استقطابات الشرق والغرب تسلب الدبلوماسية العراقية استقلاليتها

استقطابات الشرق والغرب تسلب الدبلوماسية العراقية استقلاليتها
2026-10-16T07:49:53+00:00

شفق نيوز- بغداد/ عمّان/ رام الله

مرت الدبلوماسية العراقية، منذ عام 2003، بمراحل متباينة بين محاولات استعادة الدور الإقليمي، والانفتاح على الشراكات العربية والدولية، والتراجع تحت ضغط الاستقطابات.

وبينما يرى مراقبون أن بغداد استعادت جانباً من حضورها عبر الوساطة والحوار والمشاريع الاقتصادية، يحذر آخرون من أن سياسة التوازن لم تتحول بعد إلى نفوذ مستقل قادر على حماية المصالح الوطنية وحسم الملفات السيادية العالقة.

"توازن بلا هوية"

وفي هذا السياق، يرى رئيس مركز التفكير السياسي وأستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إحسان الشمري، أن الدبلوماسية العراقية بحاجة إلى تغيير فلسفتها منذ عام 2003، معتبراً أنها لم تنجح في إنتاج مكانة تتناسب مع إمكانات البلاد، بل شهدت تراجعاً في علاقاتها الخارجية خلال مراحل مختلفة.

ويقول الشمري لوكالة شفق نيوز، إن الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2014 كانت مرحلة "انقطاع شبه تام" في العلاقات الخارجية، فيما شهدت مرحلة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي تحسناً في العلاقات، قبل أن تؤدي حكومة مصطفى الكاظمي دوراً في تقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران.

ويضيف أن أداء الدبلوماسية تراجع لاحقاً، وأنها لم تعد، في كثير من الملفات، تعبر عن رؤية عراقية مستقلة بقدر ما أصبحت صدى للتجاذبات الخارجية، وهو ما ينعكس سلباً على مصالح البلاد وقدرتها على التأثير في الأزمات الإقليمية.

ويضع الشمري جوهر المشكلة في ما يصفه بأسر الدبلوماسية العراقية بين واشنطن وطهران، قائلاً إن الاعتماد على مبدأ التوازن جعل القرار الخارجي متردداً، بسبب حساب ردود الفعل المحتملة من الطرفين قبل اتخاذ أي خطوة.

وبحسب تقديره، فإن هذا النهج أضعف الهوية المستقلة للسياسة الخارجية العراقية، وقلص قدرة بغداد على لعب دور مؤثر في محيط إقليمي تتكرر فيه الأزمات وتتصاعد فيه الحاجة إلى الوساطات.

استعادة الدور العربي

وفي المقابل، يقدم أستاذ العلاقات الدولية، حسن الشمري، قراءة أكثر إيجابية لمسار السياسة الخارجية، معتبراً أن العراق حقق إنجازات مهمة منذ عام 2013، سواء على مستوى الإطار القانوني للدبلوماسية أو في استعادة العلاقات العربية وتوسيع الشراكات الإقليمية.

ويشير الشمري خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى قانون وزارة الخارجية رقم 36 لسنة 2013، الذي حدد أهداف الوزارة، ومنها تعزيز العلاقات مع الدول العربية والمجاورة ودول العالم على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ويرى أن التوجه نحو الابتعاد عن سياسة المحاور أتاح للعراق مساحة أوسع لإعادة بناء علاقاته مع محيطه العربي، ولا سيما دول الخليج.

ويضيف أن بغداد استعادت قنوات التواصل مع دول عربية، بينها السعودية، ووسعت علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران في آن واحد، إلى جانب محاولات استعادة دور الوساطة الإقليمية.

ويقول إن التحديات التي واجهها العراق بعد عام 2014، وفي مقدمتها صعود تنظيم "داعش"، دفعت بغداد إلى الاستعانة بالتحالف الدولي بناءً على طلب رسمي من الحكومة العراقية آنذاك، مشيراً إلى أن استعادة الأراضي من التنظيم مثلت إنجازاً أمنياً مهماً.

