صور من معبر رفح.. عائدون إلى غزة يروون مراحل رحلتهم العكسية

صور من معبر رفح.. عائدون إلى غزة يروون مراحل رحلتهم العكسية
2026-02-22T10:30:27+00:00

شفق نيوز- غزة

بعد عامين من الإغلاق القسري والقيود الإسرائيلية المشددة التي فرضتها الحرب، فُتح معبر رفح البري جزئياً.

ولم يكن المشهد في ساحة مستشفى ناصر في خان يونس مجرد تجمع عابر، بل صورة مكثفة لحالة من الترقب المثقل بالإرهاق، حيث أصبحت حافلات العائدين رابطاً يعيدهم إلى حياتهم الخاصة أكثر من كونه مجرد وسيلة نقل.

ومع وصول الحافلات إلى المعبر، امتزجت دموع الفرح بصمت ثقيل، في مشهد إنساني يختصر حكاية عامين من الفقد والانتظار، ويفتح باباً للعودة رغم واقع يرزح تحت الدمار.

رحلة العبور

تبدأ رحلة العودة، وفق روايات العائدين لوكالة شفق نيوز، بسلسلة طويلة من الإجراءات، أولها تنسيق مسبق يخضع لفحص أمني إسرائيلي دقيق، حيث لا يُسمح بالعودة دون موافقة مسبقة.

ومع ساعات الفجر، يتوجه المسافرون إلى الصالة المصرية، حيث يخضعون لتفتيش روتيني قبل انتظار طويل.

بعد ذلك، يُنقل العائدون إلى ممر محاط بالأسلاك الشائكة داخل معبر رفح، حيث تُختم جوازاتهم بإشراف البعثة الأوروبية وعناصر من السلطة الفلسطينية، لتُستكمل الإجراءات الشكلية، وتبدأ المرحلة الأصعب.

ويروي العائدون أن هذه المرحلة تتضمن تفتيشاً دقيقاً يتخلله تعامل قاسٍ من قبل عناصر مسلحة، يعقبه تحقيق مطوّل من قبل القوات الإسرائيلية، يمتد أحياناً من ساعة إلى أربع ساعات، في ظروف يصفونها بالضاغطة والمهينة.

"هددوني بأطفالي"

بصوت يختلط فيه الغضب بالألم، تروي ولاء الرقب تفاصيل احتجازها مع والدتها وسيدة أخرى، حيث جرى تعصيب أعينهن قبل إخضاعهن لتحقيق قاسٍ.

وتقول الرقب لوكالة شفق نيوز، إن المحققين وجّهوا لها أسئلة عن أمور لا تعرف عنها شيئاً، وركّزوا على شقيقها الذي استشهد مع عدد من أفراد عائلته.

وتضيف: "لم يكتفوا بالأسئلة، بل هددني أحدهم بحرماني من أطفالي إن لم أتعاون".

وتختم شهادتها بقولها: "ما تعرضنا له كان محاولة لكسرنا نفسياً قبل أن نعود".

"حياة بعد غياب"

تصف نداء عمران، إحدى العائدات إلى القطاع، سنوات الغربة بأنها كانت قاسية بسبب البعد عن العائلة، مؤكدة أنها شعرت براحة كبيرة فور وصولها إلى غزة.

وتقول: "العودة كانت أشبه باستعادة الحياة"، مضيفة أنها رغم تعرضها لتقييد اليدين وتغطية العينين خلال تحقيق استمر نحو ساعة ونصف، بقيت متمسكة بخيارها: "هذا وطننا، وُلدنا فيه وسنبقى".أما حازم المنسي، فيصف لحظة عودته بأنها لا تُقارن بأي تجربة أخرى، خاصة بعد لقائه بأسرته.

وكان المنسي قد غادر إلى مصر للعلاج بعد إصابة في قدمه خلال الحرب، لكنه قرر العودة قبل استكمال علاجه.

ويقول: "تلقيت رعاية جيدة في مصر، لكن الوطن لا يُعوّض".

ويضيف: "رؤية أطفالي واحتضانهم أهم من أي شيء آخر"، مؤكداً أن الحياة في غزة، رغم صعوبتها، تبقى الخيار الأقرب لقلبه.

بدورها، تروي هدى أبو عابد، وهي في الخمسينيات وتعاني من أمراض مزمنة في القلب والعين، تفاصيل رحلة وصفتها بالمؤلمة.وتقول إن الجنود صادروا منها ومن ابنتها مقتنيات شخصية، بينها هدايا وأدوية ضرورية، ما زاد من معاناتها الصحية.

وتضيف: "عدت بحقيبة واحدة، ولم يبقَ معي حتى الدواء".وتوضح أنها خضعت لتحقيق مطول وهي معصوبة العينين، تخللته أسئلة متكررة وضغوط للبقاء خارج غزة، إلى جانب تهديد ابنتها. وتصف ما حدث بأنه "سلب لفرحة العودة"، مؤكدة أن وضعها الصحي لم يُؤخذ بعين الاعتبار.

قراءة سياسية

في قراءته للمشهد، يرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى أبو السعود أن ما يجري على معبر رفح يتجاوز كونه إجراءات أمنية، ويعكس توجهاً سياسياً يهدف إلى ضبط حركة السكان والتأثير على اتجاهها.

ويستدل على ذلك بمحدودية أعداد العائدين، التي لم تتجاوز نحو 600 فلسطيني منذ إعادة فتح المعبر، وهو رقم لا يتناسب مع حجم المسجلين وقوائم الانتظار الطويلة.

ويشير أبو السعود في حديث لوكالة شفق نيوز، إلى أن القيود المفروضة على أعداد العائدين، مقابل تسهيلات نسبية للمغادرين، تعكس محاولة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بشكل غير مباشر، عبر إبقاء العودة ضمن نطاق ضيق ومتحكم به.

ويضيف أن ما يتعرض له العائدون من تحقيقات مشددة ومعاملة قاسية لا يمكن فصله عن هذا السياق، بل يندرج – بحسب تقديره – ضمن أدوات الضغط النفسي لردعهم عن التمسك بخيار العودة.

وبين تعقيدات الطريق وقسوة الإجراءات، لا تبدو العودة إلى غزة خياراً سهلاً، لكنها بالنسبة لكثيرين الخيار الوحيد الممكن.

فهؤلاء لا يعودون بحثاً عن حياة مريحة، بل تمسكاً بمعنى أعمق للوطن، حتى وإن كان مثقلاً بالجراح.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon