوامل بحجة أنهن يؤثرن على العمل.
وتعد بيئة العمل في القطاع الخاص غير آمنة، وخاصة بالنسبة للنساء، ووفق العديد من العاملات، تتقاضى النساء العاملات أجوراً أقل من الرجال، ويتركز عملهن على أنشطة عادية ومتوسطة الأجر، وتقل فرص وصولهن إلى مواقع مهمة في العمل، إضافة إلى فرض شروط تعسفية عليهن في العمل.
تؤكد البائعة في أحد المحال التجارية غيداء رشيد، أنها تركت العمل بسبب شروط تمس كرامتها، وشروط أخرى تؤدي إلى الإرهاق، ومنها الوقوف طول فترة الدوام وعدم الجلوس أو الرد على هاتفها الخاص، والسير خلف الزبونة، ولا تُمنح طوال اليوم سوى فترة نصف ساعة فقط لتناول الغداء.
وتضيف في حديث لوكالة شفق نيوز: "لم أجد بداً من ترك العمل لأن الأجور التي يدفعونها لي لا تتناسب مع الوقت والجهد الذي أبذله في العمل"، مشيرة إلى أنها تخرج من العمل في الساعة العاشرة ليلاً، فأصل إلى البيت وأنا في غاية الإرهاق والتعب ولا أفعل شيئاً سوى النوم.
وتتعدد الشواهد على الأوضاع التعسفية التي تعاني منها العاملات في القطاع الخاص، وخاصة المتزوجات منهن.
تشير العاملة رؤى أحمد، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى أن أرباب العمل عندما يعلموا "أنني متزوجة ولدي أطفال يرفضون توظيفي على الرغم من خبرتي الطويلة واختصاصي النادر".
وتواصل في حديثها للوكالة، أن الرد الجاهز لأرباب العمل يكون دائماً هو (لا نريد عاملة لديها أطفال لأنها ستكون مرتبطة بهم، ولن تتفرغ إلى العمل كما ينبغي).
أما ملاك المالكي، التي تعمل في إحدى رياض الأطفال، فتوضح في حديثها لوكالة شفق نيوز، أنها تتقاضى أجراً زهيداً لا يتجاوز 150 ألف دينار، وقد قبلت بذلك بسبب شح فرص العمل.
وتؤكد ملاك أنها متخرجة حديثاً، ولم تجد فرصة عمل في شركات القطاع الخاص لأنهم يشترطون خبرة وممارسة على المتقدمة للعمل لا تقل عن 5 سنوات.
وكانت الأحزاب اليسارية في العراق أصدرت في عيد المرأة العام الماضي بياناً طالبت فيه بالمساواة في الأجور بين الذكور والإناث في القطاع الخاص.
يأتي ذلك فيما يحتل العراق المرتبة الأدنى عالمياً في مشاركة النساء في سوق العمل، إذ تشهد البلاد فجوة واسعة في التمثيل الاقتصادي بين الجنسين، ووفق الإحصائيات التي أوردها البيان، فإن نسبة المشاركة في القوة العاملة تبلغ حوالي 76.7 في المئة من الرجال، مقابل 12.1 في المئة من النساء، فيما تعاني ثلث النساء على الأقل من البطالة، بينما تتراوح معدلاتها بين الرجال بين 11 و14 في المئة.
ويقول رئيس الاتحاد العراقي لنقابات العمال وليد نعمة، لوكالة شفق نيوز إن منح الأجور يتم حسب الجهد والعطاء الذي يقدمه العاملون، مبيناً أن معظم النساء يعملن في الإدارة والحاسبة أو الشؤون الفنية، وبذلك تقل أجورهن عن الرجال الذين يمضون أوقاتاً طويلة في العمل تحت أشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف.
ويضيف: "لا يوجد فرق في الأجور بين الجنسين إن كان الاثنان يمارسان ذات العمل الإداري أو الفني والمالي داخل الشركة أو المصنع"، مؤكداً أن قانون 37 من قوانين النقابة يكفل حقوق المرأة العاملة في القطاع الخاص من ناحية حقها التمتع بإجازة الوضع مدفوعة الأجر.
ويلفت نعمة، إلى وجود لجان من اتحاد نقابات العمال لمتابعة سوق العمل ورصد المخالفات وإقامة دعاوى ضد أرباب العمل المخالفين للسياقات والضوابط المنصوص عليها في قوانين الاتحاد وتقديمهم إلى محكمة العمل، منوهاً بتقديم العديد من المخالفين لهذه المحكمة من أجل إنصاف شريحة العمال ورفع الحيف عنهم وخلق بيئة عمل آمنة.
وتطالب بعض منظمات المجتمع المدني في العراق بتكافؤ الفرص في سوق العمل وفي الحصول على أجر وحقوق متساوية.
وتقول مريم الفرطوسي، رئيسة منظمة اليس للمرأة والأسرة والطفل، إن النساء أكثر عرضة للتوقف عن العمل بسبب الحمل والولادة ورعاية الأطفال والتحيزات الاجتماعية.
وتذكر خلال حديثها للوكالة، أن من الممكن أن يعمل الرجل حتى ساعة متأخرة من الليل، بينما ليس بوسع المرأة فعل ذلك، وهذا هو أحد أسباب تفاوت الأجور، مؤكدة أن حرمان العاملة من أجرها يعود إلى أن معظم النساء مسالمات يتجنبن إثارة المشاكل والمطالبة بالحقوق، وهو ما يشجع الكثير من أرباب العمل على الاستيلاء على مستحقاتها، بعكس الرجل الذي يصر على المطالبة بمستحقاته.
وتبين الفرطوسي، أن بعض النساء يعملن بأجور متدنية للغاية وشروط مجحفة، مشيرة إلى أن العديد من النساء هن من يتكفلن بالإعالة، ففي محافظة المثنى التي قدمت آلاف الشهداء، بقيت النساء هن المعيلات للأسرة، وهذا ما يدفعها للموافقة على أية شروط يفرضها أرباب العمل.
وتنوه إلى أن بعض النساء بمحافظة المثنى يعملن أعمالاً شاقة في معامل الطابوق، وهن مضطرات لذلك تحت ضغط الحاجة، لافتة إلى أن النساء يخشين المطالبة بتحسين الأجور، لأن ذلك قد يؤدي إلى فصلهن من العمل في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وأن غياب الحماية القانونية للعاملات يدفع أرباب العمل إلى استغلالهن.
وتؤكد أن العديد من منظمات المجتمع المدنية المعنية طالبت مراراً الجهات المعنية بتوفير بيئة آمنة للنساء وحمايتهن وحفظ كرامتهن في العمل، بيد أن الاستجابة لا تزال محدودة.
ووفق كثيرين فإن العمل في القطاع الخاص محفوف بالمخاطر بالنسبة للنساء، إذ غالباً ما يُفرض عليهن دوام طويل، وعقود هشة، كما يتعرضن للتحرش، ما يجعل العمل بهذا القطاع مجرد وسيلة للبقاء دون ضمان للكرامة المهنية.
علي عباس، صاحب محل ملابس في منطقة البياع، لاحظناه بين فترة وأخرى يقوم بتبديل العاملات، وعند سؤالنا له أجاب بالتالي: "نحن لا نقصد التمييز بين النساء والرجال، لكن طبيعة العمل في القطاع الخاص تفرض علينا حسابات مختلفة".
ويوضح عباس، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن الكثير من الأعمال تتطلب دواماً طويلاً والتزاماً مستمراً وحضوراً يومياً دون انقطاع، وهو ما يكون أسهل غالباً مع الذكور.
ويضيف عباس: فيما يخص الأجور، فنحن نحدد الرواتب بناء على القدرة والاستمرارية وتحمل ضغط العمل، وليس على أساس الجنس، مبيناً أن النساء يتركن العمل بشكل أسرع، إما بسبب الزواج أو الحمل، ما يسبب لنا خسائر مادية وتكاليف تدريب متكررة.
ويختتم عباس، حديثه بالإشارة إلى أن شرط منع الحمل ليس بدافع التمييز، وإنما بسبب تأثيره المباشر على سير العمل، خاصة في المحلات الصغيرة التي لا تتحمل غياب الموظفة أو توفير بديل مؤقت.