كما يعد الحفاظ على العلاقات مع واشنطن وطهران، بالتوازي مع تطوير العلاقات العربية، من أبرز أدوات السياسة الخارجية العراقية، إلى جانب ما تحقق في ملف إخراج العراق من القيود الدولية المرتبطة بغزو الكويت عام 1990، وفقاً الشمري.

هامش مناورة ضيق

أما على مستوى المرحلة الحالية، فيرى المحلل السياسي الأردني، حازم عياد، أن تقييم الدبلوماسية العراقية لا يزال مبكراً، في ظل تعقيد البيئة الإقليمية والدولية التي بدأت فيها حكومة الزيدي عملها، وتصاعد الاعتماد على الأدوات العسكرية والاقتصادية والعقوبات في إدارة الصراعات.

ويقول عياد لوكالة شفق نيوز، إن الدبلوماسية تواجه عالمياً تراجعاً في قدرتها على احتواء الأزمات مع هيمنة لغة المواجهة، فيما يواجه العراق تحديات داخلية تتعلق بترتيب التوازنات السياسية والأمنية، وهي عوامل تؤثر مباشرة في قدرته على التعامل مع دول الجوار والبيئة الإقليمية الأوسع.

ويضيف أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط اقتصادية مؤثرة، ما يضيق هامش المناورة المتاح لبغداد في علاقاتها مع واشنطن وطهران ودول المنطقة، خصوصاً مع استمرار التصدع الأمني والسياسي الإقليمي.

ويشير عياد إلى أن بغداد ما زالت تحاول تقديم نفسها بوصفها طرفاً قادراً على التواصل مع مختلف القوى، لكن نجاح هذا المسار يتوقف على قدرتها على ترتيب أوضاعها الداخلية وتوحيد أولوياتها قبل توسيع دورها الإقليمي.

استقلالية القرار

من جهته، يرى الخبير في العلاقات الدولية من رام الله، أشرف عكة، أن الدبلوماسية العراقية تمر بمرحلة مفصلية تفرضها التحولات الأمنية والإقليمية والدولية، موضحاً أن التحدي لم يعد مجرد الحفاظ على علاقات جيدة مع الأطراف المختلفة، بل توظيف تلك العلاقات لحماية المصالح الوطنية وتعزيز سيادة الدولة.

ويقول عكة لوكالة شفق نيوز، إن انفتاح بغداد على محيطها العربي والإقليمي والدولي، واستمرار قنوات التواصل مع واشنطن وطهران والعواصم العربية، يمنحان العراق فرصة للمناورة الدبلوماسية، بحكم موقعه الجغرافي وثقله السياسي والاقتصادي.

لكنه يحذر من أن الحفاظ على علاقات متوازنة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التأثير في قرارات الأطراف الأخرى، مؤكداً أن الاختبار الأول للدبلوماسية العراقية يتمثل في تثبيت مبدأ أن العراق ليس ساحة لتصفية الحسابات، وأن علاقاته الخارجية يجب أن تنطلق من أولوياته الوطنية.

ويضع عكة الاختبار الثاني في قدرة السياسة الخارجية على تحويل العلاقات والاتفاقيات إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، تشمل جذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات التجارية، ونقل التكنولوجيا، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط والتأثر بتقلبات أسعاره والتوترات الإقليمية.

ويضيف أن نجاح الدبلوماسية لا ينبغي أن يقاس بعدد الزيارات والاتفاقيات وحدها، بل بما تحققه من فرص عمل وتنمية واستقرار اقتصادي، مشدداً على أن الوساطة الإقليمية الفاعلة تحتاج إلى استقرار داخلي ومؤسسات قوية وقرار سيادي موحد.

ويخلص عكة إلى أن القضية الجوهرية لا تتمثل في الاختيار بين الشرق والغرب، أو بين واشنطن وطهران، بل في بناء سياسة خارجية عراقية مستقلة تستطيع التعاون مع الجميع وفق المصالح الوطنية.

فالتوازن الحقيقي، بحسب رأيه، لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين القوى المتنافسة، وإنما امتلاك القدرة على تحديد الأولويات واتخاذ القرار من دون الخضوع لقيود المحاور.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon